2017.12.17

السيّدة زينب سلام الله عليها «عالمة غير معلمة»

- Sayyed-alakwan | 2017.02.02

اللهم يسّر وأعن

قال الإمام السجاد عليه السلام مخاطباً عمته زينب سلام الله عليها: «أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، فهمة غير مفهَّمة» [الاحتجاج للشيخ الطبرسي، ج 2، ص 31]

تطلّ علينا هذه الأيام ذكرى ولادة السيّدة الجليلة عقيلة الطالبيّين، العفيفة الجليلة، فخر المخدرات الحوراء زينب الكبرى سلام الله عليها، كنت أبحث عن عنوان أو مقدّمة أبتدئ بها كلامي فما وجدت إلا كلام الإمام الذي هو إمام الكلام كي أجعله عنواناً لهذه المقالة وهو الحديث الشريف الذي استفتحت به كلامي.

ولادتها الشريفة

ولدت سلام الله عليها في اليوم الخامس من غرة جمادى الأول من السنة الخامسة بعد الهجرة المباركة على أرجح الأقوال، [راجع: زينب الكبرى، للعلامة الشيخ جعفر النقدي، ص 17] وهي المولودة الثالثة والبنت الأولى للبيت العلوي، تربَّت في بيت تكتنفه العصمة من جميع جوانبه، وهو بيت لا مثيل له على وجه الأرض، فهي المرأة المتحدِّرة من أبٍ معصوم، وأمٍّ معصومة، وإخوة معصومين؛ باركتها يد النبوة، ورعتها يد الإمامة.

معنى كلمة «زينب» ووجه تسميتها

«زينب» في اللغة؛ اسم شجر حسن المنظر طيّب الرائحة وبه سميت المرأة [لسان العرب، ج 1، ص 453]؛ أو أن الاسم مأخوذ من: زين أب يعني زينة أبيها وبهذا الاعتبار عبر البعض عنها بأنها عليها السلام «زين ابيها» كما أن الزهراء عليها السلام «أم أبيها» وهو تقابل جيد حسن. وعليه فلو أخذ الحوراء زينب من «زين أب» بعد سقوط الألف منها للتخفيف أو لكثرة الاستعمال، فهو مما يناسبها، لأنها كانت بإيمانها وتقواها وعلمها وفضلها زينة وفخراً في التاريخ لأبيها أمير المؤمنين عليه السلام بل لأهل البيت عليهم السلام أجمعين.

وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبّلها، والتفتت إليه فقالت له: «سمّ هذه المولودة»، فأجابها الإمام بأدبٍ وتواضع: «ما كنت لأسبق رسول الله» وعرض الإمام على النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يسمّيها، فقال: «ما كنت لأسبق ربّي» وهبط رسول السماء على النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال له: سمّ هذه المولودة «زينب»؛ فقد اختار الله لها هذا الاسم. وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث، فأغرق هو وأهل البيت في البكاء. [راجع: زينب الكبرى، ص 16 ـ17].

ألقابها

لما كانت هذه السيّدة المباركة جامعة لكل الفضائل الحميدة والصفات الخيّرة كان البيان عاجزاً والقلم قاصراً عن ذكر قليل من كثير ما اتصفت به سلام الله عليها من الفضائل والمناقب إلا اننا نذكر بعض هذه الألقاب تشرّفاً وتبركاً:

المسبية، الزاهدة، العابدة، الفاضلة، العاقلة، الكاملة، الصابرة، الباكية، المحدثة، المخبرة، الموثقة، الوحيدة، الغريبة، البليغة، الأسيرة، الشجاعة، المظلومة، أمينة الله، أم المصائب، عقيلة قريش، نائبة الزهراء، بطلة كربلاء، كعبة الرزايا، كعبة الأحزان، كافلة الأيتام، العقيلة الكبرى، ولية الله العظمى، الصديقة الصغرى، الآمرة بالمعروف، عقيلة بني هاشم، محبوبة المصطفى، قرة عين المرتضى، عقيلة خدر الرسالة، رضيعة ثدي الولاية، الغيورة على الدين، الخالصة في المودة، الممتحنة الصابرة، المجاهدة المحتسبة، العالمة غير المعلمة، الفاهمة غير المفهمة، شقيقة الحسن المجتبى، كاملة اليقين والمعرفة، صاحبة النيابة الخاصة، الراضية بالقدر والقضاء، شريكة الحسين سيد الشهداء …

