2017.12.17

عاشوراء الحسين عليه السلام ثمار واستثمار / الشيخ عبدالجليل البن سعد

- Sayyed-alakwan | 2015.12.09

إن عاشوراء عند شيعة أهل البيت عليهم السلام هو أحد مواسم القطاف العام على الصعيد الانساني في مجالاته الأخلاقية، التربوية، الروحية..

وهنا مجموعة ثمار وعناصر نعيدها إلى الذاكرة من جديد، وسنتبين أن كربلاء السيرة وليست كربلاء الأرض هي رحلة قلبية إلى الأعماق:-

– العمق التاريخي للنفس.

– العمق العرفاني الروحية.

– العمق الاجتماعي.

العمق التاريخي للنفس:

إننا مجبورون على الرحلة مع سيرة الطف في الأعماق التاريخية للنفس، وإنه الحسين عليه السلام الذي سافر بنا في الأيام التي انتهت في لجة الأعماق التاريخية للنفس.

إن مما تهمس به عاشوراء..

” أنت لست بحاذق إذا اهتممت بالتعرف على نفسك فيك، ولكن انت الحاذق إذا استطعت أن تتعرف على ماضي نفسك وتاريخها في غيرك ” !!

وعندما تسأل عن ماضي نفسك كإنسان فهو تلك النفوس التي عاشت التوحش والميل إلى الجور والظلم وعاشت المساومة على الدين والمساومة على الضمير، فتلك كانت نفوسا كما نحن نفوس، وهنالك خسر الأكثرون، أي أن ماضي نفسك القائم بغيرك شاهد على أنها ضعيفة، وعلى أن النفس لا تقاوم، وعلى ان النفس يمكن أن تغلب وتهزم حتى من دون الطرق والأساليب الاحترافية لشياطين الجن والإنس!!

لذا نحن حينما نرتد إلى الأعماق التاريخية قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام ونقوم بالنظر إلى تلك النفوس التي هاجمت الحسين عليه السلام، فإنما ننظر إلى العمق التاريخي للنفس، وكيف أن النفس التي عاشت المدى الطويل وهي تتبجح بتشيعها و تتفاخر بتشيعها كانت مستعدة لأن تسلم إمامها ومحور تشيعها ووجودها وبلا مقابل؟!

فمعرفة نفوسنا في نفوس غيرنا وعبر التصفح التاريخي للنفوس هي ثمرة من أجنى الثمار لملحمة عاشوراء.

الأعماق العرفانية للنفس:

في عاشوراء جعلنا الحسين عليه السلام نقف على تلك الأعماق العرفانية، و كيف أن العرفان يسطر العجائب ويظهر ما هو اشبه بالخيال مما لا يكاد يصنف على الحقائق عند عامة الناس !

أخرج إلينا العرفان الذي يجعل الانسان يتجرد من ماديته ومن جسده وهو لا يزال في الدنيا فيرخص الجسد وكل شيء في سبيل الحق لأنه يرى أن ذلك الحق هو الجوهر..

في عاشوراء تضاف لك هذه المعلومة الجديدة وهي إمكانية التحول السريع والتغيير الجذري من دون مقدمات ولا عقبات.. فنحن نعرف بأن من قتل مع الحسين ليس كلهم فقهاء أي فليكن أمثال حبيب بن مظهر الأسدي أو ابن عوسجة فقيها، ولكن هناك الكثير منهم من دخل التشيع للتو، أو اسلم للتو، أو كان طفلا لم يتح له العمر ان يتقلب بين يدي الفقهاء و يتعلم بعد، ولكن قلبه كان صادقا فاستطاع أن يكون بطلا من أبطال التاريخ وأن يصعد القمة التاريخية والعرفانية التي لا يجرؤ عارف من العرفاء ان يقارن بين نفسه وبين واحد من هؤلاء الذين كانوا حول الإمام الحسين عليه السلام، فاستوجب كل منهم السلام الخاص كما في زيارة الناحية بل والتفدية بالنفس والوالدين على لسان كل محب وموالي !

