2018.10.16

غدير خم، دراسة تاريخية، و تحقيق ميداني/ العلامة الشيخ عبدالهادي الفضلي

- Sayyed-alakwan | 2015.10.03

آية الله عبدالهادي الفضلي

‌‌‌مـَعلم‌ من معالم التاريخ الاسلامي

في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من‌ هذه‌ السـنة‌ الجـارية، وهـي العاشرة والاربعمئة بعد الالف للهجرة الشريفة، تطل علينا ذكرى يوم الغدير الاغر، وقد مر‌ عليها اربعة عـشر قرنا.

ولهذه المناسبة الكريمة، ولاهمية يوم الغدير، تاريخيا وعقديا، رايت‌ ان اكتب عن موقع‌ «غـدير‌ خم» بوصفه معلما مـن مـعالم الحج والزيارة التي كنت قد كتبت عن غير واحد منها، فقد ورد – كما ساشير استحباب الصلاة في مسجد رسول الله(ص)، الواقع في غدير خم، والذي‌ شيد علي الموضع الذي وقف فيه رسول اللهـ(ص)، وخطب بالناس خطبته المعروفة بـ «خطبة يوم الغدير»، ونص فيها علي ولاية امير المؤمنين علي(ع)

اضافة لما تقدم، فان موضع «غدير خم» من‌ المواضع‌ الاسلامية التي شهدت غير موقف من مواقف النبي(ص)، التـي يـمكننا تلخيصها بما ياتي:

1. وقوعه في طريق الهجرة النبوية.

2. وقوعه في طريق عودة النبي(ص) من حجة الوداع.

3. وقوع‌ بيعة‌ الغدير فيه.

وكل موقف من هذه المواقف الثلاثة يمثل بعدا مهما في مسيرة التاريخ الاسلامي، فالهجرة كـانت البـدء لانتشار الدعوة الاسلامية وانطلاقها خارج ربوع مكة، ومن ثم الى العالم كله.‌ وحجة‌ الوداع والعودة منها الى المدينة المنورة كانت ختم الرسالة؛ حيث كمل الدين فتمت النعمة. وبيعة الغدير هي التمهيد لعـهد الامـامة والامام؛ حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول.

ومن هنا اكتسب‌ موضع «غدير‌ خم» اهميته الجغرافية في التراث‌ الاسلامي‌ ومنزلته‌ التكريمية بوصفه معلما خطيرا من معالم التاريخ الاسلامي.

واشتهر الموقع بحادثة الولاية للإمام امـير المـؤمنين(ع) اكثر من شهرته موقعا او مـنزلا‌ مـن‌ مـعالم‌ طريق الهجرة النبوية، اومن طريق العودة من حجة‌ الوداع.

وقد ذكر حادثة الولاية، او بيعة الغدير، الكثير من المؤرخين، وممن افردها بتأليف خـاص ومـوسوعي المـرحوم الشيخ الاميني في‌ كتابه‌ الموسوم‌ بـ «الغدير في الكـتاب والسـنة والادب»، ومما استعرضه فيه رواة‌ الحادثة والمؤرخين لها، وقد بلغت رواية الحادثة، في عرضه، مستوي التواتر.

وقد اشار الى الحادثة وتواتر روايتها غـير واحـد‌ مـن‌ علماء‌ الحديث الثقات الاثبات. ومنهم الشيخ الامام شمس الدين ابـوالخير، محمد بن‌ محمد‌ الجزري، الدمشقي، الشافعي، المقري (المتوفي سنة 813هـ) في كتابه «اسني المطالب في مناقب سيدنا عـلي بـن‌ ابـي‌ طالب»،‌ فقد جاء فيه ما نصه «اخبرنا ابو حفص عمر بن الحـسن المـراغي،‌ في‌ ما‌ شافهني به عن ابي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني، انا ابو اليمن زيد بن الحـسن‌ الكـندي،‌ انـا‌ ابو منصور القزاز، انا الامام ابو بكر بن ثابت الحافظ، انا مـحمد بن عـمر بـن‌ بكير،‌ انا ابو عمر يحيي بن عمر الاخباري، ثنا ابو جعفر احمد بن مـحمد‌ الضـبعي،‌ ثـنا‌ الاشبح، حدثنا العلاء بن سالم، عن يزيد بن ابي زياد، عن عبد الرحمن بـن‌ ابـي‌ ليلي، قال: سمعت عليا (رضي الله عنه) بالرحبة ينشد الناس: من سمع النبي(ص)‌ يـقول:‌ «مـن‌ كـنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، فقام اثنا عشر بدريا‌ فـشهدوا‌ انـهم سمعوا رسول الله(ص) يقول ذلك هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح‌ من‌ وجوه‌ كـثيرة، تـواتر عـن امير المؤمنين علي، وهو متواتر ايضا عن النبي(ص)، رواه الجم الغفير.

ولا‌ عبرة‌ بمن‌ حاول تضعيفه ممن لا اطـلاع له فـي هذا العلم، فقد ورد مرفوعا‌ عن‌ ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وطـلحة بـن عـبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن ابي وقاص‌ وعبد‌ الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المـطلب وزيـد بن ارقـم والبراء بن عازب‌ وبريدة‌ بن الخصيب وابي هريرة وابي سعيد الخدري‌ وجـابر‌ بـن‌ عبدالله وعبدالله بن عباس وحبشي بن جنادة‌ وعبدالله‌ بن مسعود وعمران بن حصين وعبدالله بن عـمر وعـماربن ياسر وابي ذر الغفاري‌ وسلمان‌ الفارسي واسعد بن زرارة وخزيمة‌ بن‌ ثابت وابي‌ ايـوب‌ الانـصاري‌ وسهل بن حنيف وحذيفة بن اليمان‌ وسـمرة‌ بـن جـندب وزيدبن ثابت وانس بن مالك، وغيرهم مـن الصـحابة (رضوان الله‌ عليهم وصح عن جماعة منهم ممن يحصل‌ القطع بخبرهم.

وثبت ايضا‌ ان‌ هـذا القـول كان منه(ص) يوم‌ غدير‌ خـم، وذلك فـي خطبة خـطبها النـبي(ص) فـي حقه ذلك اليوم، وهو اليوم الثامن‌ عـشر‌ مـن ذي الحجة سنة احدي‌ عشرة‌ لما‌ رجع(ص) من حجة‌ الوداع.

