2018.09.18

معادلات قرآنية (٢) الترابط الوثيق بين الدنيا والآخرة / السيد حسن النمر الموسوي

- Sayyed-alakwan | 2016.07.31

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله, أوصيكم ونفسي بتقوى الله, فإنه القائل عز وجل { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}هذه الآية الكريمة وهي الخامسة والثمانون بعد المئة من سورة العمران تتحدث في السياق الذي جعلناه عنوانا عاما لخطبنا، وهي معادلات قرآنية ونعني بالمعادلات تلك القوانين العامة والسنن التي تأخذ طابع الكلية والشمول، والتي ينبغي أن تُدرس كقوانين ثابتة، وإن كان بيد الله عز وجل أن يغير بعضها، التقديم والتأخير والإلغاء، لأنه عز وجل {يمحو ويثبت} لكن هناك بعض هذه المعادلات هي في لوح أو أعلى من لوح المحو والإثبات، وإنما هي في اللوح المحفوظ، الذي لا يتبدل ولا يتغير {ولن تجد لسنة الله تبديلا}.

دراسة مثل هذه المعادلات والسنة، تجعل من الإنسان يستوعب كثيرا مما جاء من عند الله عز وجل من أوامر ونواهي، أريد من الناس أن يجعلوها دستوراً للحياة، ومن أجلها بعث الله عز وجل الأنبياء والرسل، وجعل من أنبل الناس أو من أمره للناس ان يطيعوا هؤلاء الرسل، حيث يقول {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وفي طاعة الرسول طاعة لله، كما ان في طاعة أولي الأمر الذين فرض الله عز وجل طاعتهم طاعة له أو [عدم] طاعة الله وطاعة لرسوله الخروج عن نظام الطاعة، هذا يجعل الأمر مدعاة للخلل في الدنيا والخلل في الآخرة.

وهذا ما يفتح لنا بابا تعرضت له الآية المباركة وهي الترابط الوثيق بين عالمي الدنيا والآخرة، لا يمكن للإنسان أن تستقيم دنياه إلا أن يخطط لآخرته، ولا يمكن للإنسان أن يهنأ في آخرته، إلا أن يستقيم على الهدى في دنياه، والفوز والخسران يرتبط بتنظيم الحياة الإنسانية على أسس ربانية، ووفقا لهذه المعادلات في الدنيا لنحصل على النتيجة في الآخرة.

وقد ذكرنا في الخطبة الماضية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المقدمات والنتائج، إذا حسنت المقدمات حسنت النتائج، وإذا ساءت المقدمات ساءت النتائج، فمن حسن حاله في الدنيا، يُرجى له، وهذا من عدل الله عز وجل ومن رحمته أن يكون من الصالحين في الآخرة، والذين نرجو ونسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم منهم ومعهم، وهذا ما سأله له إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

هذه الآية المباركة تأتي تذكر وتتضمن الكثير من الفوائد، أذكر بعضها، حسب متسع الوقت مراعين حرارة الطقس ومراعين حال الأخوة الذين يحمونكم من جرم الإجراميين، الذين شاع وذاع جرمهم، فلم تبق حرمة لله عز وجل إلا وانتهكوها، وأحد أشكال الانتهاكات لحرمات الله، أن تكون المساجد هي في معرض الخطر والتي يمكن للناس ان يأمنوا في بيوتهم، لكن للأسف الشديد، لا يأمنون في بيوت الله عز وجل، وما رأيناه قبل يومين من ذبح طفل بالسكين، طفل..! طفل..! هذا لم نقرأه، يعني سمعنا في التاريخ أن ثمة جرائم، لكن أن تُرتكب بهذه الطريقة وان يتباهون ويصورون هذا الفعل الشنيع، هذا يكشف عن أن هناك خللاً كبيراً، وخللاً فادحاً، في التكوين النفسي والتكوين الفكري لهذه الجماعات، التي تنسب نفسها زورا إلى الإسلام، وإلى أهل الإسلام، وهي بالتأكيد لا تمت إلى إسلام الله وإسلام رسوله بصلة من قريب ولا من بعيد.

