2017.12.17

الإمام الرضا والتوحيد.. نفي الجبر والتفويض مثالاً

- Sayyed-alakwan | 2015.08.29

12315

1- نبذة من حياة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) (148هـ – 203هـ) هو أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهو ثامن أئمة أهل البيت الطاهر عليهم السلام. ولادته: ولد بالمدينة المنورة يوم الجمعة أو يوم الخميس 11 ذي الحجة أو ذي القعدة أو ربيع الأول سنة 148 هـ وقيل 153 هـ [1] وقال الشيخ الصدوق: (يوم الخميس 11 ربيع الأول سنة 153 بعد وفاة أبي عبد الله (عليه السلام) بخمس سنين، وتوفي في طوس في قرية يقال لها (سناباذ) من رستاق نوقان ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي …) [2].وفاته: توفي يوم الجمعة أو الاثنين آخر صفر أو 17 أو 21 من شهر رمضان سنة 203 هـ أو 206 أو 202 هـ في طوس من أرض خراسان في قرية (سناباذ) قال الشيخ الصدوق: والصحيح أنه (عليه السلام) توفي في شهر رمضان لتسع بقين منه يوم الجمعة سنة 203 هـ.[3] وقال الشيخ المفيد: وكان مولده بالمدينة سنة 148 هـ وقبض بطوس من أرض خراسان في صفر سنة203 هـ. [4]أمه: أم ولد؛ تسمى: الخيزران المرسية، وقيل شقراء النوبية، واسمها أروى، وشقراء لقب لها. [5] وقيل: نجمة، أم البنين، سكن النوبية، تكتم.[6] 2- الإمام الرضا عليه السلام والتوحيد الإمام الرضا عليه السلام أحد أئمة الهدى الذين زقوا العلم زقاً، ورفعوا لواء التوحيد علماً وعملاً، كما كان جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبوهم أمير المؤمنين عليه السلام.- الإمام الرضا عليه السلام تكلم حول التوحيد ونفي التشبيه بشكل مفصل، وله فيه خطب متعددة وأحاديث كثيرة، في توحيد الله سبحانه وعدله، ونفي التشبيه والجبر والتفويض، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، والرد على الزنادقة وأهل المذاهب والأديان الأخرى.[7]

ومن ذلك خطبة عظيمة مفصلة ومهمة، قال الحكيم الإلهي والعارف الرباني الشيخ رجب علي التبريزي فيها: من أنه يجب على كل مؤمن شيعي أن يقرأها مكان التعقيب في كل صبيحة يومه لما فيها من ذكر المعارف والحقائق ما لا يصل إليه الحكماء الفاضلون العارفون الكاملون.[8] ومن تلك الأحاديث ما روي عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: (قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ‏: مَا آمَنَ بِي مَنْ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ كَلَامِي، وَمَا عَرَفَنِي مَنْ شَبَّهَنِي بِخَلْقِي، وَمَا عَلَى دِينِي مَنِ اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي دِينِي).[9] وعَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: (هُوَ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ‏[10]).[11] 3- التوحيد نصف الدين: عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْفَرَّاءِ[12] عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :‏ (التَّوْحِيدُ نِصْفُ‏ الدِّينِ‏ وَاسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ[13]). [14] قال العارف القاضي سعيد القمي المتوفى 1107هـ: أما كون التوحيد نصف الدين فلأن شرائع الدين إما اعتقادات أو أعمال، فالاعتقادات نصف الدين، والاعتقادات: هو الاعتقاد بالله الواحد الذي منه ابتدأ الخلق وإليه مصير كل شيء، وبملائكته وكتبه ورسله وكل ذلك من التوحيد، كما ورد في الأخبار[15].