وبعد هذه المقدمة سـيكون‌ الحـديث‌ عن هذا الموضع الشريف في حـدود المسائل الاتية: اسم المـوقع. سـبب التسمية. تحديد الموقع جغرافيا.‌ وصف‌ المـوقع تـاريخيا. وصف مشهد النص بالولاية.‌ الاعمال‌ المندوب اليها‌ شرعا‌ في‌ هذا الموقع. وصف الموقع الراهـن.‌ الطـرق المؤدية اليه.

اسم الموقع

1. اشـتهر المـوضع بـاسم «غدير خم»، فـفي حـديث‌ «السيرة‌ لابن كثير»: «قـال المـطلب بن زياد‌ عن‌ عبدالله‌ بن‌ محمد‌ بن عقيل: سمع جابر‌ بن‌ عبدالله يقول: كنا بـالجحفة بـغدير خم، فخرج علينا رسول الله(ص) مـن خـباء او فسطاط الخ»

وفـي‌ حـديث‌ زيـد‌ بن ارقم قال: «خـطب رسول الله(ص) بغدير‌ خم‌ تحت‌ شجرات»

وكذلك في‌ حديثه‌ الاخر قال: «لما رجع رسول الله(ص) من حـجة الوداع ونـزل غدير خم، امر بدوحات فقممن الخ» وفـي شـعر نصيب:

وقـالت بـالغدير، غـدير خم:

اخي الى متى هـذا‌ الركوب

الم تـر انني ما دمت فينا

انام ولا انام اذا تغيب!؟

وفي قول الكميت الاسدي:

ويوم الدوح دوح غدير خم

ابان له الولاية لو اطيعا

وضبط لفظ «خم»، فـي‌ «لسـان‌ العـرب» بفتح الخاء، ونقل عن ابن دريد انـه قـال: «انـما هـو خـم، بـضم الخاء»

2. كما انه يسمي بـ «وادي خم»، اخذا من واقع الموضع، قال الحازمي: «خم: واد بين‌ مكة‌ والمدينة عند الجحفة، به غدير، عنده خطب رسول الله(ص)، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة»

وقـد ورد هذا الاسم في حديث «السيرة لابن كثير»‌ ونصه:‌ «قال الامام احمد: حدثنا عفان،‌ حدثنا‌ ابو عوانة، عن المغيرة، عن ابي عبيد، عن ميمون ابي عبدالله قال: قال زيدبن ارقم – وانا اسـمع: نـزلنا مع رسول الله منزلا يقال له:‌ وادي‌ خم الخ»

وفي نص‌ «المراجعات»:‌ «واخرج الامام احمد من حديث زيدبن ارقم: قال: نزلنا مع رسول الله(ص) بواد يقال له: وادي خم، فامر بالصلاة، فـصلاها بـهجير الخ»

3. وقد يطلق عليه «خم» اختصارا، كما في‌ كتاب‌ »صفة جزيرة العرب»، فقد قال مؤلفه الهمداني، وهو يعدد بلدان «تهامة اليمن»: «ومكة: احوازها لقـريش وخـزاعة، ومنها: مر الظهران، والتنعيم، والجـعرانة، وسـرف، وفخ، والعصم، وعسفان، وقديد، وهو لخزاعة، والجحفة، وخم، الى ما‌ يتصل بذلك‌ من بلد جهينة ومحال بني حرب»

وكما في شعر معن بن اوس المزني:

عفا وخلا مـمن عـهدت‌ به خم

وشاقك بالمسحاء مـن سـرف رسم

وفي قول المجالد بن ذي‌ مران‌ الهمداني‌ من قصيدة قالها لمعاوية بن ابي سفيان، وقد راي تمويهه وتمويه عمرو بن العاص علي الناس في ‌‌دم‌ عثمان (رضي الله عنه):

وله حرمة الولاء على الناس بخم، وكان ذا‌ القـول‌ جهرا

4. واطـلق عليه، في بعض الحديث، اسم الجحفة من باب تسمية الجزء باسم الكل، لان‌ خما جزء من وادي الجحفة الكبير، كما سياتي.

وقد جاء هذا في حديث‌ عائشة بنت سعد الذي‌ اخرجه‌ النـسائي فـي «الخصائص» ونـصه: «عن عائشة بنت سعد: قالت: سمعت ابي يقول: سمعت رسول الله(ص) يوم الجحفة.. الخ»

ورواه ابن كثير عن ابن جـرير بسنده بالنص التالي: «عن عائشة بنت سعد، سمعت‌ اباها يقول: سـمعت رسـول الله(ص)يقول: يوم الجحفة، واخذ بيد علي.. الخ»

5. ويقال له «الخرار»، قال السكوني: «موضع الغدير غدير خم يقال له الخرار»

ويلتقي هذا مـع ‌ ‌تـعريف البكري للخرار حيث‌ قال:‌ «قال الزبير: هو وادي الحجاز يصب علي الجحفة»

6. ويختصر ناسنا اليـوم الاسـم فـيطلقون عليه «الغدير».

7. الغربة، بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحدة، هكذا ضبطه البلادي، وهو‌ الاسم‌ الراهـن الذي يسميه به ابناء المنطقة في ايامنا هذه، قال البلادي: «يعرف غدير خم اليـوم باسم «الغربة»، وهو غـدير عـليه نخل قليل لاناس من البلادية من حرب، وهو في‌ ديارهم‌ يقع شرق الجحفة علي ثمانية اكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرار»

ويقيد لفظ «الغدير» بإضافته الى «خم» تمييزا بينه وبين غدران اخرى، قيدت، هـي الاخرى، بالإضافة، امثال:

غدير الاشطاط: موضع‌ قرب‌ عسفان.‌ غدير البركة:

بركة زبيدة.

غدير‌ البنات:‌ في‌ اسفل وادي خماس. غدير سلمان: في وادي الاغراف. غدير العروس: في وادي الاغراف ايضا

وقد يطلق علي غديرنا «غدير الجحفة»، كما‌ في‌ حديث‌ زيـدبن ارقـم: «اقبل النبي(ص) في حجة الوداع حتي‌ نزل‌ بغدير الجحفة بين مكة والمدينة.. الخ»

سبب التسمية

نستطيع ان نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها المعاجم العربية للغدير التعريف‌ الاتي:‌ الغدير:‌ هو المنخفض الطبيعي من الارض، يـجتمع فـيه ماء المطر او‌ ماء السيل، ولا يبقي الى القيظ. ويجمع علي غدر، بضم اوليه، وغدر، بضم اوله وسكون ثانيه، واغدرة، وغدران. وعللوا‌ تسمية‌ المنخفض‌ يجتمع فيه الماء غديرا ب:

1. انه اسم مفعول لمغادرة السيل‌ لهـ،‌ اي ان السـيل عندما يملا المنخفض بالماء يغادره، بمعني يتركه بمائه.

