2017.12.17

المدخل إلی شخصیة رسول الله (ص) و سیرته فی القرآن

- Sayyed-alakwan | 2016.12.14

المدخل إلی شخصیة رسول الله (ص) و سیرته فی القرآن (1) /  آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دام ظلّه

إنّ التعرّف على حياة النبي يتوقّف على دراسة مراحل ثلاث تشكّل فصول عمره المبارك وهي:

1 ـ من ولادته إلى بعثته.

2 ـ من بعثته إلى هجرته.

3 ـ من هجرته إلى رحلته.

إنّ أصحاب السير والتواريخ درسوا الفصول الثلاثة على ضوء الروايات والأحاديث التي تلقّوها عن الصحابة والتابعين، ونحن ندرسها على ضوء القرآن الكريم، فنقول:

اتّفق المؤرخون على أنّ النبي الأكرم ولد عام الفيل، وهي السنة الّتي عمد أبرهة إلى تدمير الكعبة وهدمها ولكنّه باء بالفشل وهلك هو وجنوده بأبابيل، كما يحكي عنه قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل / 1 ـ 5).

ومن أراد الوقوف على تفصيل القصّة فعليه المراجعة إلى كتب السيرة والتفسير والتاريخ.

ويظهر ممّا أخرجه مسلم أنّ هذا اليوم يوم مبارك، قال: إنّ أعرابياً قال: يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال: ذلك يوم ولدت فيه، واُنزل عليّ فيه (1).

لم يذكر القرآن ما يرجع إلى المرحلة الاُولى من حياته إلاّ شيئاً قليلاً نشير إليها إجمالاً:

1 ـ عاش يتيماً فآواه سبحانه.

2 ـ كان ضالاًّ فهداه.

3 ـ كان عائلاً فأغناه.

4 ـ كما ذكر أسماءه في غير واحد من السور.

5 ـ جاءت البشارة باسمه «أحمد» في الإنجيل.

6 ـ كان أُمّياً لم يدرس ولم يقرأ ولم يكتب.

7 ـ كان قبل البعثة مؤمناً موحّداً عابداً لله فقط.

فإليك البحث عن هذه الاُمور واحداً بعد آخر:

1 ـ الإيواء بعد اليُتمْ

ولد النبيّ الأكرم من والدين كريمين فوالده عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.

واتّفقت الإماميّة والزيديّة وجملة من محقّقي السنّة على أنّه كان موحّداً مؤمناً.

ويستدل من صفاته المحمودة، وفضائله المرموقة، والأشعار المأثورة، على أنّه كان على خط التوحيد، وعلى دين آبائه. نقل المؤرّخون: إنّ عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِيرٍ لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتّى توفّي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، وليس بين أصحابنا فيه اختلاف (2).

وقد مات رضي‌ اللّه عنه والنبي جنين في بطن أُمّه.

وأمّا والدته فهي «آمنة بنت وهب» خرجت مع النبي وهو ابن خمس أو ستّ سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدّه، وهم بنو عدي بن النجار، ومعها أُمُّ أيمن فأقامت عندهم، ولمّا خافت على ولدها من اليهود خرجت من المدينة، فلمّا وصلت إلى الإبواء توفّيت ودفنت فيها (3).

وبذلك ولد النبي يتيماً وعاش يتيماً وإليه يشير قوله سبحانه ويقول:

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾؟ (الضحى / 6).

ولعلّ الحكمة في تولّده ونشوئه يتيماً أحد الأُمور التالية أو جميعها:

أ ـ إنّ هذا الطفل سيلقى عليه في مستقبل حياته قولاً ثقيلاً كما يقول سبحانه:

﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزمّل / 5).

وأيّ قول أثقل من هداية الأُمّة الأُمّيّة إلى معالم السعادة، ولا يقوم بهذا العبء الثقيل إلاّ الأمثل فالأمثل من الشخصيات التي ملأ روحها الصمود والثبات، ولا تحصل تلك الحالة إلاّ بعد تذوّق مرارة الدهور ومآسي الأيّام حتّى يقع في بوتقة الأحداث ويخرج مؤهّلاً لحمل عبء الرسالة وهداية النّاس، وقد صار كزبر الحديد، عركته المحن، وحنَّكته التجارب.

ب ـ ولد يتيماً ونشأ يتيماً حتّى يقف على الوضع المأساوي السائد على الأيتام في عامّة الأجيال، ولأجل ذلك يترتّب على قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾.

ج ـ ما روي عن الإمام الصادق (ع): «إنّ الله عزّ وجلّ أيْتَمَ نَبِيَّه لِئَلاّ يكون لأحدٍ عَلَيْهَ طَاعَة» (4).

وروي عن الإمام الرضا (ع) أنّه قال: «لئلاّ يجب عليه حق لمخلوق» (5).

نعم ربّما يفسّر اليتيم في الآية الكريمة بالوحيد كما يقال الدرّة اليتيمة ولكنّه لا يناسب قوله: ﴿فَآوَىٰ﴾ كما أنّه لا يناسب مع ما رتّب عليه من عدم قهر اليتيم.

2 ـ الهداية بعد الضلالة

الضلالة ضد الهداية فماذا يراد من الضلالة في الآية؟

هل يراد أنّ النبي (ص) كان في فترة من عمره مضطرب العقائد، منحرف السلوك، ولم يكن على طريق واضح مطمئن ثم هداه الله بالأمر الذي أوحى به إليه؟ أو أنّ المراد من الضلالة، وهو الضلالة الذاتية التي تعمّ كُلّ الموجودات الحيّة من النبات والحيوان والإنسان، لولا هداية الله تبارك وتعالى التي اُشير إليها في قوله سبحانه:

﴿الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه / 50). وقال: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الأعلى / 3).

والنبات بما هو موجود ممكن، ضالّ لا يهدي إلى طريق إلاّ بهداية الله تبارك وتعالى، وكذلك الحشرات والحيوانات، فالنحل بوحي منه سبحانه يسلك سبيل الكمال، كما أنّ الحيوان بهداية منه سبحانه يقف على طريق الحياة، والإنسان بما أنّه ممكن ضالّ فاقد للهداية، وإنّما يعرف طرق السعادة بهداية منه سبحانه، وعلى ذلك فالآية تشير إلى الضلالة الذاتية التي هي من لوازم وجود الإنسان الممكن ولا يمكن تحديد ذلك بوقت دون وقت، بل الإنسان منذ أن خرج من بطن أُمّه يُولَد ضالاًّ، والله سبحانه في الآية المتقدّمة يشير إلى ذاك النوع من الضلالة.