نسأل الله عز وجل أن يحفظ ديار المسلمين والعالم أجمع من شر هؤلاء ومن يحميهم ومن يبرر لهم ومن يدعمهم ومن يستثمروا مثل هذه الاجرامات.

 

الفائدة الأولى التي تعرضت لها هذه الصورة المباركة هي:

حتمية الموت، يخطئ والإنسان إذا ظن أن الموت لن يطاله و لن يناله، أو إذا ظن ان بيده أن ينظم حياته بعيدا عن هذه الحقيقة القرآنية التي تشكل معادلة ثابتة، ماذا تقول الآية المباركة {كل نفس ذائقة الموت} ولا يستثنى من هذا القانون حيٌ من الأحياء، الحي الذي لا يموت هو الله وحده سبحانه وتعالى، وما عداه من مخلوقاته كلها ينالها هذا القانون، لا يستثنى من هذا أشرف كائن خلقه الله عز وجل في هذا العالم وفي هذا الوجود، وهو رسول الله وقد خاطبه الله عز وجل بقوله {إنك ميت وإنهم ميتون}.

إذا استقر في ذهن الإنسان هذا الوعي، يجعله يعيد برمجة حياته بما يتناسب وهذا القانون، وقد روى يعقوب الأحمر كما ذكر ذلك الشيخ الكليني رحمه الله، في تأكيد هذا القانون وشمولية هذا القانون أنه قال في حديث (دخلنا على أبي عبد الله ، عليه السلام ، أي الصادق نعزيه باسماعيل – وهو ابنه، إبن، الإمام عليه السلام لأنه توفي قبل وفاة الإمام الصادق- فترحم عليه ثم قال إن الله عز وجل نعى إلى نبيه صلى الله عليه وآله نفسه فقال {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال {كل نفس ذائقة الموت} ثم أنشأ -أي الإمام عليه السلام يحدث يبيّن لهم من ضمن هذه المعارف- فقال انه يموت أهل الأرض حتى لا يبقى أحد، ثم يموت أهل السماء حتى لا يبقى أحد) هذا القانون ليس قانونا أرضيا فقط، بل قانون يشمل جميع الكائنات والأحياء إلى آخر الحديث.

يهمنا من هذا الحديث هذا التأكيد الذي ذكره الإمام صلوات الله وسلامه عليه من حتمية الموت لجميع الأحياء المخلوقة، سواء كانوا إنسانا أو جنّا آخيارا أشرارا ملائكة قديسين ربانيين شياطين أيا كان، هذه هي الفائدة الأولى.

 

الفائدة الثانية:

هي أن الموت الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية وفي غيرها، ليس هو انتقال من الوجود إلى العدم، وإنما هو انتقال من طور حياتي إلى طور حياتي آخر.

والمنتقل إليه أي الآخرة وشؤون الآخرة، هو أكمل من حيث الوجود من عالم الدنيا، فما نرجوه من النعم في عالم الدنيا، لا يعدل شيئا من نعم الله عز وجل في الآخرة، وما نخشاه من النقم في عالم الدنيا لا يمكن أن يقاس بما سيواجهه أهل نقمة الله عز وجل في الآخرة.

فإذن، هذا القانون – قانون الموت- لا يعني أن الإنسان سينتقل إلى الأسوأ، إلا أن يختار هو أن يسيء هنا، فيساء إليه هناك.

 

الفائدة الثالثة:

هي أن الله عز وجل سيتحقق منه وفاء رباني لأعمال الناس وفاءاً تاماً.

لكن هذا إنما سيحصل في عالم الآخرة وليس في عالم الدنيا، فالصالحون يكافئهم الله عز وجل على ما عملوا، لأن هناك ارتباطا بين المقدمات والنتائج، لكن لن يكافئ الله الصالحين على جميع أعمالهم الصالحة في عالم الدنيا، بل سيكافئهم بعض المكافئة هنا، وسيجزل لهم العطاء في عالم الآخرة، كما أن الأشقياء سيعاقبهم الله عز وجل على ما اختاروه من الشقاء وأسبابه هنا في عالم الدنيا، لكنه سيؤجل بعض عذابة لهم في عالم الآخرة، إلّا أن ينتقل الإنسان من خلال التوبة انتقالا تاما، من عالم الشقاء والأشقياء في عالم الدنيا إلى عالم السعادة والسعداء.

