2017.12.17

قتل الإنسان الواحد كأنه قتل للجميع / الشيخ حسين الراضي

- Sayyed-alakwan | 2016.01.31

بسم الله الرحمن الرحيم

في قصة ابني آدم الذي قتل أحدهما الآخر وقصها القرآن الكريم في سورة المائدة وذكر وخامة ذلك الفعل الشنيع والعذاب الأليم للقاتل قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ سورة المائدة:32.

مفردات الآية

﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾‏ وبسبب وقوع هذا بين بني آدم‏ ﴿كَتَبْنا﴾ أي قد قضينا وألزمنا ﴿عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ‏ قَتَلَ‏ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾‏ أي بلا قصاص شرعي‏ ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ‏﴾ مرخص موجب لقتله من شرك وبغي وقطع طريق وغير ذلك من الفسادات العامة الساري شرها وضرها ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ إذ كل فرد من أفراد الإنسان مستجمع لكمالات الجميع بسعة قلبه وعلو رتبته وفسحة استعداده وقابليته لمظهرية الحق وخلافته فكان قتله قتل الجميع‏ وَكذا ﴿مَنْ أَحْياها﴾ أي خلصها وأنجاها من المهلكة والمتلفة ﴿فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ على الوجه المذكور وَبعد ما قضينا على بني إسرائيل ما قضينا ﴿لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا﴾ تأكيدا له وتشديدا إياه‏ ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾‏ الدالة على عظم جريمة القتل عند اللّه وعظم الجزاء والنكال المترتب عليها في الآخرة ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ‏﴾ أي من بني إسرائيل سيما ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾‏ التأكيد والتشديد ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ‏﴾ على أنفسهم بالقتل بلا رخصة شرعية من غير مبالاة بالآيات البينات. [1]

وفيما إذا أردنا أن نطبق هذه الآية على واقعنا المعاش لرأينا الكيان الصهيوني وبمساندة وتأييد من الإدارة الأمريكية أقام المجازر في صبرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها، واعتقل عشرات الآلاف وشرد الملايين من الفلسطينيين في أرجاء العالم من قبل 80 سنة إلى يومنا هذا، وهوّد القدس الشريف وأقام عشرات الآلاف من المستوطنات على الأراضي الفلسطينية ولا زال في كل يوم يسفك الدم الفلسطيني ويعمل الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية أمام العالم كله وأمام العرب والمسلمين، وهم ينظرون لأطفال فلسطين ونسائها وشيوخها ينادون: يا لَلْمسلمين.. أغيثونا، خلصونا من شذاذ الآفاق وقتلة الأنبياء، فلم يجبهم أحد، فهل المسلمون الذين يريدون أن يطبقوا الإسلام وقلوبهم محترقة عليه يطبقونه على الكيان الصهيوني؟ حيث يقول تعالى بعد الآية المتقدمة عن بني إسرائيل:

﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة المائدة:33.

ألم يسْعَ الكيان الصهيوني في الأرض فساداً منذ أن تأسس إلى يومنا هذا؟

وأي فساد أعظم من الفساد الذي قام به طيلة 80 سنة وأكثر وما يقوم به الآن في كل يوم من جرائم في فلسطين.

ألا يستحق هذا الكيان اللقيط الذي لفظه العالم كله وجاء به إلى قلب العالم الإسلامي ليكون خنجراً في ظهر الأمة العربية أن يحارب ويخرج من الأرض التي اغتصبها وهجّر أهلها وقتل خيرة شبابها؟.

أم أن جزاء هذا الكيان الصهيوني الغاصب أن يُكافأ بتطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معه ومد الجسور والمصالحة بل والتنازل عن الأراضي الفلسطينية ويصبح صديقاً حميماً كرامة له على ما فعله بالفلسطينيين والأمتين العربية والإسلامية؟

وها هو يتباهى ويفتخر أنه تمكن من أن يوطد العلاقات مع بعض الدول العرب.

ألم يكن تطبيع العلاقات مع هذا الكيان مساعدة لقتل الفلسطينيين والقضاء عليهم؟

ألم يعلم هؤلاء أن من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة آيساً من رحمة الله، كما في الحديث عن رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (من أَعَانَ على قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عز وجل مَكْتُوبٌ بين عَيْنَيْهِ آيِسٌ من رَحْمَةِ اللَّهِ)[2] رواه ابن ماجة والبيهقي.