ويؤيّده أنّ مدار البحث في الآيات ما يرجع إلى أيّام طفوليته وصباه فتفسيرها بالضلالة بمعنى الحيرة في العقيدة، وضلال الشعاب التي تتبلور في أيام الشباب وما بعده بعيد عن سياق الآيات ويخالف ما هو المعلوم من حال النبي انّه كان موحّداً مؤمناً منذ طفولته إلى شبابه إلى أن أوحى الله إليه سبحانه.

إنّ الضلالة تطلق على معنيين يجمعهما فقد الهداية:

الأول: هيئة نفسانيّة تحيط بالقلب فيكفر بالله سبحانه، وآياته، وبيّناته، وأنبيائه، ورسله، أو ببعض منها، فالضلالة في الكفّار والمنافقين من هذا القسم، فهم منحرفون في التصوّرات والعقائد، منحرفون في السلوك والأوضاع.

الثاني: فقد الهداية مع كونه لائقاً بها غير أنّه يكون باب الهداية مسدوداً في وجهه كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية لولا أنّ الله سبحانه يريهم الطريق من طرق الفطرة وهداية العقل ثمّ الشرع.

فالنبي كان ضالاًّ بهذا المعنى أي كان يفقد الهداية الذاتية وإنّما هداه الله سبحانه منذ أن تعلّقت مشيئته بهدايته، وربّما يذكر مبدأها الإمام أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته وقال: «ولقد قرن الله من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليلاً ونهاراً» (6).

فوزان قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ﴾ وزان قوله سبحانه: ﴿الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (العصر / 2 و 3).

فليس الخسران في الآية أمراً وجوديّاً مثل الخسران الموجود في الكافر والمنافق فإنّ الخسران فيهما ينقلب إلى أمر وجودي وهيئة ظلمانيّة في النفس والروح، بل المراد هو عدم الهداية الذاتية لغرض إنّ كلّ إنسان ممكن، وكلّ ممكن غير واجد لشيء من صميم ذاته، وإنّما يجد ما يجد من جانبه سبحانه.

نعم، لو عاش وصار شابّاً وكهلاً وأنكر آيات الله، ودلائل وجوده، وأنبيائه، ورسله، فعند ذلك يتبدّل الخسران بمعنى فقد الهداية إلى هيئة ظلمانيّة تحدق بالقلب وتظلمه. فالضلالة بالمعنى الأوّل تقارن وجود الإنسان منذ أن يفتح عينه على الحياة، وبالمعنى الثاني تكون مكتسبة.

فتحصل من هذا البحث: انّ الآية لا تمت بحيرة العقيدة، وضلال الشعاب في فترة من العمر حتّى يستدل بها عليه كونه كافراً قبل البعثة أو في برهة من حياته، ويحقّق هذا المعنى ويثبّته بوضوح انّ السورة بموضوعها وتعبيرها تعكس لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من ودّ، وكلّها تسلية وترويج وتطمين للنبي، وانّه سبحانه قام بأمر حياته وهدايته من أوان يتمه وفقده لأبيه، وهذا يجر إلى القول بأنّه ناظر إلى الهداية أوان الحياة بعد طروء اليتم عليه، وعندئذ فالضلالة تعتبر أمراً عدميّاً لا أمراً وجوديّاً.

3 ـ الإغناء بعد العيلولة

يذكر سبحانه من مننه الكبرى على النبي الأكرم (ص) انّه كان فقيراً فأغناه الله تعالى بالكسب.

روى ابن هشام: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم، فكانت قريش قوماً تجّاراً فلمّا بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار مع غلام لها يقال له «ميسرة»، فقبله رسول الله (ص) منها وخرج في مالها ذلك، وخرج معها غلامها «ميسرة» حتّى قدم الشام، ثمّ باع رسول الله سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري (7).

ويظهر ممّا رواه أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار، انّ عمّه أبا طالب هو الذي أرشده إلى هذا الأمر وأنّه قال لابن أخيه: إنّ هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر النّاس، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة ويسافرون، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها، ونسألها أن تعطيك مالاً تتّجر فيه؟ فقال: نعم (8).

وقد صرّح أبو طالب في خطبته خديجة لابن أخيه بأنّه عائل مُقلّ، فقال: هذا محمّد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلاّ رجّح عليه، ولا يقاس بأحد منهم إلاّ عظم عنه، وإن كان في المال مقلاًّ، فانّ المال ورق حائل، وظلّ زائل (9)، وهذا يعرب وقت الإغناء، وانّه تحقّق بعد الاتّجار بمال خديجة.

فهذه الآيات الثلاث تعرب عن الودّ، والحبّ، والرحمة والإيناس التي عمّ النبي في أوان حياته والكل ظاهر من خلال الآيات الثلاث:

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ

4 ـ تسميته بمحمّد وأحمد

إنّ القرآن الكريم يتفنّن في توصيف النبي وذكره بل في تسميته والإيماء إليه.

فتارة يشير إليه بإحدى الصفات العامّة الشاملة لكل إنسان كما في قوله سبحانه: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾ (النجم / 10).

وفي إضافة العبد إلى نفسه إلماع إلى تكريمه وتقرّبه منه.

وأُخرى يخاطبه بالألقاب الخاصّة بأنبيائه ورسله فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.

وثالثة يخصّه بإسميه اللّذين يدعى بهما في الإسلام أعني «محمداً» و «أحمد».

أمّا الأول فقد جاء في مواضع أربعة من القرآن:

1 ـ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب / 40).

2 ـ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (آل عمران / 144).

3 ـ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ﴾ (محمد / 2).

4 ـ ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح / 29).

وأمّا الثاني فقد جاء في موضع واحد حيث يقول سبحانه:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الصف / 6).

وليس الرسول بدعاً من بين الرسل في كونه ذا اسمين، فقد سبقه في ذلك ثلّة من الأنبياء كيوشع بن نون وهو ذو الكفل في القرآن، ويعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل، ويونس وهو ذو النون في القرآن، وعيسى وهو المسيح.

ويظهر من الروايات المتضافرة انّ اسمه في السماء أحمد، فقد جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (ص) ممّا سألوه انّه لم سمّيت محمداً وأحمد و …، فقال النبي (ص): أمّا محمّد فإنّي محمود في الأرض، وأمّا أحمد فإنّي محمود في السماء (10).

والمراد من السماء عالم الوحي ويؤيّده ما دلّت عليه آية الصف من تبشير المسيح بمعنى نبيّ اسمه أحمد.