الأعماق الاجتماعية:

فالحسين ألهم هذه النفس كيف تقيم الروابط الاجتماعية، ففي سيرة الحسين ومن حوله نجد العجيب من معاني الصحبة، فهل تستطيع أن تجد معنى للصحبة أروع من صحابة الحسين مع الحسين؟

كلا..

إذا أردت أن تفهم طور الصحبة وهي طور اجتماعي فإنه يمكنك أن تفهمه من خلال الحسين وأصحابه.

وإذا أردت أن تعرف ماذا تعني الأخوة أو العمومة وبنو العمومة فهنالك الحسين وأخوته وبنو عمومته، إذ ستجد الملاحم الأخلاقية والاجتماعية العجيبة جدا، والتي لا تكاد تصدق على أرض الواقع، فكلهم رضي أن يكون عبدا للحسين وأن يقتل بين يدي الحسين عليه السلام.

ماذا انتهى وماذا لم ينتهي من عاشوراء:

إن عاشوراء وكربلاء السيرة انتهت كدورة وكفعالية ــــ ونحن في اليوم الرابع عشر من شهر محرم ــــ ولكن لا ينتهي كل شيء أيها الأحبة بل نحن وبعد عاشوراء نستقبل مشروعا جديدا وهو الاستثمار لعاشوراء والتثمير لعاشوراء.

وقد جرت العادة أن نتساءل مع أنفسنا بعد قضاء واجب الشعائر العاشورائية:

ماذا كسبنا من إحياء عاشوراء؟؟

وفي الحقيقة أرى أنه قبل أن يقول أحدنا أو يتساءل بعد مضي موسم الحزن الإلهي ما هي مكاسبنا من عاشوراء؟ فليقل ماذا طلبنا في عاشوراء؟؟

وإذا كان على أبواب عاشوراء فلا يقل ماذا سنكسب من عاشوراء؟ ولكن ليقل ماذا سنطلب ؟، أي انك لن تكسب إلا الذي طلبت أو بعضه! وأما الشيء الذي لم تطلبه فلن تكسبه و هذه هي سنة حاكمة على مسيرة الانسان، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}.

مثال ومقارنة:

إننا نرى اليوم الحسينيين من الشباب الذين يرون رسالتهم في النعي واللطم نراهم يقومون بعملية استثمار جادة ومتعبة بعد عشرة محرم، لذا هم وبعد عاشوراء يستقبلون موسما جديدا وهو موسم الانتاج والمونتاج فتراهم يستمرون طويلا بعد عاشوراء في تصدير المقاطع واليوتيوبات دليل على أنهم عرفوا بأن وقت قطف الثمار هو غير وقت الاستثمار..

فهل عملية التثمير للمطالب والأطروحات الفكرية والروحية بلغت المستوى ذاته أم لا ؟

هل بدأنا فعلا بعد عاشوراء نوصل للعالم أن الحسين نعي ولطم فقط ــــ الشيء الذي لا نشك في أساسيته ولذا نشارك فيه بأنفسنا ونرجو من الله المثوبة عليه ــــ أم أننا استطعنا أن نوصل للعالم أن الحسين عليه السلام غني بالمقاطع والمونتاج والانتاج غزير من المطالب الفكرية والروحية؟

إن قلنا نعم فمعنى ذلك أن طلاب الفكر والروح الحسينية كثير وهذا ما يحمد الله عليه وإن قلنا لا فهذا يعني أن طلاب ذلك قليل وأنا لا أظن ذلك..

ولكن لو كان خلاف ما نرجو لا سمح الله فحينها علينا أن لا نلوم غيرنا ممن يعرض في قنواته ــ غير الشيعية طبعا ــ المقاطع الخشنة من اللطم والممارسات ويركز عليها ولا يركز على الخطباء المفكرين و المفوهين وكل عطاء في هذا الجانب فنحن من سنقوم بحماية شعائرنا إعلاميا عندما نحرص على عرض ما يجري في الشارع الحسيني من مثل وقيم دون أن ننتظر ذلك من أحد..