زوجها وأبناؤها

عندما تقدّمت السيدة زينب في السنّ انبرى الأشراف والوجوه إلى خطبتها، والتشرّف بالاقتران بها، فامتنع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من إجابتهم، وتقدّم لخطبتها فتىً من أنبل فتيان بني هاشم وأحبّهم إلى الإمام وأقربهم إليه، وهو ابن أخيه «عبد الله بن جعفر»، من أعلام النبلاء والكرماء في دنيا العرب والإسلام، وكان فذاً من أفذاذ الإسلام وسيّداً من سادات بني هاشم، يقول فيه معاوية: هو أهلٌ لكلّ شرفٍ، والله ما سبقه أحدٌ إلى شرف إلاّ وسبقه [راجع: تهذيب التهذيب، ج 171، ص5] وكان يُسمى «بحر الجود» [اُسد الغابة، ج3، ص 134]، ويقال: لم يكن في الإسلام أسخى منه [الاستيعاب، ج 3، ص 881ـ882،] فأجابه الإمام علي عليه السلام إلى ذلك ورحّب به.

ورزق هذا السيّد الجليل من الحوراء زينب سلام الله عليها كوكبة من الأعلام وهم: 1. عون. 2. محمد وقد استشهد في يوم عاشوراء مع أخيه عون. 3. عباس. 4. علي الزينبي. 5. السيدة أم كلثوم وقد زوّجها الإمام الحسين عليه السلام من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر.

بعض الصفات والخصال الزينبية

العفاف الزينبيّ

يقول يحيى المازنيّ: «كنتُ في جوار أمير المؤمنين عليه السّلام مدّةً مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فوالله ما رأيتُ لها شخصاً، ولا سمعتُ لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله صلّى الله عليه وآله تخرج ليلاً، والحسنُ عن يمينها والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسنُ مرّة عن ذلك فقال: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب» [زينب الكبرى، ص 39].

الفصاحة الزينبيّة

قال حذيم الأسدي: «لم أرَ واللهِ خَفِرةً قطّ أنطقَ منها، كأنّها تنطق وتُفْرغ عن لسان عليّ عليه السّلام، وقد أشارت إلى الناس (أي أهل الكوفة بعد فاجعة كربلاء وقد جيء بها سبيّة) بأن أنصتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الاجراس، ثمّ قالت: أما بعدُ يا أهل الكوفة، يا أهل الختل، والغدر والخذل، أتبكون.. فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الزفرة.. هل فيكم إلاّ الصلف، والعجب، والشنف، والكذب، وملق الإماء، وغمز الأعداء … قد ذهبتم بعارها، ومُنيتُم بشَنارها، ولن ترحضوها أبداً، وأنّى ترحضون قتلَ سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم، ومعاذ حزبكم ؟! أتدرون ـ وَيْلَكم ـ أيَّ كبِدٍ لمحمّد صلّى الله عليه وآله فريتُم؟ وأيَّ حُرمة له هتكتم؟ وأيَّ دم له سفكتم؟! لقد جئتم بها شوهاءَ صلعاء، عنقاءَ سوداء، فقماء خرقاء…

قال حذيم: فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديَهم في أفواههم، فالتفتُّ إلى شيخ في جانبي يبكي وقد اخضلّت لحيته من البكاء وهو يقول: بأبي وأمي، كهولُهم خير كهول، ونساؤُهم خيرُ نساء، وشبابهم خير شباب، ونسلُهم نسل كريم، وفضلهم فضل عظيم. [الاحتجاج، ج 2، ص 31]

العبادة الزينبية

ينقل عن السيدة زينب سلام الله عليها أنها كانت تؤدّي نوافل الليالي كاملة في أوقاتها، حتّى أنَّ الامام الحسين عليه السّلام عندما ودّع عياله الوداع الأخير يوم عاشوراء قال لها: «يا أختاه، لا تنسيني في نافلة الليل» [راجع: زينب الكبرى، ص 62]. ولم تترك نافلة الليل حتى ليلة عاشوراء حيث تقول فاطمة بنت أخيها الحسين عليه السلام: «وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة في محرابها تستغيث إلى ربها فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنة» [راجع: زينب الكبرى، ص 62] ويقول الإمام السجاد عليه السلام: «إنّ عمّتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تَرَكت نوافلها الليلية» [راجع: زينب الكبرى، ص 62]. وعنه عليه السلام أيضاً أنه قال: «إن عمتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من قيام، الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس، فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليالٍ. لأنّها كانت تقسّم ما يصيبها من الطعام على الاطفال، لأن القوم كانوا يدفعون لكل واحد منّا رغيفاً من الخبز في اليوم والليلة» [راجع: زينب الكبرى، ص 32]