وهذا ما جاءت التربية الإسلامية لتلح وتدفع بالناس إلى أن يلتزموا التقوى حتى يمحو الله سيئاتهم بل، يبدل سيئاتهم إلى حسنات

 

الآية ماذا تقول عن هذا القانون؟

قانون الله عز سيكافئ الناس، قال {انما توفون اجوركم} متى هذه التوفية؟ يوم القيامة، لن توفوا أجوركم هنا في عالم الدنيا، طبعا توفون من التوفية، والله عز وجل يقول {بلى من أوفى بعهده من الله} والله سبحانه وتعالى هو أوفى الأوفياء، يعني أكثر الموجودات قدرة والتزاما على إعطاء كل ذي حق حقه، أما الآخرون فقد يبذلون الجهد في هذا السبيل، لكن، قد يكونون قاصرين، يرغبون أن يوفوا للآخرين حقوقهم وأجورهم و جزاءهم، لكن سيبقى ذلك في عالم التمني والتبني، فالوافي هو الذي بلغت تماما، كما يعرفه أهل اللغة.

الحقيقة الأخرى التي ذكرتها السورة أو الآية المباركة وهي الحقيقة الرابعة والفائدة الرابعة:

إن التوفية كما ذكرنا وأشرنا إليه، لن يكون كاملا في عالم الدنيا، وإنما سيكون في يوم القيامة، وهذا لا ينبغي أن يغيب عن بال الإنسان، لأن في ذلك مدعاة لأن يلتزم التقوى حينما يقال له اتقوا الله، ولذلك فإن بعض الآيات تذكر وتتأسى لحال بعض من يجرأ على بعض معاصي الله عز وجل، كما نجدها عند هؤلاء ماذا تقول {ما أصبر هم على النار} هل يظنون أن عقوبة مثل هذه الجريمة، يعني {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} هذا أمر هين؟! يعني أن يقتل أحدا ويذبح أحدا من دون مبرر شرعي، ثم يقول تُبنا إلى الله عز وجل، بكل هذه البساطة ؟! لا، سبحانه وتعالى يقول {من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا} كيف يستغفر الإنسان من مقتل الناس جميعا لو تحقق منه ذلك، هذا يتحقق حتى لو قتل نفسا واحدة بغير نفس أو بغير حق.

 

الفائدة الخامسة:

هي أن يوم القيامة هو يوم الحساب الدقيق والجزاء العادل، وهذا ما يفيده قوله عز وجل {إنما توفون أجوركم} هو يوم وفاء، لأن الله عز عز وجل عادل لا يظلم أحدا من الناس {ولا يظلم ربك أحدا} كما أن الإنسان كيف يطلب والوفاء من الله عز وجل وقد قصّر؟ إنما يطلب الوفاء من الله عز وجل من عمل، والآية تقول {إنما توفون أجوركم} الأجر في مقابل ماذا؟ في مقابل العمل، فمن عمل عملا صالحا يرجو منفعته، مثل هذا عملُه لن يضيع عند الله عز وجل، لأنه سبحانه وتعالى لا تضيع عنده الودائع.

 

الفائدة السادسة:

هي انه المجازاة الكاملة على الأعمال لا يمكن ان تحصل في عالم الدنيا، لأن عالم الدنيا لا يتسع، هو عالم الضيق، عالم التزاحم، يعني ما ادخره الله عز وجل للصالحين من الثواب على ما يعملوا له من الصالحات، الدنيا لا تتسع له.

جاء أحدهم إلى الامام الصادق في ضمن حديث، قال يا سيدي انا لا أملك إلا موالاتكم، ولو عرضت عليّ الدنيا بالموالاة لما قبلت أن أجعل هذه، في مقابل هذه، غضب الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه قال: قستنا بغير قياس.

يعني هل تتصور أن الدنيا وما فيها ، يمكن ان تعدل ولاء الله عز وجل ورسوله وأولياءه؟

هذا أفق لا يمكن أن يجازاه الإنسان إلا أن ينال الجنة التي عرضها السموات والأرض، والذي يقصرون أو نعوذ بالله يفرّطون عن سبق إصرار وتعمد عن مثل هذا التولي لله، ولمن فرض الله ولايته، مثل هذا لا يمكن ان يُجازى في عالم الدنيا، أي عقوبة أعطي إياها وكوفئ بها في عالم الدنيا، فإنها لا تناسب حجم الجريمة التي ارتكبها.

