2017.12.17

معادلات قرآنية (٦) العلم #السيد حسن النمر الموسوي

- Sayyed-alakwan | 2016.09.05

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وإن تقوى الله عز وجل لا تُتحصل إلا بتوفر شروط وأسباب, ومن أهمها يكون الإنسان عالماً أو سائراً في سبيل العلم وتحصيله، ذلك أن الله عز وجل يقول {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَاب}الزمر(٩) ونعرف جميعا أن شؤون الدنيا لا تستقيم إلا بالعلم.

فالأمم التي تقدمت إنما تقدمت بالعلم والأمم التي تخلفت إنما تخلفت بسبب تخلفها في العلم سواء كان هذا التقدم وذاك التخلف في الفكر أو في السياسة أو في الاقتصاد أو في الاجتماع، فما عاد أحد من الناس يستطيع أن يدّعي ان شأناً من شؤون الحياة الدنيوية تستقيم إلا بالعلم، أما الدين فالمسألة في ذلك أعظم وأعظم، إذا كانت الدنيا لا تستقيم إلاّ بالعلم، فالدينُ لا يستقيم إلا بالعلم، وتديّن الإنسان الصادق إنما يُتحصّل ويتحقق بقدر ما يكون الإنسان عالماً، ولذلك ورد في الحديث اغدو عالماً أو متعلّماً، يعني من لم يكن عالماً ولا متعلّما، فسيكون من الهالكين.

هل هذا يقف عند حدود مسألة دينية صغيرة أو كبيرة..؟

الجواب: لا يستثنى من ذلك شيء من الأشياء، وإنما عانى الأنبياءُ الذين أرسلهم الله عز وجل مبشرين ومنذرين إلى الناس بسبب أن من خاصموهم وعادوهم كانوا مرتكزين في الجهل والجهالة، ولذلك أنكروا أحكام الدين، وأنكروا معارف الدين، بدءاً بالتوحيد وانتهاءاً بالمعاد.

[المدخل]

فمثلا في سورة سبأ، في الصفحة الأولى من هذه السورة المباركة بعد أن يذكر الله عز وجل بعد البسملة، أن له سبحانه وتعالى {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}سبأ(١) ثم يذكر{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} سبأ(٢) يقول عز وجل {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ}سبأ(٣) هؤلاء جزموا بأن الساعة، أي الحشر والنشر، لن يحصل ولن يتحقق.! في حين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اُمر من قبل الله عز وجل أن يذكّر الناس بأن الله قد بيّن أن له ما في السماوات وما في الأرض ولأنه عز وجل يعلم ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، في حين أن الذين كفروا إنما أنكروا المعاد بسبب أنهم لا يقرّون بهذه الحقيقة.

ثم تأتي الآيات لتذكر أن الله عز وجل يجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات . ثم يذكر يعني فقط هؤلاء، هذه الفئة من الناس التي تؤمن والإيمان جزءٌ أساسيٌ منه يرتكز على أساس العلم، لأن الإنسان لا ينبغي أن يصدّق بشيء، ولا يمكن أن يصدّق بشيء إلا أن يكون عالماً به، أو مدّعياً للعلم به، ثم يترجم ذلك قولا وفعلا, فيقول عز وجل { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}سبأ(٤)

أما الفريق الآخر يقول عنهم و{ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} ويلحق ذلك بقوله عز وجل {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} سبأ(٦).

لماذا رأى هؤلاء أن ما نزل من عند الله عز وجل الحق وانه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد لأنهم أوتوا والعلم، والعلم من الله عز وجل، وإنما يناله الناس بقدر ما تتعلق مشيئة الله عز وجل أن يؤتوه من العلم، وإنما تتعلق مشيئة الله عز وجل بذلك، بقدر ما يكون الناس راغبين في أن يتعلموا.

ويقول عز وجل {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِين} العنكبوت(٦٩)َ

فإذا التوحيد، إنما أنكره من أنكره بسبب الجهل، والمعاد إنما أنكره من أنكره أولئك الجهّال.

هل وقف الأمر عند هذا.؟

لا، لم يقف عند هذا الحد، حتى النبوة، وكذلك صنوها أعني الإمامة، إنما تنكر لها ولها أي للنبوة والإمامة، أولئك الذين حُرموا من العلم، لأنهم لم يريدوه.