إن تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان المجرم الإرهابي لهو عار على العرب والمسلمين مدى الأجيال القادمة بل مدى الحياة لا يغسله حتى ماء زمزم.

إن الحروب التي تُدَمِّر المنطقة هي في صالح الكيان الصهيوني، وهو المستفيد الأساس منها، لقد قامت الإدارة الأمريكية ومن يساعدها بتدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن خدمة لإسرائيل وحتى تكون في مأمن واستقرار، وقد تحقق ما أرادته إلى حد كبير.

الخطبة الثانية

الدم العربي أرخص من الماء!!

قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ سورة النساء:93.

كلام عربيٌ مبينٌ ونص صريح في حرمة قتلِ المؤمن، في جريمة قتلِ المسلم الذي يعلن الشهادتين وينتسب لكلمة التوحيد.

أما جزاء القاتل وعقابه فكما نصت الآية على أمور أربعة:

1- العقاب الأخروي: جهنّم خالداً فيها، وهو عقاب دائم.

2- غضب الله عليه: وهو نوع من أنواع عذاب الله، وهو عقاب دنيوي وأخروي.

3- لعنة الله عليه: وهو إبعاده عن رحمة الله ولطفه، وهذا عذاب أيضاً في الدنيا والآخرة.

4- عذاب الله العظيم: وهذا عذاب لا يعلم مقداره وشدته ومدته وعظمه إلا الله.

وإنما جمع المولى سبحانه على القاتل هذه العذابات الأربعة لهول جريمة القتل وخطرها على الإنسانية والتجرؤ على الله وحرماته وحدوده فالإنسان هو خليفة الله في أرضه.

وبطبيعة الحال يُستثنى من ذلك، القتل بالحق كالقصاص والفساد في الأرض والدفاع عن النفس كما في الآية السابقة وكما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ سورة الإسراء:33، أي أن ولي المقتول يقتل قاتله فقط ولا يتعدى إلى غيره.

وفي آية أخرى مدح المولى سبحانه عباد الرحمن بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)﴾ سورة الفرقان.

السنة النبوية

فقد تواترت الأحاديث عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في حرمة سفك دم المسلم والمعاهَد وشددت في هذا الجانب وأعطت مختلف الأسباب للتفصي والابتعاد عن سفك الدماء.

وهنا لا بد من طرح ثقافة حقن دم الإنسان وبالأخص دم المسلم الذي شدد على حرمته والمحافظة عليه الإسلام في الكتاب والسنة، على خلاف الواقع المعاش حيث أصبح دم المسلم مستباحاً ومهدوراً وأرخص من الماء الذي تشربه الحيوانات. وفي ما يلي نعرض نماذج من تلك الروايات:

أولاً: الرسول الأعظم يحذر أمته من قتل المسلمين

1- فعن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:

(لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ).[3] رواه البخاري.

2- وعن بن عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) خَطَبَ الناس يوم النَّحْرِ فقال:

(يا أَيُّهَا الناس أَيُّ يَوْمٍ هذا؟).

قالوا: يَوْمٌ حَرَامٌ.

قال: (فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟).

قالوا: بَلَدٌ حَرَامٌ.

قال: (فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟).

قالوا: شَهْرٌ حَرَامٌ.

قال: (فإن دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا)، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ.

فقال: (اللهم هل بَلَّغْتُ؟ اللهم هل بَلَّغْتُ؟).

قال بن عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما): فَوَ الَّذِي نَفْسِي بيده إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إلى أُمَّتِهِ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) [4] رواه البخاري.

3- وفي رواية قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (لا تَرْتَدُّوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ).[5] رواه البخاري.

4- عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (أَوَّلُ ما يُقْضَى بين الناس يوم الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ)[6] رواه مسلم.

5- وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا أيضا: «اجتنبوا السّبع الموبقات، فذكر منها قتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ» [7] والموبقات: هي المهلكات.

6- وروى البخاري والحاكم عن بن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (لا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ من دِينِهِ ما لم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)[8].

7- وعن عبد الله بن عمرو عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) [9] رواه النسائي والترمذي.

8- وروى أصحاب الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قال: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ على اللَّهِ من قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ)[10] رواه ابن ماجة بإسناد حسن والبيهقي وغيرهما مرفوعا.

وزاد البيهقي: «ولو أنّ أهل سمواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم اللّه بقتله النّار» [11].

9- وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعا: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِئَةِ عَامٍ) [12]. والأحاديث في ذلك كثيرة.