«أحمد» من أسمائه (ص)

لا ريب في أنّ أحمد أحد أسمائه المعروفة ولا يتردّد في تسميته به من له تتبّع في سيرته وتاريخ حياته، وهذا أبو طالب شيخ الأباطح يذكره في أشعاره بهذا الإسم.

قال أبو طالب:

أَلا إنّ خير الناس نفساً ووالداً إذا عدّ سادات البريّة أحمد (11)

وقال ابن هشام: ولمّا خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوّذ فيها بحرم مكّة وبمكانه منها، وتودّد أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من أنّه غير مسلّم رسول الله ولا تاركه بشيء أبداً حتّى يهلك دونه، ومن تلك القصيدة قوله:

لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد وأحببته حبّ الحبيب المواصل
فلا زال في الدّنيا جمالاً لأهلها وزيناً لمن والاه ربّ المشاكل
فأصبح فينا أحمد في أرومة تقصّر عنها سورة المتطاول

وقال «حسان بن ثابت» شاعر عهد الرسالة في رثاء النبي (ص):

مفجعة قد سفّها فقد أحمد فظلّت لآلاء الرسول تعدد
أطالت وقوفاً تذرف العين جحده على طلل القبر الذي فيه أحمد (12)

إلى غير ذلك من القصائد التي طفحت باسمه (ص) «أحمد» وقد أوعزنا إلى جملة منها في «مفاهيم القرآن» (13).

5 ـ تبشير المسيح بالنبي باسم «أحمد»

أخبر القرآن الكريم بأنّ المسيح يوم بعث إلى بني إسرائيل بشّر بالنبي الخاتم باسمه أحمد وقال:

﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ …﴾

ثمّ إنّ رجال الكنائس أمام هذه البشارة على قولين:

تارة يقولون: إنّ المسيح بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد وهذا لا ينطبق على نبي الإسلام، فإنّ اسمه محمّد بنص القرآن واتّفاق المسلمين.

وأُخرى ينكرون أصل وجود البشارة في الأناجيل، وإنّه لم يرد أيّ تبشير بهذا.

والوجه الأوّل من السقوط والرداءة بمرحلة لا يستحقّ الجواب، فقد عرفت أنّ القرآن كما أسماه محمّداً سمّاه أحمد، وايضاً كما عرفت انّ الرسول (ص) يدعى منذ نعومة أظفاره بكلا الاسمين وقد أطراه الشعراء وفي مقدّمتهم عمّه البارّ في قصائدهم واسموه بأحمد (14).

والمهم هو القول الثاني، ولكن إنكاره لجاج وعناد، وهنا نذكر مورداً واحداً:

قد وردت هذه البشارة في أبواب إنجيل يوحنّا ونحن ننقلها عن التراجم العربية المطبوعة عام 1821 م وسنة 1831 م وسنة 1844 م في مدينة «لندن» فالباب الرابع عشر من إنجيل يوحنّا يتضمّن العبارات التالية:

1 ـ «إنْ كُنْتُم تُحِبُّونِي فَاحفَظُوا وَصَايَاي» (15).

2 ـ «واَنَا اَطْلبُ مِنَ الأبِ فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكمْ إلى الأبد» (16).

3 ـ «روح الحَقّ الَّذي لَنْ يطيق العالم أن يقبله لأنّه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنّه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم» (17).

4 ـ «والفارقليط، روح القدس، الذي يرسله الأب بإسمي هو يعلّمكم كل شيء وهو يذكّركم كلّما قلته لكم» (26).

5 ـ «والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون» (30).

وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنّا هكذا:

1 ـ «إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب، روح الحقّ الذي من الأب ينبثق هو يشهد لأجلي» (26).

2 ـ «وأنتم تشهدون لأنّكم معي من الابتداء» (27).

وفي الباب السادس عشر من انجيل يوحنّا جاءت العبارات التالية:

1 ـ «لكنّي أقول لكم الحق انّه خير لكم أن أنطلق لأنّي إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم» (7).

2 ـ «فاذا جاء ذلك فهو يوبّخ العالم على خطيّة وعلى برّ وعلى حكم» (8).

3 ـ «أمّا على الخطية فلأنّهم لم يؤمنوا بي» (9).

4 ـ «وامّا على البر فلانّي منطلق إلى الأب ولستم تروني بعد» (10).

5 ـ «وأمّا على الحكم فإنّ اركون (15) هذا العالم قددين» (11).

6 ـ «وانّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ولكنّكم لستم تطيقون حمله الآن» (12).

7 ـ «واذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلّمكم جميع الحق لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي» (13).

8 ـ «وهو يمجّدني لأنّه يأخذ ممّا هو لي ويخبركم» (14).

9 ـ «جميع ما هو للأب فهو لي فمن أجل هذا قلت إنّ ممّا هو لي يأخذ ويخبركم» (15).

قبل تبيين الاستدلال على دلالة هذه الجمل على البشارة بأحمد، نقدّم ذكر أمرين.

1 ـ أجمع المؤرّخون على أنّ الأناجيل الثلاثة غير «متّي» كتبت من أوّل يومها باللّغة اليونانيّة، وأمّا إنجيل متّي فكان عبرياً من أوّل إنشائه، وعلى هذا فالمسيح بشّر بما بشر ـ في إنجيل يوحنّا ـ باللّغة العبرية، وإنّما نقله إلى اليونانيّة كاتب الإنجيل الرابع يوحنّا وكان عليه التحفّظ على اللفظ الذي تكلّم به المسيح في مورد المبشّر به، لأنّ القاعدة الصحيحة عدم تغيير الاعلام والإتيان بنصّها الأصلي لا ترجمة معناه، ولكن «يوحنّا» لم يراجع هذا الأصل وترجمه إلى اليونانيّة، فضاع لفظه الأصلي الذي تكلّم به المسيح وبقيت ترجمته، فاللفظ العبراني الذي قاله عيسى (ع) مفقود، واللفظ اليوناني الموجود ترجمة.

وفي غبّ ذلك حصل الاختلاف في المراد منه، ثمّ مترجمو العربية عرّبوا اللّفظ اليوناني ب‍ «فارقليط».