الله سبحانه وتعالى إنما أنزل إلينا القرآن الكريم، لأن فيه خاصية لا يستطيع الناس ان ينالوها إلا بواسطته، ويصف هذا القرآن الكريم بأنه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم}

والإنسان بطبعه المحب للخير، يبحث عن الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، هذا هو الوضع الطبيعي، أما الوضع الشاذ، ذلك الذي يجحد الحق وهو يعرفه، هؤلاء قلة من الناس, الغالبية العظمى من الناس حتى الذين ينحرفون، ينحرفون لأن الرؤية عندهم صار فيها غبش، ابتلوا بحالة من الجهل، فذهبوا إلى هذا الطريق أو ذاك الطريق، ولذلك أمّن الله عز وجل للناس ذلك الطريق الذي سيحتج به سبحانه وتعالى على جميع الناس {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} بعد ان أرسل الله الرسل، وأنزل معهم الآيات البينات، والتي تكشف عن أن هذا الذي نطق به الأنبياءُ هو الحقُ الذي لا باطل فيه ولا ريب فيه، قُطع عذر المعتذرين، ليس لأحد أن يقول إني لم أؤمن به لأني لم أر فيه الحق، لا، ثمة أسباب أخرى، يجب أن يبحث عنها.

الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه، يذكر لطيفة علمية مهمة جدا في هذا الباب، يقول صلوات الله وسلامه عليه (من لم يعرف الحق من القرآن لم يتنكب الفتن).

الفتن يعني الخضّات الفكرية، أو الأخطاء والخطايا التي يقع فيها الناس، ذلك أن الإنسان إذا لم يحصل على العلم سيتيه، شاء أم أبى، لأن الإنسان إذا سار في غير طريق العلم، سينحرف قليلا، ثم يزداد انحرافه بقدر إصراره وامعانه على السير في هذا الطريق المنحرف، وهذا أمر من الواضحات.

وكذلك يروى عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله (من لم يعرف أمرَنا من القرآن، لم يتنكب الفتن) بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وآل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، لم يأتوا بشيء إلّا وقد أُودع في القرآن الكريم، مفاتيح ما جاء به النبيُ ومفاتيح ما جاء به الأئمةُ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، موجودة في القرآن الكريم، قد لا نلتفت نحن إلى التفاصيل، بشكل كامل، وإلّا لاستغنينا عن النبي، لكن مفاتيح هذه كلها موجودة في القرآن الكريم، وقد أودعوا فيما وصل إلينا عنهم، صلوات الله وسلامه عليهم الكثير من هذه المفاتيح.

يصادف اليوم ذكرى شهادة الإمام الجواد، صلوات الله وسلامه عليه، وهو واحدٌ ممن امتحنتْ الأمةُ بإمامته على صغر سنه، وإنما أخفق من أخفق في الإذعان بإمامته، لأنهم لم يمتلكوا مفتاحاً قرآنياً مهماً، يرتبط بما قدّمناه في هذا الباب، وهو أن الإنسان إذا جهل، قد يتنكر للإمامة، قد يتنكر للنبوة، قد يتنكر للمعاد، قد يتنكر للتوحيد، قد يتنكر حتى لوجود الله، وقد يتنكر لكل هذا في جملة وتفصيلا، والتاريخ شاهد كما إن الحاضر شاهد. الشيخ النعماني على رحمه الله، في كتابه (الغيب) وهو كتاب قيّم ومهم، يعالج مسألة الغَيبة -غَيبة الامام المهدي صلوات الله وسلامه عليه- ينبغي للمؤمنين أن يطلعوا على هذا الكتاب، ففيه الكثير من خزائن العلم التي تثبت إيمان الإنسان وتزيد معرفته في هذا الباب وفي غيره.

يروى عن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه قوله (من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجوه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة زالت الجبال قبل ان يزول).