القصة الأولى: القاتل للمسلم بمنزلة الكافر الحربي

روى البخاري ومسلم في صحيحهما:

إنَّ الْمِقْدَادَ بن عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ كان حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وكان مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مع رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم).. ثم أَنَّهُ قال لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): أَرَأَيْتَ إن لَقِيتُ رَجُلاً من الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فقال: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أقتله يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟.

فقال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (لا تَقْتُلْهُ).

فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ إنه قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلك بَعْدَ ما قَطَعَهَا.

فقال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فإنه بِمَنْزِلَتِكَ قبل أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قبل أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي قال).[13]

يعني أن المقتول سوف يصبح من عدول المؤمنين، لأن المقداد كان كذلك.

وأن القاتل إذا قتله بعد نطقه بالشهادتين سوف يصبح بمنزلة الكافر الحربي، لأن المقتول كان كذلك قبل أن يقول كلمته التي قالها.

القصة الثانية: النبي يُعَنِّفُ أسامة بن زيد لقتله رجلا قال: لا إله إلا الله

روى جُنْدَبُ بنُ عبد اللَّهِ الْبَجَلِيَّ قال:

إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) بَعَثَ بَعْثًا من الْمُسْلِمِينَ إلى قَوْمٍ من الْمُشْرِكِينَ وأنهم الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ من الْمُشْرِكِينَ إذا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إلى رَجُلٍ من الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ له فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً من الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قال: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بن زَيْدٍ، فلما رَفَعَ عليه السَّيْفَ، قال: لا إِلَهَ إلا الله، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حتى أخبره خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ؟ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ.

فقال: (لِمَ قَتَلْتَهُ؟).

قال: يا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ في الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا، وَسَمَّى له نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلْتُ عليه، فلما رَأَى السَّيْفَ قال: لا إِلَهَ إلا الله.

قال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (أَقَتَلْتَهُ؟).

قال: نعم.

قال: (فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إلا الله إذا جَاءَتْ يوم الْقِيَامَةِ؟).

قال: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لي.

قال: (وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إلا الله إذا جَاءَتْ يوم الْقِيَامَةِ؟).

قال: فَجَعَلَ لا يَزِيدُهُ على أَنْ يَقُولَ: (كَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إلا الله إذا جَاءَتْ يوم الْقِيَامَةِ؟).[14]

رواه مسلم والبخاري بألفاظ مختلفة.

وإذا كان هذا حال من يقول كلمة التوحيد خوفاً من السيف ويجب حقن دمه، فكيف بمن انعقدت نطفته عليها ثم رضعها من ثدي أمه واشتد عليها عظمه ونبت بها لحمه وامتلأ من نورها قلبه؟.

وفي رواية أخرى:

قال أبو ظَبْيَانَ: قال سمعت أُسَامَةَ بن زَيْدِ بن حَارِثَةَ (رضي الله عنهما) يحدث.

قال: بَعَثَنَا رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) إلى الْحُرَقَةِ من جُهَيْنَةَ، قال: فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قال: وَلَحِقْتُ أنا وَرَجُلٌ من الأَنْصَارِ رَجُلاً منهم، قال: فلما غَشِينَاهُ قال: لا إِلَهَ إلا الله، قال: فَكَفَّ عنه الأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حتى قَتَلْتُهُ.

قال: فلما قَدِمْنَا بَلَغَ ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: فقال لي: (يا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال لا إِلَهَ إلا الله؟).

قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ إنما كان مُتَعَوِّذًا.

قال: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال لا إِلَهَ إلا الله؟).

قال: فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لم أَكُنْ أَسْلَمْتُ قبل ذلك الْيَوْمِ.[15]

رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم .

وفي رواية ثالثة قال له النبي أفلا شققت عن قلبه؟:

وفي رواية عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ … قال: بَعَثَنَا رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) في سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ من جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فقال: لا إِلَهَ إلا الله، فَطَعَنْتُهُ.

فَوَقَعَ في نَفْسِي من ذلك فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فقال رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (أَقَالَ لا إِلَهَ إلا الله وَقَتَلْتَهُ؟).

قال: قلت يا رَسُولَ اللَّهِ إنما قَالَهَا خَوْفًا من السِّلاحِ.

قال: (أَفَلا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ حتى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟).

فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.[16] رواه مسلم.