وأمّا اللفظ اليوناني الذي وضعه الكاتب يوحنّا مكان اللفظ العبري، فهو مردّد بين كونه «باراكلي طوس» الذي هو بمعنى المُعزّي والمسلِّي والمعين والوكيل، أو «بيركلوطوس» الذي هو بمعنى المحمود الذي يرادف أحمد، ولأجل تقارب الكلمتين في الكتابة، والتلفّظ، والسماع، حصل التردّد في المبشّر به، ومفسّرو إنجيل يوحنّا يصرّون على الأوّل، وادعوا أنّ المراد منه هو روح القدس وانّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقد المسيح كما ذكر في كتاب «أعمال الرسل» (16).

وإليك نصّه: «لمّا حضر يوم الخمسين (بعد عروج المسيح أو صلبه على زعمهم) كان الجميع معها بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، واستقرّت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من روح القدس وابتدأوا يتكلّمون بالسنة اُخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا».

ولكن القرائن المفيدة للقطع واليقين تفيد انّ المراد منه هو الأوّل، وانّ المسيح بصدد التبشير عن ظهور نبي في مستقبل الأيّام واليك بيان هذه القرائن:

1 ـ إنّ المسيح قال: «إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر».

إنّ هذا الخطاب يناسب أن يكون المبشّر به نبيّاً من الأنبياء، إذ لو كان «فارقليط» عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كان هناك حاجة إلى هذا التأكيد، لأنّ تأثيره في القلوب تأثير تكويني ـ كما عرفت من النّص ـ لا يمكن لأحد التخلّف عنه ولا يبقى في القلوب معه شك، وهذا بخلاف تأثير النبي فإنّه يؤثّر ببيانه وكلامه في القلوب، وهو يختلف حسب اختلاف طبائع المخالفين واستعدادهم، ولأجل ذلك أصرّ على الإيمان به في بعض جمله وهو:

«والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون به».

وقد عرفت ممّا نقلناه من كتاب أعمال الرسل انّ تأثير روح القدس كان تأثيراً تكوينيّاً غير خاضع لإرادة الإنسان.

2 ـ إنّه وصف المبشّر به بلفظ «آخر» وهذا لا يناسب كون المبشّر به روح القدس لعدم تعدّده واتّحاده بالأب والابن اتّحاداً حقيقيّاً، فلا يقال في حقّه «فارقليط» آخر، بخلاف الأنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد الآخر في فترة بعد فترة.

3 ـ إنّ المسيح قال: «هو يذكّركم كلّما قلته لكم».

إنّ من البعيد نسيان الحواريين تعاليم المسيح في مدة لا تزيد على خمسين يوماً حتى يذكّرهم روح القدس، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد هو النبي الخاتم الذي ظهر بعد مضي قرون ستّة، وقد لعبت الأهواء بتعاليم الأنبياء وحرّفت الكنائس والرهبان ما جاء به المسيح (ع).

4 ـ إنّ المسيح قال: «هو يشهد لأجلي» فلو كان المراد هو نزول الروح يوم الدار بعد خمسين يوماً كانت هذه الشهادة لغواً لعدم حاجة التلاميذ إلى شهادته لأنّهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة، والمنكرون للمسيح لم تحضرهم تلك الروح، وهذا بخلاف ما إذا اُريد منه النبي المبشّر به فإنّ نبيّنا شهد للمسيح وصدّقه ونزّهه عن ادعاء الالوهيّة كما أبرأ اُمّه من تهمة الزنا، وهذا واضح لمن تدبّر آيات الذكر الحكيم.

5 ـ إنّ المسيح قال: «إن لم أنطلق، لم يأتكم الفارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم».

فعلّق مجيئه بذهاب نفسه مع أنّ مجيء الروح غير معلّق على ذهاب المسيح بشهادة أنّه أنزل على الحواريين في حضور المسيح، لمّا أرسلهم إلى الأطراف والأكناف فنزوله ليس مشروط بذهابه، فلابد أن يكون المراد منه شخص يكون مجيئه موقوفاً على ذهاب المسيح كما هو الحال في النبي الخاتم لأنّه جاء بعد ذهاب المسيح، وكان مجيئه موقوفاً على ذهابه لأنّ وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلّتين في زمان واحد غير جائز، بخلاف ما إذا كان الآخر متبعاً لشريعة الأوّل أو يكون كل من الرسل متبعاً لشريعة واحدة فيجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان واحد ومكان واحد كما ثبت وجودهم بين زمان «الكليم» و «المسيح».

6 ـ قال المسيح: «إنّه يوبّخ العالم».

وهذا لا ينطبق إلاّ على نبي الإسلام لأنّه وبّخ العالم من المشركين واليهود والنصارى توبيخاً لا يشك فيه إلاّ معاند متكبّر بخلاف الروح النازل يوم الدار، إذ لم يكن هناك وجه للتوبيخ لأنّه لميكن هناك مخالفين للمنهج الصحيح.

7 ـ قال المسيح:

«إنّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ولكنّكم لستم تطيقون حمله الآن».

هذا يعرب من أنّ فارقليط يأتي بأحكام لم يكونوا يطيقونها زمان تكلّم المسيح، هذا لا ينطبق على نزول الروح يوم الدار، لأنّه ما زاد حكماً على أحكام المسيح وأي أمر حصل لهم أزيد من أقواله إلى زمان صعوده؟

نعم بعد نزول هذا الروح أسقطوا جميع أحكام التوراة ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج وأحلّوا جميع المحرّمات.

وهذا بخلاف ما إذا اُريد نبي يزيد في شريعته أحكاماً إلى أحكام موروثة من المسيح ويثقل حملها على المكلّفين، ضعفاء الإيمان.

8 ـ إنّ المسيح قال: «لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي».

هذا يعرب من أنّ فارقليط سيواجه التكذيب فسوف يكذّبه بنو اسرائيل فأراد دعم دعوته وانّه صادق في كل ما يقول ولا مجال لمظنّة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، على أنّ الروح أحد الثلاثة وبوجه نفسه سبحانه، فلا معنى لقوله بل يتكلّم بما يسمع، وهذا بخلاف أن يراد منه نبي من الأنبياء الذين لا يتكلّمون إلاّ بوحي منه، قال سبحانه:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم / 3 و 4).

هذه القرائن وغيرها ممّا يظهر للقارئ بعد التدبّر فيما ورد في الاصحاحات الثلاث (الرابع عشر، الخامس عشر، والسادس عشر)، تفيد القطع واليقين بأن المبشّر به هو نبي لا غير» (17).