فهناك في الشارع الحسيني توجد حركة اجتماعية رهيبة جدا وأعظم صورة شهدناها هذه الأيام تلك الصدور (العباسية العابسية) التي وقفت لتتحدى الرصاص والشظايا الغادرة تحت عنوان حماة الحسين وحماة حرمات الحسين عليه السلام فهؤلاء الشباب هم أولاد عباس وعابس.. ومثل هذا لا يجب أن ننتظر من يعرضه ولكن على الأحبة الشباب المهتمين أن يعرضوا هذه الأمور ويعملوا لها منتاجا ليرى العالم بأن عاشوراء بالنسبة لنا استثمار وثمار..

مطالب روحية ناضجة:

وثمار روحية الناضجة مع موسم عاشوراء

المطلب الروحي الأول:

هو إجابة رسول الله صلى الله عليه واله حينما كان يدعو إلى محبة أهل بيته، وإلى محبة الحسن والحسين خاصة، وإلى محبة الحسين بشكل أخص، الأمر الموثق في كتب عامة المسلمين؛ فمن المعلوم أن هذا أمر لم يتميز بنقله الشيعة فقط، بل نقل السنة منه الكثير : “اللهم حب من أحب حسينا “. إذن نحن نجيب رسول الله في محبة سبطه وتخليده، وليس في هذا اعتراف بالحسين فقط بل اعتراف برسول الله ص وانقياد إليه، بل ليس بالحسين ورسول الله فقط إنما اعتراف بأمر الله عز وجل؛ لأن كل دعوى يدعو إليها الرسول فهي من الله سبحانه: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

المطلب الروحي الثاني:

إننا دعينا في هذا الموسم لأن نتفحص باطننا الذاتي..

ولكن كيف افحص أنا باطني؟

عندما يراجع الانسان ويتأمل ما جرى على الحسين ويرى رأي القلب الحسين وأعداءه ـ أعداء الإنسانية ـ فنفسه ستكون بين أمرين إما أن تتفاعل بالغضب والوجد على أعدائه، و الاستبشاع و الاستفضاع لكل ما جرى معه، ثم الحسرة و العبرة على الحسين عليه السلام، وإما أن يمر ذلك عليه بمشاعر باردة لا يجد معها أي هزة في الأعماق !

الأول هو المطلوب و هو المعنى الدقيق للتباين والانفصال الروحي مع الضلال و المنحرفين و الخروج عن خطهم..

المطلب الروحي الثالث:

عندما نقول إن الحسين عليه السلام وأصحابه الكرام هم خلاصة الإسلام وأنه قد برز يوم عاشوراء الدين كله فلا نبالغ..

برز التوحيد من حيث اليقين الصادق والثقة بالله عز وجل في النفس والأهل والمال فأؤلئك قوم لم يترددوا فيمن سيخلف أموالهم ولا خافوا على عيالهم ونسائهم كل ذلك لعظيم الثقة بالله عز وجل .

في يوم عاشوراء تتجلى معرفة الامام حق معرفته حيث نرى دروس المواساة العظيمة فقد واسوا الحسين في كل شيء.

وفي عاشوراء تبرز الروح الإنسانية والأخلاقية للدين و نأخذ عن الحسين عليه السلام أهمية النصيحة في الدين..

فهل سمعت بناصح ينصح تحت السيف غير الحسين وأصحاب الحسين عليه السلام ؟؟

بلى لا زال لسانه العطش يند بالنصيحة لأعدائه!!

وفي عاشوراء تظهر آيات الصبر والتحمل و قهر الجزع أمام كل العذابات المختلفة فالحسين لم يُصرع ولكنه هو الذي صرع العطش، والخوف، و الذلة…

تعليق