2017.12.17

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ / الشیخ عبدالجلیل المکرانی

- Sayyed-alakwan | 2016.07.28

إنّ الإرهاب والعنف والقتل من الظواهر التي يمتاز بها هذا العصر عن سائر الأعصار مع ظواهر اجتماعية وإنسانية أخرى. ولا شكّ أنّ ظاهرتي الإرهاب والعنف اللتين نلاحظ انتشارهما في هذا الوقت لهما مصادر ومناشئ مختلفة، كما أنّ الإرهاب لا يرتكز على إيديولوجية واحدة، بل له عقائد ومبانٍ متباينة.

ولا شك أنّ الأديان الإلهية لا يمكن أن تكون سبباً للاختلافات والصراعات والجرائم كالقتل والإرهاب والدمار؛ بل إنها تنهى عن ذلك، يقول تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: 32]

والقول بأنّ الدين هو مصدر الإرهاب والقتل والصراعات الدموية في العصر الحاضر ما هو إلاّ تسطيح وتجويف لواقع المشكلة الإنسانية المعاصرة؛ لأنّ الإرهاب الآن ليس من نوع واحد؛ فهناك إرهاب الدول الكبرى المستعمرة للعالم والمسيطرة على مصالح الشعوب ومقدراتها، والتي تدير مقاليد الأمم والشعوب من خلال السياسة والاقتصاد والاتصالات الفتاكة وسائر الشؤون الإنسانية الأخرى التي تجعل كل مصالح وعوائد الشعوب بيدها.

وإنّ من أوضح صور الإرهاب ما تمارسه الدول الكبرى من احتلال للبلدان والتدخّل المباشر بشؤونها، وممارسة النهب والسلب للثروات. هذا بالإضافة إلى إرهاب الجماعات المسلحة المنتشرة في العالم.

ولا ننكر بأنّ واحداً من أهمّ المصادر المغذّية للإرهاب والقتل والحروب على طول التاريخ هو العقيدة الدينية والانتماء المذهبي. فالاحتراب من أجل الدين والعقيدة الدينية هو من أكبر المنتجات للصراعات والخلافات البشرية على مرّ التاريخ. وإذا ما رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أنّ الإرهاب بدأ مبكراً في الحياة الإنسانية والبشرية، فقد قتل قابيلُ هابيلَ أخاه وكانا قد قدما قرباناً إلى الله جلّ وعلا، فتقبّل من أحدهما قربانه بينما ردّ الآخر؛ لأنّه لم يكن بمستوى العبودية والتقرّب لله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أن أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 27ـ 31].

وبعد ذلك يتحدّث القرآن عن تشريع إلهي جديد يعطي مسألة الجريمة والإرهاب حجمها الطبيعي والواقعي، واعتبارها انتهاكاً لحياة المجتمع البشري بأسره وإن كان المستهدف بالقتل نفساً واحدة؛ لأنّ قيمة النفس الواحدة عند الله تعالى كقيمة المجتمع البشري كلّه، فالمجتمع إنّما يتألف من الأفراد والأشخاص، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ أن كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32].

وعندما نرجع إلى الآيات المتقدمة نجد أنّ العامل الديني والعقيدة هما اللذان منعا هابيل من ممارسة الإرهاب والقتل والجريمة؛ بينما على العكس من ذلك نجد أنّ أخاه قد دعته أهواؤه وخطاياه النفسية والروحية لاقتراف تلك الجريمة؛ بعيداً عن نداء الضمير وتعاليم السماء والدين.

وإذا ما كان الدين في مجتمع أو أمّة ما مصدراً للقتل والإرهاب، فإنّ العيب والإشكال ليس في الدين نفسه، بل إنّ أولئك الذين يعون التديّن هم الذين يشوّهون صورة الدين ويمارسون القتل والإرهاب باسم الدين، حتى اصطلح عند الغربيين جرّاء مثل هذه الممارسات بـ(إسلام فوبيا).

فتحوّلت فكرة الإرهاب والقتل التي تمارسها جماعات القاعدة وغيرها ـ باسم الإسلام ـ من ظاهرة عملية وحسيّة إلى ظاهرة فكرية تشكّل نمطاً في العقل الغربي والأمريكي عن الإسلام والمسلمين. وهناك مَن يوعز السبب في ذلك إلى تطرّف المسلمين، كما أنّ هناك مَن يشير إلى مسؤولية الدول الكبرى فيه، بينما يُرجع آخرون سبب ذلك إلى مسؤولية المسلمين والدول الكبرى معاً. وهناك مَن يقول بأنّ هذه النظرة والتوتر هو أمر عارض.