وممّا يؤيد ذلك انّ المراد من «الفارقليط» هو النبي هو ما ذكره مؤرّخو المسيحيين أنّ بعض الناس قبل ظهور النبي الأكرم (ص) ادّعى أنّه هو الفارقليط الموعود قالوا: إنّ «منتنس» المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد وكان مرتاضاً شديداً ادّعى في قرب سنة 177 من الميلاد أنّه هو الفارقليط الموعود الذي وعد بمجيئه عيسى (ع) وتبعه اُناس كثير وهذا يعرب عن أنّ المتبادر من الفارقليط في القرون الاُولى المسيحية هو النبي المبشّر به. وعن صاحب «لب التواريخ»: إنّ اليهود المسيحيين من معاصري محمّد (ص) كانوا منتظرين لنبي وكان هذا سبباً لرجوع عدّة من المسيحيين إلى محمد (ص) الذي ادّعى انّه هو ذاك المنتظر.

إنجيل «برنابا» والتبشير بالنبي الأكرم (ص)

إنّ الكتاب الذي جاء به المسيح (ع) كان كتاباً واحداً وهو عبارة عن هديه والأحكام التي جاء بها وبشارته بمن يجيء بعده، وإنّما كثرت الأناجيل لأنّ كل من كتب سيرته سمّاه إنجيلاً لاشتماله على ما بشّر وهدى به الناس، ومن تلك الأناجيل، إنجيل برنابا، و «برنابا» حواري من أنصار المسيح الذين يلقّبهم رجال الكنيسة بالرسل، صحبه بولس زمناً بل هو الذي عرّف التلاميذ ببولس بعد ما اهتدى بولس ورجع إلى اُورشليم ولم يكن من هذا الإنجيل أثر في المجتمع المسيحي حتى عُثِرَ في اُروبا على نسخة منه منذ قرابة ثلاثة قرون وهذا هو الإنجيل الذي حرّم قراءته «جلاسيوس الأوّل في أواخر القرن الخامس للميلاد» وهذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة في النقاط التالية:

1 ـ ينكر الوهية المسيح وكونه ابن الله.

2 ـ يعرف الذبيح بأنّه إسماعيل لا إسحاق.

3 ـ وإنّ المسيح المنتظر هو محمّد (ص) وقد ذكر محمداً باللفظ الصريح في فصول وافية الذيول.

4 ـ إنّ المسيح لم يصلب بل حمل إلى السماء وإنّ الذي صلب إنّما كان «يهوذا» الخائن فجاء مطابقاً للقرآن، قد قام بترجمته من الإنجليزية إلى العربية الدكتور خليل سعادة وقدّم له مقدّمة نافعة وطبع في مطبعة المنار بتقديم السيد محمد رشيد رضا عام 1326 ه‍ ق.

روى البيهقي: قال أبو زكريا: ولنبيّنا (ص) خمسة أسماء في القرآن: محمد، واحمد، وعبد الله، وطه، ويس.

قال الله عزّ وجلّ في ذكر محمّد: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ …﴾ وقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ …﴾ وقال الله عزّ وجلّ في ذكر عبد الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عبد الله يَدْعُوهُ﴾ ـ يعني النبي (ص) ليلة الجن ـ ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (الجن / 19).

وإنّما كانوا يقعون بعضهم على بعض، كما أنّ اللبد يتّخذ من الصوف، فيوضع بعضه على بعض فيصير لبداً، وقال عزّ وجلّ: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ (طه / 1 و 2) والقرآن إنّما نزل على رسول الله دون غيره، وقال عزّ وجلّ: ﴿يس﴾ يعني يا إنسان والإنسان هنا العاقل وهو محمد، إنّك لمن المرسلين.

ثمّ قال: قلت وزاد غيره من أهل العلم، فقال: سمّاه الله تعالى في القرآن: رسولاً، نبيّاً، اُمّيّاً. وسمّاه: شاهداً، ومبشّراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله باذنه، وسراجاً منيراً. وسمّاه: رؤوفاً رحيماً. وسمّاه: نذيراً مبيناً. وسمّاه: مذكّراً، وجعله رحمة، ونعمة، وهادياً. وسمّاه: عبداً (ص) كثيراً (18).

أقول: والمراد من الإسم هنا أعم من الوصف، فإنّ كثيراً منها صفاته ـ صلوات الله عليه ـ لا إسمه بمعنى العلم.

وروى أيضاً بسنده عن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنّ لي أسماء.

أنا محمد، أنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد (19).

قال العلماء: «كثرة الأسماء دالّة على عظم المسمّىٰ ورفعته وذلك للعناية به وبشأنه ولذلك ترى المسمّيات في كلام العرب أكثرها محاولة واعتناء».

قال النواوي: وغالب هذه الأسماء التي ذكروها إنّما هي صفات كالعاقب والحاشر، فإطلاق الإسم عليها مجاز، ونقل الغزالي: «الإتّفاق على أنّه لا يجوز أن نسمّي رسول الله باسم لم يسمّه به أبوه ولا سمّا به نفسه الشريفة» أقرّه الحافظ ابن حجر في «الفتح» على ذلك (20).

قلت: ما ادعاه من الاتّفاق غير ثابت، والمسألة غير معنونة في كلام الكثير فكيف يمكن ادّعاء الاتّفاق عليه، وكلّ صفة تنبثق عن تكريمه وتوقيره وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجداً لمبدئها فيصحّ توصيفه به.

روى البيهقي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): «إنّ الله عزّ وجلّ قسّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، وذلك قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ و ﴿أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين ثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثمّ جعل الأثلاث: قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله ولا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، وذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب (21).

6 ـ اُمّيّة النبي الأكرم (ص)

القرآن الكريم يصف النبي في غير واحد من الآيات بالاُمّية ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ …﴾ (الأعراف / 157).

فقد وصف سبحانه نبيّه في هذه الآية بخصال عشر وهي أنّه:

1 ـ رسول، 2 ـ نبي، 3 ـ اُمّي، 4 ـ مكتوب اسمه في التوارة والإنجيل، 5 ـ منعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف، 6 ـ وينهى عن المنكر، 7 ـ ويحل لهم الطيبات، 8 ـ ويحرّم عليهم الخبائث، 9 ـ ويضع عنهم إصرهم، 10 ـ ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.

ويقول سبحانه أيضاً: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف / 158).

وقد عرفت أنّه سبحانه يصف قوم النبي بالأُمّيين بل العرب جميعاً بهذا الوصف، كما تعرّفت على معنى الأُمّي عند البحث عن ثقافة قوم النبي وحضارتهم، فلا حاجة إلى إعادة البحث عن معنى الاُمّي وذكر نصوص أئمّة اللّغة إنّما المهم في المقام نقد الآراء الشاذة في تفسير الاُمّي، وإليك البحث عنها واحداً بعد آخر:

أ ـ الأُمّي منسوب إلى أُمّ القرى

ربّما يقال: إنّ الأُمّي هو المنسوب إلى «أُمّ القرى» وهي علم من أعلام مكّة كما يشير إليه قوله سبحانه:

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى / 7).