2. انه اسم فاعل «من‌ الغدر‌ لانه‌ يخوف وراده فينضب عنهم، ويغدر باهله، فينقطع عند شدة الحاجة اليه»

وقواه‌ الزبيدي‌ في‌ معجمه «تاج العروس» بـقول الكميت:

ومـن غـدره نبز الاولون

بان لقبوه الغدير الغديرا

وشـرح‌ مـعنى‌ البـيت‌ بان الشاعر «اراد (ان) من غدره نبز الاولون الغدير بان لقبوه الغدير، فالغدير الاول‌ مفعول‌ نبز، والثاني مفعول لقبوه»

وسبب تسمية الموقع بالغدير لانه مـنخفض الوادي.

امـا «خـم»‌ فنقل‌ ياقوت‌ عن الزمخشري انه قال: «خم: اسـم رجـل صباغ، اضيف اليه الغدير الذي بين مكة‌ والمدينة‌ بالجحفة»

ثم نقل عن صاحب «المشارق» انه قال: «ان خما اسم غيضة هناك،‌ وبـها‌ غـدير‌ نـسب اليها».

والتعليل نفسه نجده عند البكري، فقد قال: «وغدير خم على ثـلاثة اميال من الجحفة،‌ يسرة‌ عن الطريق، وهذا الغدير تصب فيه عين، وحوله شجر كثير ملتف، وهو الغيضة‌ التي‌ تـسمى‌ خما»

تحديد المـوقع جغرافيا

نص غير واحد من اللغويين والجغرافيين والمؤرخين علي ان موقع غدير‌ خـم‌ بـين‌ مكة والمدينة. ففي «لسان العرب – مادة خم»: «وخم: غدير معروف بين‌ مكة‌ والمدينة». وفي «النهاية لابـن الاثـير – مـادة خم»: «غدير خم: موضع بين مكة والمدينة». وفي «النهاية‌ لابن‌ الاثير مـادة خـم»: «غـدير خم: موضع بين مكة والمدينة»

وفي «معجم البلدان»:‌ «وقال‌ الحازمي: خم: واد بين مكة والمدينة»

وفي‌ المـصدر‌ نـفسه:‌ «قـال الزمخشري: خم: اسم رجل صباغ اضيف‌ اليه‌ الغدير الذي هو بين مكة والمدينة»

ويبدو انه لا خـلاف بـينهم في ان‌ موضع‌ غدير خم بين مكة والمدينة،‌ وانما‌ وقع شيء‌ قليل‌ مـن‌ الخـلاف بـينهم في تعيين مكانه بين‌ مكة‌ والمدينة، فذهب الاكثر الى انه في «الجحفة»، ويعنون بقولهم «فـي الجـحفة»، او «بالجحفة»‌ وادي الجحفة، كما سياتي. ومن هؤلاء:‌ ابن منظور في لسان‌ العرب‌ – مادة: خـم قـال: «وخـم:‌ غدير‌ معروف بين مكة والمدينة، بالجحفة، وهو غدير خم». والفيروزآبادي في «القاموس المحيط – مادة:‌ خـم» قـال: «وغدير خم: موضع‌ على‌ ثلاثة‌ اميال بالجحفة بين‌ الحرمين»

والزمخشري، في نصه المـتقدم‌ الذيـ‌ نـقله عنه الحموي في «معجم البلدان» القائل فيه: «خم: اسم رجل صباغ اضيف اليه‌ الغدير‌ الذي بـين مـكة والمـدينة بالجحفة»

وفي‌ حديث‌ «السيرة لابن‌ كثير»،‌ المتقدم،‌ «قال المطلب بن زياد‌ عن عـبدالله بـن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبداللهيقول: كنا بالجحفة بغدير خم.. الخ»

وكما‌ قلت،‌ يريدون من «الجحفة»، فـي هـذا السياق:‌ الوادي‌ لا‌ القرية‌ التي‌ هي الميقات، وذلك‌ بقرينة‌ ما ياتي من ذكـرهم تـحديد المسافة بين غدير خم والجحفة، الذي يعني ان غـدير خـم غـير‌ الجحفة‌ (القرية)،‌ ولان وادي الجحفة يبدا من الغدير ويـنتهي‌ عـند‌ البحر‌ الاحمر،‌ فيكون‌ الغدير‌ جزءا منه، وعليه لا معني لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هـو جزء منه.

وتـفرد الحميري في «الروض المعطار»، فحدد مـوضعه بـين الجحفة وعـسفان، قـال: «وبـين الجحفة وعسفان‌ غديرخم» وهو، من غير ريـب، وهـم منه، وبخاصة انه حدد الموضع بانه علي ثلاثة اميال من الجحفة يـسرة الطـريق، حيث لا يوجد عند هذه المسافة بين الجـحفة وعسفان موضع يعرف بـهذا‌ الاسم.

والظـاهر انه نقل العبارة التي تـحدد المـسافة بثلاثة اميال من الجحفة يسرة الطريق من «معجم ما استعجم»، ولم يلتفت الى ان البكري يـريد بـيسرة الطريق الميسرة للقادم من المـدينة‌ الى مـكة، وليس العكس، فـوقع فـي هذا التوهم.

قال البكري، فـي مـعجمه: «وغدير خم على ثلاثة اميال من الجحفة يسرة عن الطريق» وكما قلت،‌ يريد‌ بـالميسرة جـهة اليسار بالنسبة الى القادم‌ من المـدينة الى مـكة بقرينة مـا ذكـره فـي بيان مراحل الطريق بـين الحرمين ومسافاتها عند حديثه عن العقيق حيث بدا بالمدينة، قال: «والطريق الى مكة‌ من‌ المدينة علي العـقيق: مـن‌ المدينة‌ الى ذي الحليفة.. الخ»

ونخلص من هذا الى ان غـدير خـم يـقع فـي وادي الجـحفة علي يسرة طـريق الحـاج من المدينة الى مكة، عند مبتدا وادي الجحفة حيث منتهي وادي‌ الخرار.

ومن هنا كان ان اسماه بعضهم بالخرار، كـما تقدم.