الفائدة الأخرى التي تذكرها الآية الشريفة: هي أن هناك ارتباطا وثيقا بين الدنيا والآخرة.

والسبب ما هو؟ هو أن الأجر الذي يناله الناس في يوم الآخرة، على ماذا سيكون؟ على ما عملوه في الدنيا.

فعملك الدنيوي أجرته و جزاؤه ومكافأته ستكون في الآخرة، هل يمكن أن نفكك بين هذا وذاك؟

لا يمكن أن نفكك بين هذا وذاك إطلاقا، ولذلك، في عالم الدنيا أنت مضطر أن تتسامح، مضطر أن يتسع صدرك، لأن لو أردت أن تأخذ حقك المرّ، بعض حقوقك المرّة لا يمكن أن تعوّض، وكما أن الإنسان آماله التي هي آمال مشروعة لا يمكن أن تتحقق في عالم الدنيا، هناك مشاريع لابد من أن تؤجل إلى عالم الآخرة، إلا أن يأذن الله عز وجل فيها.

هنا نأتي على مسألة الجنة والنار، الجنة والنار هما تعبيرا عن ماذا بغض النظر عن أوصاف الجنة والنار، هما تعبير عن كمال السمو الذي يمكن أن يبلغه الإنسان إذا كان من الصالحين، فهذا له الجنة، وإذا كان من الأشقياء، فهذا له النار، لكن الجنة والنار ليسا عالمين منفصلين، وإن كان في الآخرة عن عالم الدنيا، نعم هما يتجليان ويظهران ويبرزان.

آيات قرآنية هي ماذا تتحدث؟ وهنا ماذا تقول، يقول {إنما توفون أجوركم} ويقول عز وجل عن العاملين {هم درجات} أنتم أيها الناس درجات، وإن كان هناك أية {لهم درجات} لقد تقول لهم درجات إنما أو في تعبيرين في القرآن الكريم {بما كنتم تعملون} وهناك أية أخرى {إنما تجزون ما كنتم تعملون} {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} القرض ما هو؟

القرض هو أن تعطي أحداً شيئا وتسترجعه منه بعد فترة أخرى، نحن إذا أقرضنا الله عز وجل شيئا، هل سيعطينا شيئا آخر؟

يقول لا، القرض وهو العمل الصالح إذا قدمناه عند الله عز وجل سيعطينا نفس ذلك القرض، لكن بحقيقته الأخروية، وليس بحقيقته الدنيوية، فهذا العالم تعبير عن ذاك العالم، وذاك العالم مرآة لهذا العالم، فمن أراد السعادة الحقيقية الكاملة فان عليه ان يحسن عمله هنا، في عالم الدنيا، كيف يكون ذلك؟

بالعمل الصالح، وكيف يفروا على النار، التي هي النتيجة السيئة، بتجنب العمل الشقي، فإن ما عند الله عز وجل يبقى وإنما نستطيع أن ندخر في بنك الله عز وجل ان جاز التعبير، إنما ندخر بالأعمال الصالحة.

هذا التفسير هو الذي يفسر لنا الفقرة الأخيرة التي ذكرتها الآية الكريمة يقول {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} الغُرور هو تعبير عن الجهل “مغرور” يعني جاهل، لا يعرف حقيقته ولا حقيقة الآخرين فيصاب بالعجز، يصاب بالزهو، نقول فلان مغرور، يعني جاهل بقدر نفسه، وبأقدار الآخرين، فيترفع عليهم و يتكبر عليهم من غش نفسه وظن أن الدنيا تصلح عوضا عن الآخرة، فإن هذا قد لعب به الغَرور، الغَرور هو الشيطان، الغُرور هي الصفة والحالة التي يتحلى ويتلبس بها الإنسان إذا أنصت للشيطان في مثل هذه الوساوس، نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمعون القول فيتبع أحسنه اللهم صل على محمد وآل محمد

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

تعليق