وعلى ذلك فلا يدل على أنّ النبي كان أُمّيّاً بمعنى أنّه لا يقرأ ولا يكتب.

يلاحظ عليه:

أوّلاً: انّ أُمّ القرى ليست من أعلام مكّة وإنّما هي كلّية لها مصاديق، منها مكّة المكرّمة، يقول سبحانه:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾ (القصص / 59). أي حتّى يبعث في أُمّ القرى وعاصمتها رسولاً.

قال ابن فارس في المقاييس: «كل مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى».

ثانياً: لو صحّ كونها من أعلام مكّة، فالصحيح عند النسبة إليها «هو القروي» لا «الأُمّي» (22).

ثالثاً: لو كان المراد من الأُمّي هو المنسوب إلى أُمّ القرى لكان الإتيان به في ثنايا الخصال العشر إقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه إيعاز إلى أُمّيّته وعدم قراءته وكتابته ولكن في الوقت نفسه جاء بكتاب عجز كلُّ البلغاء عن معارضته، واخرسّ الفصحاء عن مباراته.

وعلى الجملة انّ توصيف النبي بالأُمّي وقومه بالأُمّيين، إيعاز إلى هذه النكتة، وانّ هذا النبي خرج من قوم غير قارئين ولا كاتبين ولا متحضّرين كما هو أيضاً غير قارئ ولا كاتب، ومع ذلك أتى بشريعة متقنة وسنن محكمة وكتاب بديع بلا بديل.

ب ـ الأُمّي غير المنتحل لملّة أو كتاب سماوي

وربّما يقال: إنّ الأُمّي هو غير المنتحل لملّة أو كتاب من الكتب السماوية ولو أطلق على العرب أنّهم أُمّيون فالمراد أنّهم غير منتحلين لكتاب من الكتب السماوية ويدل على ذلك أنّه سبحانه يجعل أهل الكتاب في مقابل الأُمّيين ويقول:

﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران / 20).

يلاحظ عليه: أنّ توصيف العرب بالاُميّيين لا لأجل عدم انتحالهم لملّة أو كتاب سماوي بل لأجل عدم اقتدارهم على القراءة والكتابة، فقد كانت الاُمّية بهذا المعنى سائدة عليهم كما كان التعرّف عليهما هو الغالب على أهل الكتاب، فصحّ لأجل ذلك التقابل بين أهل الكتاب والأُمّيين ويعود معنى الآية: «قل» للطائفتين الأُمّيين غير القارئين والكاتبين وأهل الكتاب الذين لهم اقتدار بهما.

والذي يدل على أنّ هذا هو ملاك التقابل هو أنّه سبحانه يصف بعض أهل الكتاب بالاُميّة ويقول: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (البقرة / 78).

فالآية بحكم رجوع الضمير «ومنهم» إلى اليهود تقسّم اليهود إلى طائفتين:

طائفة يعلمون الكتاب لثقافتهم وتمكّنهم من القراءة والكتابة وبالتالي تمكّنهم من التطلّع على التوراة والاستفادة منها.

وطائفة فاقدة للثقافة وغير قادرة على القراءة والكتابة وبالتالي جاهلين بكتابهم الذي نزل بلسانهم والجهل بلغتهم قراءة وكتابة يلازم جهلهم بسائر اللغات غالباً خصوصاً في بيئة اليهود الذين يقدّمون تعليم لغتهم على سائر اللغات.

فلو كان الاُمّي بمعنى غير المنتحل لكتاب ولا ملّة فما معنى تقسيم أهل الكتاب إلى طائفتين أُمّي وغير أُمّي؟.

ج ـ الاُمّي من لا يعرف المتون السامية

الأُمّي عبارة عمّن لم يعرف المتون العتيقة السامية التي كتبت بها زبر الأوّلين من التوراة والإنجيل وإن كان عالماً بسائر اللغات قادراً بقراءتها وكتابتها يقول سبحانه:

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾.

فإنّ قوله: «لا يعلمون الكتاب» جملة تفسيريّة لقوله «أُمّيون» فالأُمّي من لا يحسن تلاوة الإنجيل والتوراة.

يلاحظ عليه: أنّ إرادة المعنى المذكور من «الأُمّيّين» في الآية لا يثبت أنّ الأُمّي عبارة عمّن لا يعرف اللّغة السامية بل الأُمّي من لا يعرف القراءة والكتابة وذلك يختلف حسب البيئة والظروف.

ففي العصور التي سادت فيها اللّغة السامية التي بها تكتب الدواوين والرسائل، وعليها لغة دينهم وكتابهم، يكون الاُمّي عبارة عمّن لا يعرف تلك اللغة، ـ وبحسب الطبع ـ من كان جاهلاً في أمثال تلك الظروف بلغته الواجبة الضرورية، يكون جاهلاً لسائر اللغات أيضاً، وعلى ذلك فليس للأُمّي إلاّ معنى واحد وله مصاديق وأفراد حسب الظروف التي تستعمل الكلمة فيها، واطلاقه في الآية على من لم يعرف اللغات السامية لا يكون دليلاً على كونه موضوعاً لخصوص هذا المعنى، كما أنّ إطلاق الإنسان وإرادة فرد منه بالقرينة لا يكون دليلاً على كونه موضوعاً لذلك الفرد.

هذا هو خلاصة المقال في وصف الاُمّي الذي جاء توصيف النبي به في الذكر الحكيم وهناك آيات أُخر تثبت ذلك المعنى (اُمّية النبي) قال سبحانه:

﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت / 48).

فالآية بحكم وقوع النكرة فيها في سياق النفي تفيد شمول السلب وعمومه لتلاوة أي كتاب وممارسة أية كتابة.

ثم إنّه سبحانه علّل هذا السلب بأنّه خير عون لنفي ريب المبطلين وشك المشكّكين إذ لو كان النبي (ص) ممارساً للقراءة والكتابة قبل البعثة، لاتّهمه اليهود والنصارى والمشركون بأنّ الشريعة التي جاء بها تلقّاها عن طريق قراءة الصحف وتلاوتها، ولأجل صد هذا الريب وقلع جذور هذا الشك لم يُمكّن نبيّه عن تعلّم الكتابة والقراءة حتّى يكون ذا بيّنة قويّة على أنّ شريعته شريعة سماوية.