ولعـل عـلة ما استظهره السمهودي من ان الخرار بالجحفة هـو مـا اوضـحته، مـن ان غـدير خـم مبتدا وادي الجحفة، وعنده منتهي‌ وادي‌ الخرار

ويؤيد‌ هذا الذي ذكرته قول الزبير الذي نقلته آنفا عن «معجم ما استعجم» من ان الخرار واد بالحجاز‌ يصب علي الجحفة. وقد يشير الى هذا قول الحـموي، في «معجم‌ البلدان»:‌ «الخرار..‌ وهو موضع بالحجاز، يقال: هو قرب الجحفة»

وعبارة عرام التالية تؤكد لنا ان الغدير من الجحفة، قال، كما ‌‌نقله‌ عنه الحموي: «ودون الجحفة على ميل غدير خم، وواديه يصب في البـحر»، حـيث يعني‌ بواديه‌ وادي‌ الجحفة لانه هو الذي يصب في البحر حيث ينتهي عنده.

اما المسافة بين موضع غدير‌ خم والجحفة (القرية: الميقات) فحددت، في ما لدي من مراجع، بما يأتي:

– حددها البكري، فـي‌ «مـعجم‌ ما استعجم» بثلاثة اميال، ونقل عن الزمخشري ان المسافة بينهما ميلان ناسبا ذلك الى «القيل» اشعارا بضعفه.

والى القول بان المسافة بينهما ميلان ذهب الحموي في «معجمه» قـال: «وغـدير خم بين‌ مكة والمدينة، بـينه وبـين الجحفة ميلان»

وقدر الفيروز آبادي المسافة بثلاثة اميال، قال في «القاموس مادة: خم»: «وغدير خم: موضع علي ثلاثة اميال بالجحفة بين الحرمين»

وقدرها بميل كل من نـصر وعـرام ففي‌ (تاج العروس – مـادة خـم): «وقال نصر: دون الجحفة علي ميل بين الحرمين الشريفين»

وفي «معجم البلدان»: «وقال عرام: ودون الجحفة علي ميل غدير خم»

وهذا التفاوت في المسافة من‌ الميل‌ الى الاثنين الى الثلاثة امر طبيعي، لانه يأتي، عادة، مـن اخـتلاف الطريق الذي يسلك، وبخاصة ان وادي الجحفة يتسع بعد الغدير، ويأخذ بالاتساع اكثر حتي قرية الجحفة ومن بعدها‌ اكثر‌ حتي البحر، فربما سلك احدهم حافة الجبال فتكون المسافة ميلا، وقد يسلك احدهم وسط الوادي فـتكون المـسافة ميلين، ويـسلك الاخر حافة الوادي من جهة السهل فتكون المسافة ثلاثة اميال.

وصف‌ الموضع‌ تاريخيا

احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد‌ تكون‌ كـاملة‌ المعالم، متكاملة الابعاد، لموضع غدير خم، فذكر انه يضم المعالم الاتية:

1. العين:

فـفي «لسـان العـرب – مادة خم»: «قال ابن الاثير:‌ هو‌ موضع‌ بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك»

وفي «معجم‌ ما اسـتعجم»،‌ ‌و«روض المـعطار»: «وهذا الغدير تصب فيه عين»

وفي «معجم البلدان»: «وخم: موضع تصب فيه عين»

وتقع هـذه‌ العـين‌ فـي‌ الشمال الغربي للموقع، كما سيتضح لنا هذا من ذكر المعالم‌ الأخرى.

2. الغدير

وهو الذي تصب فيه العين المـذكورة، كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدمة.

3. الشجر:

ففي‌ حديث‌ الطبراني: ان رسول الله(ص) خطب بـغدير خم تحت شجرات. وفـي حـديث‌ الحاكم:‌ «لما رجع رسول الله(ص) من حجة الوداع، ونزل غدير خم امر بدوحات فقممن». وفي حديث الامام‌ احمد:‌ «وظلل‌ لرسول الله(ص) بثوب علي شجرة سمرة من الشمس». وفي حديثه الاخر: «وكـسح‌ لرسول‌ الله(ص)‌ تحت شجرتين فصلى الظهر»

والشجر المشار اليه، هنا، من نوع «السمر»، واحده «سمرة» (بفتح‌ السين‌ المهملة‌ وضم الميم وفتح الراء المهملة)، وهو من شجر الطلح، وهو شجر عظيم، ولذا عبر‌ عنه‌ بـالدوح، كـما في الاحاديث والاشعار التي مر شيء منها، واحده دوحة،وهي الشجرة العظيمة‌ المتشعبة‌ ذات‌ الفروع الممتدة.

وهو غير «الغيضة» الاتي ذكرها، لانه متفرق في الوادي هنا وهناك.

4. الغيضة

وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتف، وتـجمع عـلي غياض واغياض.

وموقعها حول‌ الغدير،‌ كما‌ ذكر البكري في «معجم ما استعجم» قال: «وهذا الغدير تصب فيه عين، وحوله شجر كثير ملتف،‌ وهي‌ الغيضة» . ومر بنا ان صاحب المشارق ذكر «ان خما اسـم غـيضة‌ هناك،‌ وبها‌ غدير نسب اليها».

5. النبت البري

ونقل ياقوت عن عرام ان قال: «لا نبت فيه‌ غير‌ المرخ‌ والثلام والاراك والعشر»

6. المسجد

وذكروا ان فيه مسجدا شيد على المكان‌ الذي‌ وقف فيه رسول الله(ص)، وصلى وخطب، ونـصب عـليا للمـسلمين خليفة ووليا.

وعينوا موقعه بين الغـدير والعـين،‌ قـال‌ البكري، في «معجمه»: «وبين الغدير والعين مسجد النبي(ص)»

وفي «معجم البلدان» ان‌ صاحب‌ المشارق قال: «وخم موضع تصب فيه عين،‌ وبين‌ الغـدير‌ والعـين مـسجد رسول الله(ص)»

ويبدو ان هذا‌ المسجد‌ قد تداعي، ولم يبق مـنه فـي زمن الشهيد الاول (المتوفي سنة 786ه) الا‌ جدرانه،‌ كما اشار الى هذا الشيخ صاحب‌ الجواهر،‌ نقلا عن‌ الشهيد‌ الاول،‌ قال: «وفي الدروس: والمسجد بـاق الى الان‌ جدرانه، والله العالم»

اما الان فلم نجد له اثرا، كما سأشير الى هذا‌ في‌ مـا يأتي.