أي تمنى أنه أسلم بعد هذه الواقعة ليكون داخلا في حكم قوله (صلى الله عليه وسلم): (الإسلام يجبُّ ما قبله)[17].

وأن جميع أعماله من صحبة وإيمان وغيرها كلها حبطت بهذه السيئة.

أوقفوا الحرب

إن المشهد المروع الذي يدمي قلوب المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات والمواطنين والمواطنات ويموت الإنسان من أجله هماً وغماً، ما يحل بالإسلام والمسلمين وببلاد العرب في هذه الأيام من تدمير وتمزيق وإبادة ممنهجة للبلدان العربية من القتل والذبح وقطع الرؤوس من الوريد إلى الوريد وتمزيق الأشلاء بمئات السيارات المفخخة وآلاف الأحزمة الناسفة وعشرات الآلاف من الصواريخ المدمرة التي تقضي وتمزق الأطفال والنساء والشيوخ والشباب أشلاء مترامية.

إن المشهد في اليمن هو حلقة متصلة لما حل بالعراق وسوريا وليبيا.

إننا نضع الآيات والروايات المتقدمة برسم الدولة وأمام أعينها -والتي تعلن أن القرآن الكريم هو دستورها والسنة النبوية منهجها- ونقول لها وللمسؤولين: هل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومنها الأحاديث المتقدمة، هل يجوزان تدمير بلد عربي، إسلامي، جار؟ هل يجوزان قتل الأطفال والنساء والشيوخ وهدم البيوت عليهم؟ هل يجوزان أن نتحالف مع أمريكا وغيرها لتدمير اليمن واليمنيين؟.

إن تلك المناظر المروعة تفتت القلوب وتدمي العيون وتؤجج المشاعر، وقد بلغت حداً لا يمكن أن يطاق ويشاهَد حتى ولو كان من الأعداء فضلا عن غيرهم، لقد بلغ عدد الشهداء أكثر من 6600 شهيد وكثير منهم من الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا ناقة لهم ولا جمل، فضلا عن تدمير البنى التحتية والمدارس والمستشفيات والآثار وغيرها.

لصالح من هذا التدمير؟

لصالح اليمن واليمنيين فننقل لهم الحرية والدمقراطية والانتخابات النزيهة والشرعية في من يرأسهم ويحقق طموحاتهم ويحكمهم؟ وهل هذا من حقنا ومن مسؤوليتنا؟ فاقد الشيء لا يعطيه!!.

أو أن تدمير اليمن واليمنيين من صالحنا نحن؟

فهل إذا دُمرّت اليمن أو على الأقل ضعفت يكون في صالحنا؟ ألم يتمدد الإرهاب الداعشي والقاعدي في العراق وسوريا وليبيا لما تفككت هذه البلدان وضعفت؟ وها هي البلدان المجاورة لها بل والعالم يعاني من ذلك الإرهاب؟

ألم تتمدد القاعدة والدواعش الآن في اليمن وقد استولت على عدد من المحافظات منه وبالأخص في الجنوب وها هي الاغتيالات والتفجيرات قائمة على قدم وساق فيه؟ إذا تمكن الإرهاب من اليمن ألا يهدد المملكة ويضعفها وقد دفعنا ثمن ذلك الإرهاب خلال السنوات القليلة الماضية؟

إننا وبكل محبة وإخلاص للوطن وللمواطنين ولليمن واليمنيين بل ولجميع العرب والمسلمين وللعالم كله نقول: (أوقفوا الحرب على اليمن واليمنيين) وقوتهم قوة وسند لنا وضعفهم ضعف لنا.

وإننا نتوقع أن هذا مطلب أكثرية الشعب من المواطنين، فهم الآن يدفعون الثمن من قتل الشباب في جبهات القتال وتدمير الاقتصاد والمعاناة على مختلف المستويات الدينية والاقتصادية والشحن الطائفي والعداوة والبغضاء، وإن كان عندكم ريب من ذلك فاسمحوا لهم بالمسيرات للتعبير عن آرائهم.

وفي هذا اليوم أو بعد أيام قليلة وبعد مرور قرابة خمس سنوات تجتمع المعارضة السورية للقبول بالحل السياسي بعد أن رفضته طيلة هذه المدة وقتل من السوريين مئات الآلاف.