ومع أنّ النبي الأكرم عاش أربعين سنة بلا ممارسة للكتابة والقراءة فقد اتّهمه بعض المعاندين بأنّ قرآنه استنساخ منه لما تملى عليه، قال سبحانه:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان / 4 و 5).

وكان المعاند يبثّ بذر هذا الشك حتّى وافاه الوحي الإلهي بالنقد والرد بقوله سبحانه:

﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس / 16).

ومعنى الآية إنّكم أيّها العرب تحيطون بتاريخ حياتي، فقد لبثت فيكم عمراً يناهز الأربعين فهل رأيتموني أقرأ كتاباً أو أخطّ صحيفة، فكيف ترمونني بالإفك الشائن بأنّه أساطير الأوّلين التي اكتتبتها وافتريتها على الله وأعانني على ذلك قوم آخرون؟ فإذا كنتم واقفين على سيرتي وحياتي في الفترة الماضية فاعلموا أنّه منزّل من الله سبحانه كما أمر الله نبيّه أن يجيبهم بقوله:

﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان / 6)

نعم ربّما يقال بأنّ قوله: ﴿مَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ﴾ لا يدل على أنّ النبي كان أُمّياً بل فيها أنّه لم يكن يكتب الكتاب، وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه كما لا يكتب من لا يحسنه (23).

يلاحظ عليه: أنّ التعليل الوارد في الآية إنّما يصحّ وقوعه علّة لصدر الآية إذا كان النبي غير مستطيع لأن يقرأ ويكتب لا أن يكون عالماً بهما وإن لم يمارسهما، وذلك لأنّ التعليل بصدد إزالة الشك والريب في أنّه كتاب سماوي وليس من صنع النبي ولا يمت إليه بصلة وذلك إنّما يتحقّق إذا كان النبي أُمّياً محضاً غير قادر عليهما لا ما إذا كان عارفاً بهما ولكن تركهما لمصلحة أو لعلّة أُخرى.

وضع النبي بعد البعثة

اتّفق المحقّقون من السنّة والشيعة على أنّه كان أُمّياً قبل البعثة لا يحسن الكتابة والقراءة، وأمّا وضعه بعد البعثة وانّه هل بقي على ما كان عليه قبلها أو تغيّر وضعه وصار عارفاً بالكتابة والقراءة، وعلى فرض ثبوت معرفته بهما فهل مارسهما في بعض الفترات من عمره أو لا؟ فهذه بحوث خارجة عن موضوع بحثنا لأنّ البحث في حياته وسيرته قبل البعثة وما ذكر يرجع إلى سيرته بعدها، ولعلّنا نرجع إلى تلك المسألة في المستقبل.

7 ـ إيمان النبي قبل البعثة

لم يشك أحد من أهل التاريخ والسير في انّ النبي الأكرم كان على خط التوحيد قبل البعثة ويدل عليه مأثورات كثيرة والمسألة اتفاقية بين المسلمين ولا تحتاج إلى اطناب، وقد دلّت الآثار على أنّه كان يكافح الوثنيّة منذ نعومة أظفاره ومن إبّان طفوليته وشبابه.

روى صاحب المنتقى: انّ النبي لمّا تمّ له ثلاث سنين، قال يوماً لوالدته أي مرضعته «حليمة السعديّة»: ما لي لا أرى أخويّ بالنهار؟ قالت له: يا بُنيّ إنّهما يرعيان غنيمات.

قال: فما لي لا أخرج معهما؟

قالت له: أتحبّ ذلك؟

قال: نعم.

قالت حليمة السعدية: فلمّا أصبح محمّد دهّنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يماني فنزعه ثمّ قال لأُمّه: «مهلاً يا أُمّاه فإنّ معي من يحفظني» (24).

ونكتفي في المقام بهذا المقدار وقد بسطنا الكلام في المأثورات حول توحيده وإيمانه في محلّه (25).

إنّما المهم تعيين الشريعة التي كان يطبّقها في أعماله الفردية والاجتماعية العبادية وغيرها.

الشريعة التي كان يتعبّد بها قبل البعثة

أمّا الشريعة التي كان يطبقها في أعماله فقد اختلفت الأنظار فيه وانتهت إلى أقوال واحتمالات:

1 ـ إنّه لم يكن يتعبّد بشريعة من الشرائع وإنّما يكتفي في أعماله الفردية والاجتماعية بما يوحي إليه عقله.

وهذا القول لا يُعرَّج عليه، إذ لم تكن أعماله منحصرة في المستقلاّت العقليّة كالاجتناب عن البغي والظلم والتحنّن على اليتيم، والعطف على المسكين، بل كانت له أعمال عبادية لا تصحّ بدون الركون إلى شريعة لأنّه كان يخرج في شهر رمضان إلى «حراء» فيعتكف فيه وهل يمكن الاعتكاف بدون الاعتماد على شريعة، وقد رويت عن أئمّة أهل البيت: إنّه حجّ عشرين حجّة مستتراً (26) ولم يكن البيع والربا ولا الخل والخمر ولا المذكّى والميتة ولا النكاح والسفاح عنده سواسية، فطبيعة الحال تقتضي أن يكون عارفاً بأحكام عباداته وأفعاله.

2 ـ إنّه كان يعمل بشريعة إبراهيم وسننه وطقوسه المعروفة وهذا هو الذي كان السيّد العلاّمة الطباطبائي يستظهره كأحقّ الأقوال بشهادة أنّ أجداد النبي واُسرة البيت الهاشمي وجميع الأحناف في الجزيرة العربية كانوا على دين إبراهيم ولم ينقل أحد من أهل السير تهوّدهم أو تنصّرهم.

ويتوجّه على هذا القول: إنّ لازم ذلك كونه عاملاً بالشريعة المنسوخة فإنّ الشريعتين اللاحقتين كشريعة الكليم والمسيح نسختا تلك الشريعة، إلاّ أن يقال: إنّ سنن إبراهيم (ع) وطقوسه كانت باقية على ما هي عليها في الشرائع اللاحقة لها، وإنّما انقضت نبوّته، ولكن شريعته كانت باقية في غضون الشرائع اللاحقة، ولأجل ذلك صارت الشريعة الإبراهيمية هي الأساس للشرائع اللاحقة وإنّما زيد عليها في الفترات اللاحقة أحكام وأُصول أُخر جاء بها الكليم، أو المسيح أو النبي الأكرم (ص).