7. ونقل ياقوت عن‌ الحازمي ان «هذا الوادي‌ موصوف‌ بكثرة الوخامة». يقال: وخم المكان‌ وخامة‌ اذا كان غير ملائم للسكني فيه.

8. ومـع وخـامته، ذكـر عرام، في ما‌ نقله‌ ياقوت عنه، ان به اناسا‌ من‌ خزاعة‌ وكـنانة، ولكـنهم قليلون،‌ قال: «وبه اناس من خزاعة‌ وكنانة‌ غير كثير»

وصف مشهد النص بالولاية

ويترتب علي ما تقدم، مـن وصـف المـوضع تاريخيا،‌ وصف‌ حادثة الولاية بخطواتها المتسلسلة والمترتب بعضها‌ علي‌ بعض، لتكتمل‌ امـام‌ القـاري‌ الكـريم صورة الحادثة التي‌ اعطت هذا الموضع الشريف اهميته، بوصفه معلما مهما من معالم السيرة النـبوية المـقدسة، وتـتلخص بما‌ يأتي:

1. وصول الركب النبوي، بعد منصرفه‌ من‌ حجة‌ الوداع،‌ الى موضع غدير خم،‌ ضـحي‌ نـهار الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام، من السنة الحادية عشرة للهجرة.

فعن زيد بـن‌ ارقـم:‌ «لمـا‌ حج رسول الله(ص) حجة الوداع، وعاد قاصدا‌ المدينة‌ اقام‌ بغدير‌ خم،‌ وهو‌ ماء بـين مـكة والمدينة، وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام»

2. ولان هذا الموضع كان مفترق الطرق المـؤدية الى المـدينة المـنورة، والعراق، والشام، ومصر،‌ تفرق الناس عن رسول الله(ص) متجهين وجهة اوطانهم، فامر(ص) عليا(ع) ان يجمعهم بـرد المـتقدم وانتظار المتأخر.

ففي حديث جابر بن عبدالله الانصاري: «ان رسول الله نزل بخم فتنحي النـاس عـنه،‌ وامـر‌ عليا فجمعهم»

وفي حديث سعد: «كنا مع رسول الله، فلما بلغ غدير خم وقف للناس، ثـم رد مـن تـقدم، ولحق من تخلف»

3. ونزل الرسول قريبا من خمس سمرات‌ دوحات‌ متقاربات، ونهي ان يـجلس تحتهن.

يـقول زيد بن ارقم: «نزل رسول الله(ص) بين مكة والمدينة عند سمرات خمس دوحات عظام»

وفي حديث عـامر‌ بـن‌ ضمرة وحذيفة بن اسيد قالا:‌ «لما‌ صدر رسول الله(ص) من حجة الوداع، ولم يـحج غيرها، اقبل حتى اذا كان بالجحفة نهى عـن شـجرات بـالبطحاء متقاربات لا ينزلوا تحتهن»

4. ثم‌ امر(ص)‌ ان يقم ما تـحت‌ تـلكم‌ السمرات من شوك، وان تشذب فروعهن المتدلية، وان ترش الارض تحتهن.

ففي حديث زيد بن ارقم: «فـامر بـالدوحات فقم ما تحتهن من شوك»

وفـي حـديثه الاخر: «امـر رسـول الله(ص) بالشجرات‌ فقم‌ ما تحتها، ورش»

وفي حـديث عـامر بن ضمرة وحذيفة بن اسيد: «فقم ما تحتهن وشذبن عن رؤوس القوم»

5. وبعد ان نـزلت الجـموع منازلها، واخذت اماكنها، امر(ص) مناديه ان يـنادي‌ «الصلاة‌ جامعة»

يقول‌ حبة بـن جـوين العرني البجلي: «لما كان يـوم غـدير خم، دعا النبي(ص): «الصلاة جامعة» نصف النهار..الخ»

وفي‌ حديث زيد المتقدم: «فامر بالدوحات فـقم مـا تحتهن من شوك ثم‌ نـادي:‌ الصـلاة‌ جامعة

6. وبـعد ان تكاملت الصفوف للصـلاة جـماعة، قام(ص) اماما بين شـجرتين مـن تلكم السمرات الخمس.

يقول ‌‌عامر‌ وحذيفة في حديثهما المتقدم: «حتى اذا نودي للصلاة غدا اليهن فـصلي تحتهن»

وفـي‌ رواية‌ الامام‌ احمد عن البراء بـن عـازب، قال: «كـنا مـع رسـول الله فنزلنا بغدير خم، فـنودي فينا‌ الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله(ص) تحت شجرتين، فصلي الظهر»

7. وظلل لرسول الله(ص)‌ عن الشمس، اثـناء صـلاته‌ بثوب،‌ علق على احدى الشجرتين.

ففي روايـة الامـام احـمد مـن حـديث زيد بن ارقـم: «وظـلل لرسول الله(ص) بثوب علي شجرة سمرة من الشمس»

8. وكان ذلك اليوم هاجرا شديد الحر.

يقول زيد بن‌ ارقم: «فخرجنا الى رسـول الله فـي يـوم شديد الحر، وان منا من يضع بعض ردائه عـلى راسـه، وبـعضه عـلى قـدمه مـن شدة الرمضاء»

8. وبعد ان انصرف(ص) من صلاته، امر ان‌ يصنع‌ له منبر من اقتاب الابل

10. ثم صعد(ص) المنبر متوسدا يد علي(ع).

يقول جابر في حديثه المتقدم: «وامر عليا فجمعهم، فلما اجتمعوا قـام فيهم، وهو متوسد يد علي بن ابي‌ طالب»

11. وخطب(ص) خطبته الاتية:

الحمد لله، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا، ومن سيئات اعمالنا، الذي لا هادي لمن اضل، ولا مضل لمن هدي.

واشـهد‌ ان‌ لا اله الا الله، وان محمدا عبده ورسوله.

اما بعد:

ايها الناس: قد نباني اللطيف الخبير انه لم يعمر نبي الا مثل نصف عمر الذي قبله، واني اوشك ان‌ ادعي‌ فاجبت،‌ واني مسؤول، وانتم مسؤولون، فماذا‌ انتم‌ قائلون؟

قـالوا: نـشهد انك قد بلغت، ونصحت، وجهدت، فجزاك الله خيرا.

قال: الستم تشهدون ان لا اله الا الله، وان محمدا عبده‌ ورسوله،‌ وان‌ جنته حق، وناره حق، وان الموت حق، وان‌ الساعة‌ آتـية لا ريـب فيها، وان الله يبعث من في القبور؟

قـالوا: بـلى، نشهد بذلك.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال:‌ ايها‌ الناس‌ الا تسمعون؟

قالوا: نعم.