علمها وفضلها سلام الله عليها

كانت حفيدة المصطفى صلّى الله عليه وآله في فجر الصبا قمة في الذكاء، فقد حفظت القرآن الكريم، وكذلك حفظت أحاديث جدّها الرسول صلّى الله عليه وآله، وقد بهر الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام من شدّة ذكائها، فقد قالت له يوماً: «أتحبّنا يا أبتاه؟ فأسرع الإمام قائلاً: وكيف لا اُحبكم وأنتم ثمرة فؤادي! فأجابته بأدبٍ واحترامٍ: يا ابتاه، إنّ الحبّ لله تعالى، والشفقة لنا» [راجع: زينب الكبرى، ص 35].

وعجب الإمام عليه السّلام من فطنتها، فقد أجابته جواب العالم المنيب إلى الله تعالى. وكان من فضلها واعتصامها بالله تعالى أنّها قالت: «مَنْ أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده؛ ألم تسمع إلى قوله: سمع الله لمَنْ حمده؟ فخف الله لقدرته عليك، واستحِ منه لقربه منك» [راجع: أعيان الشيعة، ج 7، ص 140]

ويقال إنّ السيدة زينب عليها السلام كان لها مجلس خاص في بيتها أيّام إقامة أبيها عليه السلام في الكوفة، وكانت تفسّر القرآن للنساء، ففي بعض الأيام كانت تفسّر ﴿كهيعص﴾ إذ دخل أمير المؤمنين عليه السلام عليها، فقال لها: يا نور عيني سمعتُكِ تفسّرين ﴿كهيعص﴾ للنساء ؟ فقالت: نعم. فقال: هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ شرح عليه السلام لها المصائب، فبكتْ بكاءً عالياً» [زينب الكبرى، للشيخ جعفر النقدي، ص 34 ـ 36، نقلاً عن كتاب الخصائص الزينبية، للسيد نور الدين الجزائري].

وممّا يدلّ على مزيد فضلها أنّها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين عليه السلام في حال غيابه فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية، ونظراً لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين عليه السّلام يروي عنها، وكذلك كان يروي عنها عبد الله بن جعفر، والسيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين، ولمّا كانت في الكوفة في أيام أبيها كان لها مجلس خاص تزدحم عليها السيّدات فكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم، كما كانت المرجع الأعلى للسيّدات من نساء المسلمين، فكنّ يأخذن منها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه، ويكفي للتدليل على فضلها أنّ ابن عباس حبر الاُمّة كان يسألها عن بعض المسائل التي لا يهتدي لحلّها، كما روى عنها كوكبة من الأخبار، وكان يعتزّ بالرواية عنها، ويقول: حدّثتنا عقيلتنا زينب بنت علي [راجع: مقاتل الطالبيين لأبي فرج الاصفهاني، ص 60]

وفاتها عليها السلام

لم تمكث العقيلة بعد كارثة كربلاء إلاّ زمناً قليلاً حتى تناهبت الأمراض جسمها، وصارت شبحاً لا تقوى حتى على الكلام، ولازمت الفراش وهي تعاني آلام المرض، وما هو أشق منه وهو ما جرى عليها من الرزايا، وكانت ماثلة أمامها حتى الساعات الأخيرة من حياتها… وقد وافتها المنية ولسانها يلهج بذكر الله وتلاوة كتابه. وقد صعدت روحها الطاهرة إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى الله تحفها ملائكة الرحمن، وتستقبلها أنبياء الله وهي ترفع إلى الله شكواها، وما لاقته من المحن والخطوب التي لم تجر على أي إنسان منذ خلق الله الأرض. انتقلت العقيلة إلى جوار الله تعالى على أرجح الأقوال في يوم الأحد مساء الخامس عشر من شهر رجب سنة 62 هجرية [راجع: أخبار الزينبات للعُبيدلي، ص 122]. وقد آن لقلبها الذي مزقته الكوارث أن يسكن ولجسمها المعذب أن يستريح.

تعليق