نعم يبقى على هذا القول إشكال آخر وهو أنّه لازم هذا القول أن يكون النبي الأكرم (ص) جزء من أُمّة إبراهيم (ع) تابعاً له، واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً ولم يخصّ أحد تفضيله على سائر الأنبياء بوقت دون وقت، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات فلاحظ وتأمّل.

3 ـ أن يكون تابعاً للشريعة الأخيرة وهي شريعة المسيح، وإمّا شريعة الكليم فلا شك أنّها كانت منسوخة بالشريعة اللاحقة، ولكن هذا الاحتمال مبني على أن يكون النبي واقفاً بشريعة المسيح ولم يكن له طريق إلاّ مخالطة أهل الكتاب وعلمائهم، وحياته (ص) لا تنسجم مع هذا الاحتمال، إذ لم يتعلّم منهم شيئاً ولم يسألهم.

4 ـ إنّه كان يعمل حسب ما يُلهم ويوحى إليه سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم مخالفاً، وسواء أكان مطابقاً لما بعث عليه من الشريعة فيما بعد أم لا؟ وهذا هو أظهر الأقوال، ويؤيّد ذلك ما نقل عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنّه قال:

«لَقَدْ قَرَنَ الله بِهِ مِنْ لَدُنْ اَنْ كَانَ فَطيماً اَعْظَمَ مَلك مِنْ مَلائِكتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَريقَ المَكَارِم وَمحَاسِنَ اَخْلاَقِ العَالم لَيْلِهِ ونَهارِهِ وَلَقَدْ كنْتُ اَتَّبَعهُ اتِّباعَ الفَصِيلِ اثرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي في كُلِّ يوْمٍ منْ أخْلاَقِهِ علماً فاَراه وَلا يَرَاه غَيرِي» (27).

وعلى ذلك لا جدوى من البحث بعد ما كان العمل على ضوء ما يلهم ويؤيّد ذلك أنّه سبحانه أنعم على المسيح ويحيى بالنبوّة أيام صغرهما قال سبحانه حاكياً عن المسيح:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم / 30).

وقال سبحانه مخاطباً يحيى:

﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم / 12).

ولازم ذلك، إنّ النبي الأكرم (ص) كان يُلْهم منذ صباه إلى أن بعثه الله سبحانه نبيّاً وهادياً للبشر وليس ذلك أمراً غريباً، وتؤيّد ذلك المأثورات المتضافرات في بدء نزول الوحي عليه فكان له الرؤية الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه ـ وهو التعبّد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك وقال: «اقرأ» (28).

خاتمة المطاف

نحن مهما جهلنا بشيء فلا يليق بنا الجهل بأنّ النبوّة منصب إلهي لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس، ولا يفاض إلاّ لمن له مقدرة روحيّة عظيمة ولا يتهيّب عندما يتمثّل له رسول الرب وأمين الوحي ويميّز بين وحي الحقّ وكلامه ووسوسة الشياطين وإلقاءاتهم، ومن المعلوم أنّه عبء فادح ومسؤولية عظمى، لا يحملها إلاّ من وقع تحت رعاية الله وتربيته، ولا تتحقّق تلك الغاية إلاّ باقتران ملك من ملائكته يرشده إلى معالم الهداية، ويصونه من صباه إلى شبابه إلى كهولته عن كل سوء وخطأ حتّى تستعدّ نفسه لتمثّل أمين الوحي وتحمّل كلامه سبحانه. وهذا ما أشار إليه الإمام أمير المؤمنين في كلامه السابق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مفاهيم القرآن، الشيخ جعفر السبحاني، ج ٧ ، ص 59-88، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام. بتصرّف يسير.

(1) مسند أحمد، ج 5 ص 297 ـ 299، والسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 293، وصحيح مسلم ـ كتاب الصيام باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ج 1 ص 97.

(2) تاريخ الطبري ج 1 ص 8.

(3) الاتحاف للبشراوي ص 144، سيرة زيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية ج 1 ص 57.

(4) علل الشرائع ج 1 ص 131.

(5) عيون أخبار الرضا ص 210.

(6) نهج البلاغة الخطبة 117 (طبع عبده).

(7) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 199.

(8) بحار الأنوار ج 16 ص 22.

(9) المصدر نفسه ص 6 نقلاً من مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 26.

(10) علل الشرائع ص 53.

(11) ديوان أبي طالب ص 13.

(12) السيرة النبويّة ج 1 ص 272.

(13) السيرة النبوية ج 2 ص 667 و 669.

(14) مفاهيم القرآن ج 3 ص 550 ـ 556.

(15) وفي الترجمة المطبوعة في بيروت «رئيس هذا العالم».

(16) أعمال الرسل، الإصحاح الثاني: الجمل1 ـ 4.

(17) لاحظ في الوقوف على تلك القرائن وغيرها اظهار الحق ج 2 ص 283 ـ 287، وانيس الاعلام في نصرة الإسلام ج 5 ص 179 ـ 239، ولمؤلّف الكتاب الأخير قصّة عجيبة حول الوقوف على مفاد «فارقليط» التي صارت سبباً لاستبصاره، فراجعه.

(18) دلائل النبوّة ج 1 ص 159 ـ 160.

(19) دلائل النبوّة ج 1 ص 152. واخرجه البخاري كما في التعليقة في كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله.

(20) دلائل النبوّة ج 1 ص 155، في التعليقة: إنّ جماعة أفردوا أسماء رسول الله بالتصنيف منهم بدر الدين البلقيني، وكانت قصيدته الميميّة بديعة لم ينسج على منوالها ناسج، ورتّب السيوطي أسماءه على حروف المعجم في كتابه «الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة».

(21) دلائل النبوّة ج 1 ص 170 و 171.

(22) راجع شرح ابن عقيل ج 2 ص 391 عند البحث عن «ياء» النسب.

(23) التبيان في تفسير القرآن ج 8 ص 216، طبع بيروت. ويظهر من الآلوسي في تفسيره أنّه اعتمد على هذا.

(24) المنتقى للكازروني، الباب الثاني من القسم الثاني، ونقله المجلسي في البحار ج 15، ص 392.

(25) لاحظ «مفاهيم القرآن» ج 5 ص 351 ـ 352.

(26) الوسائل ج 8، الباب45 ص 87 ـ 88.

(27) نهج البلاغة الخطبة رقم 187 طبعة عبده.

(28) صحيح البخاري ج 1 ص 3، باب بدء الوحي إلى رسول الله 6، والسيرة النبوية ج 1 ص 234.

تعليق