قال: فاني فرطكم، وانتم واردون على الحوض، وان عرضه ما بين صـنعاء وبـصري، فيه اقداح عدد النـجوم مـن‌ فضة،‌ فانظروا‌ كيف تخلفوني في الثقلين؟!

فنادي مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟

قال:‌ الثقل الاكبر كتاب الله، طرف بيد الله عز وجل، وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والاخر‌ الاصغر‌ عترتي،‌ وان اللطيف الخـبير نبأني انهما لن يتفرقا حتي يردا علي الحوض، فسالت‌ ذلك‌ لهما‌ ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصر واعنهما فتهلكوا.

ثم اخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي‌ بياض‌ آباطهما،‌ وعرفه القوم اجمعون، فقال:

ايها الناس: من اولي النـاس بـالمؤمنين من انـفسهم؟ قالوا: الله‌ ورسوله‌ اعلم.

قال: ان الله مولاي، وانا مولي المؤمنين، وانا اولي بهم من انفسهم،‌ فمن‌ كنت‌ مولاه فعلي مولاه.

يـقولها ثلاث مرات، وفي رواية الامام احمد: اربع مرات.

ثم قال:‌ اللهم‌ وال مـن والاه، وعـاد من عاداه، واحبب من احبه، وابغض من ابغضه، وانصر‌ من‌ نصره،‌ واخذل من خذله، وادر الحق معه حـيث دار.

‌الا فـليبلغ الشاهد الغائب»

12. ثم طفق القوم‌ يهنئون‌ امير المؤمنين (صلوات الله عليه)، وممن هناه في مـقدم الصـحابة: الشـيخان ابو‌ بكر‌ وعمر،‌ كل يقول: بخ بخ لك يابن ابي طالب، اصبحت وامسيت مولاي ومولي كـل مؤمن ومؤمنة»

13. وقال‌ ابن عباس: وجبت، والله، في اعناق القوم»((485)) يعني بذلك البيعة بـالولاية والامرة‌ والخلافة.

14. ثم استأذن الرسـول شـاعره حسان بن ثابت في ان يقول شعرا في المناسبة.

ففي رواية الغدير:‌ «فقال‌ حسان: ائذن لي يا رسول الله ان اقول في علي ابياتا تسمعهن.

فقال:‌ قل، علي بركة الله.

فقام حسان، فقال:‌ يا‌ معشر‌ مشيخة قريش، اتبعها قولي بـشهادة من رسول‌ الله‌ في الولاية ماضية، ثم قال:

يناديهم، يوم الغدير، نبيهم

بخم، فاسمع بالنبي مناديا

يقول:‌ فمن مولاكم ووليكم؟

فقالوا، ولم‌ يبدوا‌ هناك التعاميا:

الهك‌ مولانا،‌ وانت ولينا

ولم تر منا في‌ الولاية‌ عاصيا

فقال له: قم يـا عـلي، فانني

رضيتك من بعدي اماما وهاديا

الاعمال‌ المندوب اليها شرعا في هذا الموقع

الاعمال المندوب اليها شرعا‌ في‌ هذا الموضع، هي:

1. استحباب‌ الصلاة‌ في مسجده المعروف، تاريخيا، بمسجد رسول الله، ومسجد النبي، ومسجد غـدير خم.

2. الاكـثار‌ فيه من الدعاء والابتهال الى الله‌ تعالي.

قال الشيخ صاحب‌ الجواهر:‌ «وكذلك يستحب للمراجع علي‌ طريق‌ المدينة الصلاة في مسجد غدير خم، والاكثار فيه من الدعاء، وهو موضع النص مـن‌ رسـول‌ الله(ص) علي امير المؤمنين(ع)»

ومن الحديث‌ الذي‌ يدل علي‌ ذلك:‌ ما‌ رواه الشيخ الحر العاملي‌ في «الوسائل»:

1. بإسناده عن حسان الجمال: قال: حملت ابا عبدالله الصادق(ع) من المدينة الى مكة،‌ قال: فـلما انـتهينا الى مـسجد الغدير نظر‌ الى ميسرة‌ المسجد‌ فـقال:‌ ذاك مـوضع قـدم‌ رسول‌ الله(ص) حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه».

2. بإسناده‌ عن‌ عبد‌ الرحمن بن الحجاج: قـال: سـالت ابـا ابراهيم‌ (الكاظم)(ع)‌ عن‌ الصلاة‌ في‌ مسجد‌ غدير خـم بـالنهار، وانا مسافر؟

فقال: صل فيه، فان فيه فضلا، وقد كان ابي(ع) يأمر بذلك.

3. باسناده عن ابان عن ابي عبدالله (الصادق)(ع) قـال: انـه تـستحب‌ الصلاة في مسجد الغدير، لان النبي(ص) اقام فيه اميرالمؤمنين(ع)، وهو مـوضع اظهر الله، عز وجل، فيه الحق

وقال الشيخ يوسف البحراني: «يستحب لقاصدي المدينة المشرفة المرور بمسجد الغدير ودخوله والصـلاة‌ فـيه،‌ والاكـثار من الدعاء»

وهو الموضع الذي نص فيه رسول الله(ص) على امامة امير المـؤمنين وخـلافته بعده، ووقع التكليف بها، وان كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه(ص) قبل ذلك اليوم،‌ الا‌ ان التكليف الشرعي والايجاب الحـتمي انـما وقـع في ذلك اليوم، وكانت تلك النصوص المتقدمة من قبيل التوطئة لتوطن النفوس عليها وقـبولها بـعد التـكليف بها.

فروي‌ ثقة الاسلام في «الكافي» والصدوق‌ في‌ «الفقيه» عن ابان عن ابي عبدالله(ع): قـال: يـستحب الصـلاة في مسجد الغدير، لان النبي(ص) اقام فيه امير المؤمنين(ع) ، وهو موضع اظهر الله، عز وجل،‌ فـيه‌ الحق.

وروي المـشايخ الثلاثة‌ (نور‌ الله تع الى مضاجعهم) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج: قال: سـالت ابـا ابـراهيم(ع)عن الصلاة في مسجد غدير خم، وانا مسافر، فقال: صل فيه، فان فيه فضلا كـثيرا، وكـان ابي‌ يأمر‌ بذلك.

وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من فـقهائنا الامـامية، مـضافا الى من ذكرتهم، منهم:

– الشيخ الطوسي في «النهاية»، قال: «واذا انتهي جيعني الحاج ج الى مسجد‌ الغدير، فليدخله،‌ وليـصل فـيه ركعتين»

– القاضي ابن البراج في «المهذب»، قال: «فمن توجه الى زيارته(ص) من مكة بعد‌ حـجه، فـينبغي له اذا اتـي مسجد الغدير.. فليدخله، ويصلي من ميسرته‌ ما‌ تيسر‌ له، ثم يمضي الى المدينة»

– الشيخ ابن ادريس فـي «السـرائر»، قـال: «واذا انتهى (الحاج) الى مسجد ‌‌الغدير‌ دخله وصلى فيه ركعتين»

– الشيخ ابن حمزة في «الوسـيلة»، قـال: «وصلي (يعني‌ الحاج)‌ ايضا‌ في مسجد الغدير ركعتين اذا بلغه»

– الشيخ يحيى بن سعيد في «الجامع»، قال: «فـاذا‌ اتـى (الحاج) مسجد الغدير دخله وصلى ركعتين»

– السيد الحكيم في «منهاج الناسكين»،‌ قال: «وكـذا يـستحب الصلاة‌ في‌ مسجد غدير خم، والاكثار مـن الابـتهال والدعـاء فيه.

وهو الموضع الذي نص فيه النبي(ص) بالولاية لأمير المـؤمنين(ع)، وعقد البيعة له، صلى الله عليهما وعلى آلهما الطاهرين»

وصف الموقع الراهن

وصفه المقدم عاتق‌ بن غـيث البـلادي، المؤرخ الحجازي المعاصر، في كـتابه «مـعجم معالم الحـجاز»، قـال: «ويـعرف غدير خم اليوم باسم «الغربة»، وهو غـدير عـليه نخل قليل لاناس من البلادية من حرب، وهو في ديارهم يقع‌ شـرق‌ الجـحفة على اكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرار

وكـانت عين الجحفة تنبع مـن قـرب الغدير، ولا تزال آثارها ماثلة للعيان.

وتـركب الغـدير من الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها‌ سور‌ حجري لا يزال ظاهرا، وانـقاض الاثـار تدل علي ان بعضها كان قـصورا او قـلاعا، وربـما كان هذا حـيا مـن احياء مدينة الجحفة، فالآثار هـنا تتشابه».

وقد استطلعت، ميدانيا، الموضع‌ من‌ خلال رحلتين:

– كانت اولاهما: يوم الثلاثاء 7/5/1402ه: 2/1/1982م.

– والثانية: يوم الاربـعاء 18/6/1409هـ: 25/1/1989م. الرحلة الاولْ

غادرت مدينة جدة شـروق الشـمس بسيارة جـيب تـويوتا، وكـان برفقتي ولدي عماد وخاله‌ السـيد‌ ياسين‌ السيد جابر البطاط (ت 29/1/1409ه، رحمه‌ الله‌ تعالى)‌ وولده السيد فاضل.

وبعد ساعتين تقريبا من مغادرتنا جدة، وصلنا الى مـفرق الجـحفة قبيل مدينة رابغ، والكائن عند مـطارها المـحلي يـمنة الطـريق،‌ ونـزلنا‌ عن‌ الطريق العـام الى طـريق الجحفة، ولم يكن آنذاك‌ مزفتا،‌ وفي اكثر مواضعه غير ممهد.

وبعد حو الى عشر كلومترات وصلنا الى مسجد الميقات الذي شـيد مـن قـبل الحكومة السعودية‌ ملاصقا‌ لأساس‌ المسجد القديم المندثر.

ودخـلنا المـسجد، وكـان خـادمه نـائما، وهـو من‌ اعراب تلك البادية، فأيقظناه، وسألناه عن الطريق الى قصر علياء، وما في الطريق مما قد يصد السيارة فيعرقل‌ سيرنا.

ثم‌ صعدت على سطح المسجد، وكان سلمه مليئا بـطيور الخفاش، ونظرت الطريق‌ وحددت‌ الجهة الميسرة للسير فيها.

وانطلقنا علي بقايا آثار طريق الهجرة وسط اكوام من الحجارة التي جرفتها السيول‌ اليه،‌ ووسط‌ رمال عملت منها السيول ما يشبه السدود الحاجزة، شـقتها السـيارة شقا.

وبعد‌ ان‌ قطعنا‌ ما يقرب من خمسة كلومترات وصلنا الى قصر علياء، ويقع هذا القصر علي حد‌ قرية‌ الجحفة‌ (الميقات) من جهة المدينة المنورة ورابغ، كما ان المسجد الذي ذكرناه يقع عـلي حـد‌ القرية‌ من جهة مكة المكرمة.

وبعد ان استرحنا قليلا، والتقطنا بعض الصور للقصر، انعطف‌ الطريق‌ بنا‌ الى اليمين لانعطاف الجبال المطلة عليه من جهة يمناه للقـادم مـن مكة، ويسراه للقادم‌ من‌ المدينة.

وفي مـتسع مـن الوادي تشعبت فيه الطرق، علي مدي عرضه، حتي وصلنا الى رملة‌ غزيرة‌ انعدمت فيها آثار الطريق، فوقفنا قليلا، ولاح لنا راع مع غنيمات عند سفح الجبل، فـنزلت‌ قـاصدا‌ اياه، وكانت رجلاي تـغوصان فـي الرمل الى ما يقرب من الركبتين، ولوحت له‌ بعباءتي‌ فوقف‌ ثم اتجه جهتي والتقينا غير بعيد من الجبل، وسالته عن طريق الغربة، فقال: سيروا باستقامة سيارتكم،‌ وبعد‌ قليل‌ توافيكم حرة تطلعون فيها عـلي مـزرعة صغيرة جديدة، ومن علي الحرة تبين‌ لكم‌ نخيل الغربة.

فدلفنا بسيارتنا نشق الرمال شقا حتي انتهت بنا الى مرتفع ارتقينا به الحرة التي‌ ذكرها‌ الراعي.

وفي الحرة التقينا سيارة نقل صغيرة (وانيت) يـسوقها شـاب بدوي، و الى جانبه‌ شيخ كبير، فاستوقفتهما، وبعد السلام عليهما، سالتهما‌ عن‌ الاصل‌ والوطن، فقالا: من البلاذية من حرب، نـسكن‌ بعد‌ الغربة بقليل، قلت: الغربة هي مقصدنا، قال الشيخ: انتم مـن الشـرقية تـريدون الغدير؟‌ قلت:‌ هله هله، اي: نعم نعم،‌ بلهجة‌ البادية، قال:‌ هي‌ عند‌ النزلة من الحرة يمين الطـريق ‌ ‌مـباشرة،‌ فودعناهما‌ ودخلنا الغدير حامدين لله توفيقه، وشاكرين علي السلامة.