الناس إنما تستقر المعارف في أذهانهم وإنما يتبنون الأفكار نتيجة ما يصل إليهم، أما عبر التأمل الذاتي والشخصي، عمن يصفهم الناس بالعلماء حقاً أو باطلاً، فإن كان مَن حصّلنا عنه العلم من أهل العلم الصحيح، كنا في نعمة حيث حصلنا العلم من أهله، لكن إذا كان من أهل التدليس والتزوير، وما أكثرهم عبر التاريخ، وكذلك في الحاضر حيث يملؤون مسامع الناس بالغث الذي يشوبه شيء من السمين، حتى يضيع باطلُهم في هذا الحق الذي دسّوه بمثابة التلميع والتدليس، حتى يقبله الناس، لأن الناس لا يقبلون الباطل الصراح، وإنما يمزجونه، إذا مُزج بشيء من الحق، اشتبه على الناس حاله.

الإمام صلوات الله وسلامه عليه، يحذّرنا من أن نتلقى العلم بواسطة الرجال، بمعنى أن نتعصب للرجال، لا لأن ما قالوه هو الحق، حيث لا دليل عندهم، لا علم عندهم، لكن استطاعوا ان يثيروا إعجاب الناس بهم، فصاروا يصدقونهم في كل ما يقولونه، مثل هؤلاء قد يلقون على مسامع الناس شيئا يسمى بالعلم، ولكنه جهالات في جهالات..!

الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ينبّه إلى أن المصدر الذي ينبغي ان نعتمد عليه هو الكتاب والسنة ، وإن كان الكتاب والسنة لا ينطقان، وإنما ينطق بهما الرجال, لكن الرجال نوعان، رجال معصومون، كالنبي والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم، ورجال عدول، المعصومون أمرهم واضح، أما الرجال العدول فللناس ان يسألوهم: أن هذا الذي نطقتم به من فتوى أو موقف، أين هو مستنده من الكتاب والسنة..؟ أما أن ينطق بشيء لا سند له في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فهذا لا يمكن الاطمئنان إليه.

الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ينبّهنا إلى أن من أراد الحق الراسخ في نفسه، فعليه أن يستند في ذلك إلى ما جاء في الكتاب والسنة، وإنْ جاز له أن يستعين بالرجال في الوصول إلى الكتاب والسنة، لكن، لا أن يتعصب إلى الرجال دون حق.
هذا هو المطلب الأساسي والمدخل الأساسي.

أما إذا جئنا إلى الإمامة والنبوة:

وقد عانى الناس كلهم، من آمن بها ما عانى، في الوصول، وعانى في الثبات، حيث أن أهل الباطل لن يدعوه مؤمنا مستقرا (من والانا، فليستعد للبلاء جلبابا) وكذلك أولئك الذين عانوا في رفض النبوة والإمامة، تفننوا في إيراد الأباطيل والشبهات، حتى يبرروا رفضهم وكفرهم بالنبوة والإمامة.

القاسم بن عبد الرحمن، ممن عانى ومرّ بمثل هذه التجربة، لم يكن منتمياً إلى إمامة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم بالشكل الحق، قال -عن الإمام الجواد، ونعرف أن الإمام الجواد تصدى للإمامة بعد أبيه، وقد كان صغير السن، سِنّه حين تصدى للإمامة، فيما هو المعروف، لم يتجاوز الخمس سنوات، وهذا أمرٌ غير مألوف عند الناس، أنْ يرجعوا إلى إمام، خصوصا مع ملاحظة أن الإمام الذي نعتقد به ليس منصبا سياسيا فقط، وإنما هو منصب السفارة عن الله عز وجل, نور الله في الأرض, خلفاء الله في الأرض العلماء بالقرآن , العلماء بالقرآن من أوله إلى آخره , والقرآن فيه تبيان كل شيء, هذا كيف يُتصور أن شخصا في سن الخامسة من السنين، يملك مثل هذه المعلومات, هذا يكون فيه شيء من الغرابة, لكنه ليس أمرا مستحيلا, وسنأتي على ذكر أن هذا ليس من المستحيلات، بل له ما يدل عليه, قال (خرجت إلى بغداد, فبينا أنا بها، إذ رأيت الناس يتعادون -أي يسرعون- و يتشرّفون أو يتشوّفون- بمعنى يترفعون على أماكن مرتفعة أو يطيلون أعناقهم حتى ينظروا- ويقفون فقلت ما هذا؟ -أي ما الذي تفعلون- فقالوا ابنُ الرضا ابنُ الرضا -وهذا ما كان يوصف به الإمام الجواد، لأن أباه الرضا صلوات الله وسلامه عليه- فقلت: والله لأنظرن إليه، فطلع على بغل أو بغلة، فقلت: لعن الله أصحاب الإمامة حيث يقولون: إن الله افترض طاعة هذا..!