فهل ننتظر لليمن واليمنيين خمس سنوات أخرى ومن بعدها تجلس أمريكا وغيرها لأن تضع حلا سياسيا لها بعد أن يقتل منهم مئات الآلاف؟

———————————————————————————————-
[1] نعمة الله بن محمود النخجوانى، الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية؛ ج‏1 ؛ ص191طبع ، دار الركابى للنشر – مصر، الطبعة الأولى سنة ، 1999 م.
[2] سنن ابن ماجة ج 2 ص 874، 1 كِتَاب الدِّيَاتِ بَاب التَّغْلِيظِ في قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا ح 2620 ؛ سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 22 ح 15643 و15646.
[3] صحيح البخاري ج 6 ص 2518 ح 6474، 91 كِتَاب الدِّيَاتِ وقول اللَّهِ تَعَالَى :وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ9.
[4] صحيح البخاري ج 2 ص 619 ح 1652.
[5] صحيح البخاري ج 6 ص 2593 باب 8 بَاب قَوْلِ النبي (صلى الله عليه وسلم) لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ح 6668.
[6] صحيح مسلم يوم القيامة ج 3 ص 1304 ح 1678 باب 8 بَاب الْمُجَازَاةِ بِالدِّمَاءِ في الْآخِرَةِ وَأَنَّهَا أَوَّلُ ما يقضي فيه بين الناس يوم الْقِيَامَةِ. سنن ابن ماجة ج 2 ص 873، 1 كِتَاب الدِّيَاتِ بَاب التَّغْلِيظِ في قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا ح 2615و2617.
[7] صحيح البخاري ج 3 ص 1017 ح 2615 و ج 6 ص 2515 ح 6466 ؛ صحيح مسلم ج 1 ص 92 ح 89 ؛ صحيح بن حبان ج 12 ص 371 ح 5561؛ سنن النسائي الكبرى ج 4 ص 114 ح 6498 و ج 6 ص 418 ح 11361 ، سنن أبي داود ج 3 ص 115 ح 2874؛ لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية ؛ ص631.
[8] صحيح البخاري ج 6 ص 1517ح 6469 ؛ سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 21ح 15365و 15366؛ لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية، ص: 632
[9] سنن النسائي الكبرى ج 2 ص 284ح 3449؛ سنن الترمذي ج 4 ص 16 ح 1395
[10] سنن ابن ماجة ج 2 ص 874، 1 كِتَاب الدِّيَاتِ بَاب التَّغْلِيظِ في قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا ح 2619 .
[11] السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 22 ح 15642 .
[12] صحيح ابن حبان ج 16 ص 391 ح 7382 و ج 11 ص 240 ح 4881 ؛ المستدرك للحاكم ج 1 ص 105 ح 1033 و 1034و 1035؛ عبد الوهاب الشعرانى، لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية، 1جلد، دار الكتب العلمية – بيروت، چاپ: دوم، 1426 ق.
[13] صحيح البخاري ج 4 ص 1474 ح 3794 وفي طبع آخر صحيح البخاري ج 1 ص 95 كتاب 67 المغازي باب 9 حديث 3794 وكتاب 91 الديات باب 1 حديث 6472. صحيح مسلم كتاب الإيمان باب 40 حديث 95، سنن أبي داود كتاب 9 الجهاد باب 104 حديث 2644، مسند أحمد ج6/ 6 ط 1 ، كنز العمال ج 1/ حديث 429 ، المعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 247 حديث 583 – 595 .
[14] صحيح مسلم ج 1 ص 97 ح 97 كتاب الإيمان باب 41. السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 195 ح 16601 .
[15] صحيح البخاري ج 6 ص 2516 ح 6478 كتاب الديات 91 الديات باب 1. و ج 4 ص 1555 ح 4021 كتاب المغازي باب 43 بَاب بَعْثِ النبي (صلى الله عليه وسلم) أُسَامَةَ بن زَيْدٍ إلى الْحُرُقَاتِ من جُهَيْنَةَ. صحيح مسلم كتاب 1 الإيمان باب 41 حديث 96، مسند أحمد ج 5 ص 200 ، كنز العمال ج1/حديث 1460 و 1461 و 1462، أسد الغابة ج 1 ص 65، سنن البيهقي ج 8 ص 192. وقريب منه في: سنن أبي داود كتاب 9 الجهاد باب 104 حديث 4643.
[16] صحيح مسلم ج 1 ص 96 باب 41 بَاب تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قال لَا إِلَهَ إِلَا الله ح 96.
[17] مسند أحمد ج4/ 204 و205 ، كنز العمال ج1 / حديث 297 و243 وج13/حديث 37024

تعليق