وعلى كلّ حال فإنّ جمهور الغرب يرى أنّ سبب العلاقة السلبية بين الغرب والمسلمين هي عدم وجود التسامح عند المسلمين، بل يغلب عليهم العنف والتعصّب والغلظة، وأنّهم لا يتكيّفون مع المجتمع الحديث، ومع هذا يصفون المسلمين بالكرم والنزاهة.

فما هو سبب هذه النظرة السلبية (إسلام فوبيا)؟

من الواضح أنّ هذه النظرة السلبية لم تكن نتيجة أحداث (11 أيلول/سبتمبر)، وإنّ كانت هذه النظرة موجودة قبل ذلك؛ حسب الاستطلاعات التي تمّت في بداية التسعينات، نظراً لأحداث الجزائر التي انعكست على الرأي الفرنسي، ونتيجةً لما كتبه المستشرقون عن الدين الإسلامي، حيث ركّزوا على الفقه الإسلامي المتعلّق بالحروب وبعض آيات القرآن المنقطعة عن سياقها ومقابلتها برسالة الإنجيل السلمية على حدِّ زعمهم، وكلّ هذا قد صاحبه عدم الردّ من قبل المسلمين على هذه الشبهات أو عدم وصول الردّ إلى العالم الغربي. ثم جاءت حركات الإسلام الأموي، وهو إسلام التكفير والإرهاب والقتل العشوائي الذي هو ليس من حقيقة الدين، كلّ هذا ساهم بشكل مدروس في تضليل الرأي الغربي العام وتشويه صورة الإسلام وإلباسه لباس التطرّف ورفض التعايش ونكران الحياة.

وكان لتلك الخطوة الخبيثة النجاح الكبير في تمرير السياسة المعادية للإسلام وإنجاحها في المجتمعات الغربية، فقد رحّب رجال السياسة بذلك؛ حيث كانوا يحتاجون إلى صرف نظر شعوبهم عن التناقضات الداخلية الموجودة عندهم إلى العدو الخارجي، واكتساب الشرعية السياسية في معركة الغرب المتحضّر ضدّ الإسلام.

وكمثال على ترسيخ هذه النظرة نشوء حزب (ليفباريندرلاند) الذي سمّي فيما بعد بحزب (بيم فورتوين) سنة 2002 م في هولندا، ويعتبر هذا الحزب الإسلامَ هو العدوّ الأساسي للحضارة الأوروبية، ويطرح فكرة حرمان المسلمين من الحقوق الفردية وطرد المستطاع منهم من البلاد، وإغلاق الباب إمام أيّة هجرة إسلامية جديدة، وفرض المراقبة الشديدة على المساجد. وقيادة هذا الحزب تحتوي على عدد من اللواطين المعلنين، ومن مخرجي وممثلات الأفلام الإباحية، ومن المرتدين عن الإسلام [بحوث فقهية معاصرة (حسن الجواهري) 6: 203].

وانتهج الحزب اليميني المتطرّف الدانماركي الممثّل في حزب الشعب المسار نفسه تجاه الإسلام والمسلمين، وهو اليوم مشارك في الحكومة الائتلافية اليمينية الراهنة [بحوث فقهية معاصرة (حسن الجواهري) 6: 203].

وهكذا بعض التجمعات المسيحية التي تبالغ في الدفاع عن هوية أوروبا المسيحية عن قيم الحضارة الغربية الحديثة بوجه التحدّي الإسلامي.

وهذه النظرة السلبيّة تزداد كلّما طالت أحداث التفجير والعنف والاغتيال العواصمَ الأوروبية، كتفجيرات لندن ومادريد [بحوث فقهية معاصرة (حسن الجواهري) 6: 203].

وهكذا ساهمت هذه الحركات بإيهام الرأي بصحة النظرية التي تبنّتها الولايات الأمريكة المتحدة، وهي نظرية صراع الحضارات والصدام الحضاري الذي أطلقها (هنتغتون).
الغرب العلماني والإرهاب

رغم ادعاء الغرب بأنّ فكره يتّسم بالموضوعية والتحليل التاريخي والثقافي للحدث، إلاّ أنّه لم يستطع أن يتجرّد عن ماضيه الثقافي والفكري والاجتماعي وترسابته المظلمة.