-طفل صغير على بغل أو بغلة، هذا هو أمامهم..؟! طبعا، بادر إلى اللعن، لأن الفكر والثقافة التي كانت عنده، لا تسمح له أن يقرأ بموضوعية وبإنصاف- فعدل إليّ الإمام الجواد، صلوات الله وسلامه عليه وقال: يا قاسم بن عبد الرحمن {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} سورة القمر (٢٤) -الإمام صلوات الله وسلامه عليه نبّههُ إلى أن هذا الموقف، وهذه أحد خصائص الأئمة صلوات الله وسلامه عليه، إن هذا الموقف الذي اتخذته بينك وبين نفسك، هو مماثل تماماً، للموقف الذي اتخذه أولئك الذين أنكروا النبوة الذين أنكروا نبوة الأنبياء، قالوا ما الذي ميّز هذا الإنسان حتى يكون من بيننا نبي..؟ مع أن المنطق أن يكون واحد نبي من بين الناس، ليس كل الناس أنبياء، لو أن الناس كلهم صالح للنبوة لما احتاج الله عز وجل أن يبعث نبي من الأنبياء، الناس لأنهم ينحرفون، يصطفي ويجتبي من بينهم من يصلح لأن يكون نبيا، حتى يعيدهم إلى الجادة، لكن قلبوا المعادلة فقرؤوها بشكل منكوس- فقلت في نفسي: ساحرٌ والله , هذا شيء بيني وبين نفسي، كيف التفت إلى هذا..؟ فعدل إليّ فقال أقول {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِر} القمر(٢٤).

الإمام فاجأه مفاجأة أخرى، وهو أن هذا الذي أضمرته في نفسك، اطلعتُ عليه، ومن جهة أخرى، استبعادُك شبيهّ باستبعاد أولئك الذين حصل لهم موقف مماثل للموقف السابق في هذا- يقول: فانصرفت، وقلتُ بالإمامة، وشهدتُ انه حجةُ الله على خلقه واعتقدته.

الإمام الجواد، الذي عاش في مثل هذا الظرف، كان هناك حاجة ماسة لأن يُثبت ولأن يثبت أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، من خلالهم. أن إمامتهم، هي أمرٌ رباني، هو ما أشار إليه الله عز وجل، وكافأ به إبراهيم بعد أن بلغ ما بلغ، من النبوة والخلة {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}البقرة(١٢٤) هذا حصل لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، في أخريات أيامه، بعد عمر مديد في النبوة والخلة والقرب من الله عز وجل، كافأه بالإمامة، فهذه الإمامة ليست منصبا سياسيا، حتى يجتمع هؤلاء أو أولئك فيختاروا فلانا. يجعلونه إماماً لهم، أو أي عنوانا يضفونه عليه ويعطونه إياه، وإنما هو منصب مختلف تماماً، ليس للناس أن يختاروه، وإنما يعينه الله عز وجل.

أذكر على ذلك بعض النماذج :

الأول – ما رواه الشيخ الكليني رحمه الله بإسناده عن علي بن أسباط قال (رأيت أبا جعفر عليه السلام وقد خرج عليّ -أبا جعفر هي كنية الإمام عليه السلام- الجواب، فأخذت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر- هو كان من أهل مصر أو يتردد على مصر، فأراد أن يأخذ صورة في ذهنه كاملة، حتى إذا سُئل من قبل أصحابه -اي الأمامية- يصف الإمام لهم صلوات الله وسلامه عليه، فبينا أنا كذلك حتى قعد -أي الإمام- عليه السلام، فقال: يا علي -كان الإمام صلوات الله وسلامه عليه عرف ما يجول في خاطر علي ابن أسباط- يا علي أن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة، فقال {وأتيناه الحكم صبيا} يعني لا تستغرب ان سني صغير وكيف جعلني الله عز وجل إماما، هذه الإمامة، على غرار تلك النبوة، يؤتيها الله عز وجل للكبار، كما يؤتيها من يكونون في سن الصبا، و آتيناه الحكم صبيا، هذا عن عيسى صلوات الله وسلامه عليه، وأضاف الإمام، قال: {ولما بلغ أشده} أي النبوة، قد يؤتيها اللهُ عز وجل النبي وقد بلغ أشده، في موضعين في القرآن الكريم {ولما بلغ أشده واستوى}.