وبعد ان استقر بنا‌ الجلوس‌ تناولنا مـن القـهوة والشـاي، ثم قمنا،‌ وتجولنا بالوادي الفسيح، والتقطنا‌ له‌ الصور من مختلف جهاته.

كان‌ الوادي‌ فسيحا جدا، تـتخلله اشجار السمر منتشرة في ابعاده جميعها، ويقع بين سلسلة جبال‌ من‌ جنوبه وشماله.

ومـسيله يمر مع‌ سفوح‌ جـباله‌ الجـنوبية، وهي اعلي‌ واضخم‌ من جباله الشمالية.

وعلي‌ المسيل‌ من جهة سهل الوادي ثلاث كوم من النخيل بين كل كومة واخري حو الى عشرين‌ مترا،‌ وكل كومة لا تتجاوز الاحاد.

ومن المظنون‌ قويا‌ انها نبتت‌ هنا‌ بـفعل‌ ما يرميه المارون بالوادي‌ من نوي التمر الذي يتناولونه مع القهوة.

وقريبا من منعطف الوادي الى جهة الغرب غيضة، وسطها‌ عين‌ جارية، قد تكون هي عين الغدير‌ التاريخية.

اما‌ الغدير‌ فلم‌ نر له آثارا،‌ وكذلك‌ المسجد، ولعلهما عـفيا بـفعل تاثير عوامل التعرية والابادة من امطار وسيول ورياح وما اليها.

وبعد ان استكملنا‌ استطلاعنا‌ عدنا‌ علي الطريق نفسه الى جدة، ووصلنا اليها‌ بعد‌ الغروب‌ بساعة‌ تقريبا.

الرحلة‌ الثانية

وكانت بعد عودتنا من زيارة قبر السيدة آمـنة بـنت وهب(ع)، ام النبي(ص)، في الابواء (الخريبة)، ومبيتنا في منزل الحاج علي بن سالم العبيدي بوادي الفرع.

وكان‌ معي في هذه الرحلة ابناي معاد وفؤاد، وابنا عمتهما السيدان الحسن والحسين الخليفة، والشـيخ صـالح العبيدي من خطباء المنبر الحسيني بجدة، والشاب عابد العلاسي من جدة.

وبعد ان وصلنا الى ميقات‌ الجحفة، قبيل الظهر، سلكنا الطريق السابق الى الغدير، فرأيناه قد غير السيل العرم الذي جاء المنطقة بعد رحـلتنا الاولي الكـثير مـن معالم الطريق، وعفي القليل المـتبقي مـن آثاره.

ورايـنا، قبيل‌ وصولنا‌ الى الغدير، ومقابل الحرة، علي قمة الجبل المحاذي لها، منازل من البناء الجاهز لشركة انشائية، يسلك اليها طريق ممهد يـتفرع مـن طـريق رابغ‌ – الغدير.

وعندما وصلنا الى الغدير‌ راينا‌ السيل قد فـعل مـفعوله في تغيير شيء غير قليل من المعالم التي رأيناها سابقا.

منها ان اهار الجرف السابق المطل علي المسيل بما لا‌ يقل‌ عـن ثـلاثة امـتار، فاطاح‌ ببعض‌ النخيل التي كانت عليه. ومنها ان ذهب بالغيضة الا بـقايا منها.

وراينا العين قد اصبحت تجري من تحت الجرف الجديد، ويسير مجراها بحافته الى كومة من الشجر لا تبعد عن منبع العـين‌ بأكثر‌ مـن عشرين مترا.

وبعد ان التقطنا بعض الصور، وتناولنا التمر والقهوة، توجهنا الى رابغ عـن الطـريق الاخر الذي لا يمر بالجحفة، والذي يقع شرقي رابغ.

الطريق المؤدي الى الموقع

راينا‌ مما‌ تقدم ان‌ هناك طريقين يؤديان الى موقع غـدير خـم، احـدهما من الجحفة، والاخر من رابغ.

1. طريق الجحفة

يبدا‌ من مفرق الجحفة عند مطار رابـغ سـالكا تـسعة كلومترات مزفتة الى اول‌ قرية‌ الجحفة القديمة، حيث شيدت الحكومة السعودية، بعد ان هدمت المسجد السـابق الذي رأيناه فـي الرحلة الاولي، مسجدا ‌‌كبيرا‌ في موضعه، وحمامات للاغتسال، ومرافق صحية، ومواقف سيارات.

ثم ينعطف الطـريق شـمالا وسط‌ حجارة‌ ورمال‌ كالسدود بمقدار خمسة كلومترات الى قصر علياء، حيث نهاية قرية الميقات.

ثـم يـنعطف الطـريق الى جهة اليمين، قاطعا بمقدار كيلوين اكواما من الحجارة وتلولا من الرمال، وحرة قـصيرة‌ المسافة.

ثـم يهبط من‌ الحرة‌ يمنة الطريق حيث وادي الغدير.

2. طريق رابغ

ويبدا من مفرق طريق مكة – المـدينة العـام، الداخـل الى مدينة رابغ عند اشارة المرور، يمنة الطريق للقادم من مكة، مارا ببيوتات من الصفيح،‌ واخري مـن الطـين يسكنها بعض بدو المنطقة.

ثم يصعد علي طريق قديم مزفت ينعطف به الى اليـسار، وهـو الطـريق العام القديم الذي تبدا بقاياه من وراء مطار رابغ.

وبعد مسافة عشرة كيلومترات، وعلي‌ اليمين،‌ يتفرع منه الفرع المؤدي الى الغـدير، وهـو طـريق ترابي ممهد في اكثره، يلتقي عند مهبط الحرة بطريق الجحفة، حيث ينزلان الى وادي الغدير.

ومـسافته مـن رابغ الى الغدير 26 كلومترات تقريبا.

وفي‌ ضوء ما تقدم:

يقع غدير خم من ميقات الجحفة مطلع الشمس بحو الى ثـمانية كلومترات، وجنوب شرقي رابغ بما يقرب من ستة وعشرين كلومترات.

المصدر: دار السيدة الرقية

تعليق