فالغرب الذي تجرّد عن الدين ـ بعد إن كان الدين بفضل الكنيسة مصدراً لتقسيم المجتمع ونقض وحدته الإنسانية ـ حاول تسرية هذه القضية إلى الدين الإسلامي الحنيف، والترويج لفكرة أنّ حضور الإسلام في الحياة الاجتماعية والسياسية في الدول الإسلامية هو السبب لما تقوم به المجموعات الإرهابية المتطرفة من إبادة جماعية لبعض الجماعات الإسلامية، ويدعو الأمّة والشعوب الإسلامية إلى التخلّي عن الدين واللجوء إلى العلمانية كمنهج للحياة والسعادة البشرية المنشودة.

وليس من الغريب أن تجد العلمانية مكانها في الغرب، فقد فرضت ذلك ظروفهم؛ نتيجة تسلّط الكنيسة وتحالفها مع الظالمين على شعوب الغرب المختلفة، ووقوفها في وجه كلّ تفتح فكري أو كشف علمي، حتى تجاوز حجرها على العقول إلى الحجر على القلوب، وذلك حين فرضت صكوك الغفران وقرارات الحرمان وراحت تتاجر بها وتتخذها وسيلة للكسب الحرام.

وغرقت أوروبا في دماء ضحايا الكنيسة، فسقط المئات ـ‌ بل الآلاف‌ـ تحت مقاصل المحاكم ومشانقها، وغيب الكثيرون في غياهب السجون. وإذا كانت سُنّة الله في الكون أنّ لكلّ فعل ردّ فعل فلقد وقع صراع العلم مع الكنيسة، وانتهى بإعلان العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة، وتقلّص سلطان الكنيسة داخل جدرانها.

وفضلاً عن أنّ ظروف أوروبا التاريخية كانت تبرر انتشار العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فلقد كانت ظروف الديانة المسيحية ـ بعد ما أدخل عليها التحريف بفضل أصابع اليهود ـ تسمح كذلك بوجود علمانية إلى جانب الدين. وليس ذلك غريباً بعد كون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة.

وليس غريباً أن نسمع بعد ذلك عن أنّ الدين الذي حبس داخل جدران الكنيسة قد جرى فيه التطوير حتى صارت الصلاة تؤدّى على أنغام الموسيقى، ثم تعقبها حفلات الرقص بين الجنسين تحت الأضواء الخافتة والألحان الدافئة، كلّ ذلك بمرأى ومسمع من رجال الدين، بل وتحت رعايتهم وتوجيههم. ومع كل هذا الوضع الديني الهزيل كانت أوروبا قد بلغت في التقدّم العلمي التكنولوجي درجة جعلتها ـ ولو إلى حين ـ تستطيع أن تقيم نهضة مادية بهرت الناس في أكثر الأحيان.

ومن هنا نقول: إنّ هذا الغرب الذي تخلّى عن الدين وقيمه المعنوية والروحية، ليس ببعيد عنه أن يمارس الإرهاب والعنف والتخويف والظلم ضدّ الآخرين، فها هي شعوب العالم ـ وخصوصاً الشعوب الإسلامية ـ تضطهد تحت ظلم هذا الفكر الإلحادي، وتعيش أنكد الأزمات، ولازال القتل يفتك بالمسلمين في كلّ أنحاء العالم ابتداءً من فلسطين وقصّتها إلى آخر المجازر في البلاد الإسلامية. فها هي ميانمار يعاني فيها المسلمون القتل والذبح والتشريد والتجويع أمام مرأى ومسمع العالم ومنظمات حقوق الإنسان المزيفة.

وإذا كانت بعض الاتجاهات المنحرفة والفتاوى المأجورة في المجتمع الإسلامي تؤمن بالترهيب والدموية وممارسة ثقافة الموت وهجر الحياة، فإنّ هذا ممّا يبرأ منه الإسلام، فإنّ الإسلام قد تعرّض في تاريخه إلى التشويه والتحريف في عقائده ومبادئه لصالح السياسة والحكومات الجائرة والظالمة كما هو واضح.

تعليق