الآية الثالثة التي استشهد بها الامام قال {وبلغ أربعين سنة} أي أن النبوة يؤتيها الله عز وجل من من بلغ أربعين سنة ومن بلغ أشده، سواء بلغ الأربعين أو لم يبلغ الأربعين، والنموذج الثالث والمستوى الثالث، هو ان يؤتي الله عز وجل النبوة لمن كان في سن الصبا، فبالتالي أرفع من ذهنك هذا الاستغراب والتعجب، هذا أمر من الله عز وجل {الله أعلم حيث يجعل رسالته} يضيف الإمام صلوات الله وسلامه عليه: فقد يجوز أن يؤتي الحكمة أو أن يؤتى الحكمة وهو صبي –أي الإمام- ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة.

لا فرق، ما دامت الأمر مسألة مسألة ربانية رفع هذا الاستبعاد عن نفسك.

النموذج الثاني – ما يرويه أيضا بإسناده، عن علي بن إبراهيم عن أبيه قال ( قال علي بن حسان لأبي جعفر عليه السلام: يا سيدي أن الناس ينكرون عليك حداثة سنك، وقال، فقال الإمام عليه السلام: وما ينكرون قول الله عز وجل لقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} يضيف الإمام: فوالله ما اتبعه إلا علي عليه السلام وله تسع سنين وانا ابن تسع سنين.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله بنص القرآن يقول، ان الله أمره أن يدعو إلى سبيله ومن تبعه، المقدار متيقن ان من تبعه في ذاك الوقت هو أمير المؤمنين، وبإجماع المسلمين، أمير المؤمنين في بداية بعثة النبي كان عمره لم يتجاوز التسع أو العشر سنين، حسب هذه الرواية تسع سنين، يقول الامام أنا ابن تسع سنين، فمن أنكر عليّ الإمامة، ينبغي أن ينكر على علي عليه أفضل الصلاة والسلام انه اتبّع رسول الله و{يدعو إلى سبيل الله على بصيرة} هذا هو مورد الشاهد.

الإمام صلوات الله وسلامه عليه، أهل البيت من خلال امامته عليهم عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، رفعوا الشبهة إن العلم الالهى له قوانينه، وله معادلاته التي لا ينبغي أن تنكر، الله سبحانه وتعالى هو الذي يحددها، ومن ثم كان ميلاده وكانت امامتُه من بركات هذا الدين ومن بركات هذا المذهب، كما جاء عنهم صلوات الله وسلامه عليه، حيث يروي أبو يحيى الصنعاني، قال كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فجيء بابنه أبي جعفر عليه السلام وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولودُّ أعظم بركة على شيعتنا منه.

وجه البركة وين..؟ هذه أحد وجوه البركة، وعظمة هذه البركة هي نزع هذه الشبهة التي لا يزال، للأسف الشديد، كثير من الناس يعيّر اتباعَ أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام بما يعتقدونه في أهل البيت، وفي شؤون الإمامة، وفي مقامات الإمامة، وفي وظائف وتكاليف الإمام، غافلين عن أننا نتحدث عن إمامة، ليست بالنحو الذي يتحدثون عنه، حيث يجوز ان يتصدى لها كل من هب ودب من الناس.

نسأل الله عز وجل ان يعظم لنا ولكم الأجر في ذكرى شهادة مولانا الإمام الجواد عليه أفضل الصلاة والسلام وأن نكون وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا ناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشفى مرضانا وارحم موتانا، واغني فقرائنا وإصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم، وصلى الله على محمد وآل محمد .

تعليق