ومنها حديث سلسلة الذهب المروي عن الإمام الرضا عليه السلام. 4- أَسَاسُ‏ الدِّينِ‏ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ التوحيد والعدل أساس الدين، فمن أحكم التوحيد وعرفه والتزم به وطبقه فقد بنى قاعدة أساسية للدين، ومن عرف العدل لله سبحانه والتزم به وطبقه فقد أسس القاعدة الثانية للدين، ومن لم يحكمهما فلم يعرف من الدين شيئاً. 5- معنى التوحيد والعدل: أئمة أهل البيت عليهم السلام أسهبوا في شرح معنى التوحيد والعدل وملؤوا الدنيا من الخطب والأحاديث والأدعية والزيارات والحكم والمواعظ في التوحيد والعدل حتى أصبحوا لا يدانيهم غيرهم، ومما ورد عنهم عليهم السلام في هذا المعنى ما رواه أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى الصَّادِقِ عليه السلام‏ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَسَاسَ‏ الدِّينِ‏ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ وَعِلْمُهُ كَثِيرٌ وَلَا بُدَّ لِعَاقِلٍ مِنْهُ فَاذْكُرْ مَا يَسْهُلُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَيَتَهَيَّأُ حِفْظُهُ. فَقَالَ عليه السلام: (أَمَّا التَّوْحِيدُ فَأَنْ لَا تُجَوِّزَ عَلَى رَبِّكَ مَا جَازَ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الْعَدْلُ فَأَنْ لَا تَنْسُبَ إِلَى خَالِقِكَ مَا لَامَكَ عَلَيْهِ). [16] هذه الكلمة القصيرة تحتوي على علم كثير يملأ الدفاتر، ويوجد المجال الواسع لكل من أراد أن يتوسع. 6- القاعدة الأولية لنفي الجبر والتفويض عند الإمام الرضا عليه السلام: ففي الصحيح عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَبْرُ وَالتَّفْوِيضُ فَقَالَ: (أَلَا أُعْطِيكُمْ فِي هَذَا أَصْلًا لَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلَا تُخَاصِمُونَ عَلَيْهِ أَحَداً إِلَّا كَسَرْتُمُوهُ؟). قُلْنَا: إِنْ رَأَيْتَ ذَلِكَ. فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُطَعْ بِإِكْرَاهٍ، وَلَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ [17]، وَلَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ فِي مُلْكِهِ، هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَالْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَإِنِ ائْتَمَرَ الْعِبَادُ بِطَاعَتِهِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَنْهَا صَادّاً، وَلَا مِنْهَا مَانِعاً، وَإِنِ ائْتَمَرُوا بِمَعْصِيَتِهِ فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ وَفَعَلُوهُ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِيهِ). ثُمَّ قَالَ عليه السلام: (مَنْ يَضْبِطْ حُدُودَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَدْ خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ ‏[18]). [19] هذا أصل من الأصول وقاعدة من القواعد الأساسية لنفي من يدعي أنه مجبور على فعل المعاصي والظلم والعدوان فيبرر ظلمه من أنه مجبور كما أنه لم يكن متروكًا ومفوضًا إليه الأمور ويفعل ما يشاء . 7- معنى الجبر والتفويض عند الإمام الرضا: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى الْعِبَادِ. قَالَ: اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي. قَالَ: اللَّهُ أَعْدَلُ وَأَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي عَمِلْتَ الْمَعَاصِيَ بِقُوَّتِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِيكَ.[20] وفي الصحيح عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَاللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ.[21] عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليهما السلام قَالا: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ. قَالَ: فَسُئِلَا عليه السلام هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟ قَالا: نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ‏[22]. [23] 8- ممن المعصية؟ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ الصَّادِقِ عليه السلام‏ فَاسْتَقْبَلَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عليه السلام‏ فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِيَةُ؟ قَالَ: لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَيْسَتْ مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْكَرِيمِ أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدَهُ بِمَا لَا يَكْتَسِبُهُ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنَ الْعَبْدِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ الْقَوِيِّ أَنْ يَظْلِمَ الشَّرِيكَ الضَّعِيفَ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ: وَهِيَ مِنْهُ فَإِنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ فَبِذَنْبِهِ وَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِكَرَمِهِ وَجُودِهِ.[24] 9- النتائج السلبية لانحراف العقيدة: إن المصائب والويلات التي تحل بالأمة الإسلامية من التخلف والتمزق والحروب القائمة بين المسلمين بشكل عام وبين العرب بشكل خاص بسبب الخلل العقائدي الذي وقعت فيه وبالأخص حول مفهومي التوحيد والعدل. إن الإرهاب والتكفير اللذين يعيثان في الأمة العربية والإسلامية فساداً حيث قضيا على البُنى التحتية لبلاد العرب والمسلمين، وأجريا الأنهر من دماء الأطفال والنساء والشيوخ، وتقطيع الأشلاء بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، من أهم أسبابهما الانحراف العقائدي والأخلاقي، فبعد الخلل في مفهوم التوحيد لديهم أصبح كل المسلمين مشركين في نظرهم يستحقون القتل والإبادة، وبطبيعة الحال فإن الذي لا يعرف التوحيد الخالص لله لا يعرف الشرك ومنهم المشركون. وعند الخلل في مفهوم العدل لله سبحانه تختلط الأوراق والمفاهيم، يتبدل الحقُ إلى الباطل والباطلُ إلى الحق، ويتحول المعروف إلى المنكر والمنكر إلى المعروف، فالخلل بنيوي وفي الأسس الأولية لما يسير عليه هؤلاء من عقائد ومعارف.10- الخلفية السياسية لهاتين النظريتين: فالمجبرة: التي تقول إن الله أجبر العبد على فعل المعصية تعطي الحق للسلطات الظالمة أن تفعل كل شيء مع شعوبها فتحبس وتعاقب كيف تشاء وأنى تشاء بل لها الحق أن تقتلها وتبيدها كما تفعل الحكومات الاستبدادية اليوم، فهذه الفئة تبرر الجرائم والإرهاب في العالم العربي والإسلامي، هذا على المستوى الاجتماعي، وأما على المستوى الفردي فكذلك فتبرر لهم ارتكاب المحرمات من شرب الخمور والزنا وغيرها وأنهم مجبورون عليها. والمفوضة: التي تقول إن الله خلق الخلق وفوض الأمور إليهم ولا يتدخل في شيء من ذلك، هذه عزلت المولى سبحانه عن سلطانه وأعطت السلطان والقوة والتدبير والأمر والنهي للناس وللسلطات الحاكمة يفعلون ما يشاؤون في هذه الأرض. وكلا الفئتين والنظريتين تساعد المستبدين في استبدادهم وتبرر للظلمة ظلمهم وقد روج لهما من يستفيد منهما في العصور الماضية. أما أهل البيت عليهم السلام فوقفوا منهما موقفاً سلبياً وأبطلوهما. الخطبة الثانية الإمام الرضا عليه السلام يكشف مخططات الغلاة، وموقفه منهم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ المائدة: 77 أمر الله نبيه أن ينهى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم فلا يرفعوا أنفسهم فوق الناس وأنهم أبناء الله أو أن المسيح ابن الله، كما نهاهم أن يتبعوا أسلافهم الذين اتبعوا أهواءهم وخالفوا وصايا أنبيائهم فضلوا وأضلوا أجيالاً وضلوا عن سواء السبيل عن الطريق المستقيم الذي هو الإسلام. وقف أئمة أهل البيت عليهم السلام من الغلاة موقفاً سلبياً ورفضوهم جملة وتفصيلاً، وكشفوا عقائدهم وممارساتهم المنحرفة عن الإسلام، ومنها وضعهم الأحاديث الكاذبة في التشبيه والجبر على لسان الأئمة ونقلوها بعنوان روايات عنهم، بينما أئمتنا كشفوا هذه المخططات لشيعتهم وحذروهم منهم أعظم تحذير، بالرغم من أن الغلاة كانوا يعلنون المحبة لأهل البيت والمودة لهم، سواء الذين ادعوا فيهم الربوبية أو وصفوهم بصفات مختصة بالله سبحانه وأخرجوهم عن حد البشرية، فأئمة أهل البيت عليهم السلام أعلنوا عداءهم لهم وأنهم يكيدون للإسلام. والرواية التالية تلقي الضوء عن هذا الموقف الصارم: فعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَنْسُبُونَنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ عَنْ آبَائِكَ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام. فَقَالَ: يَا ابْنَ خَالِدٍ أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ آبَائِيَ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام فِي التَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ أَكْثَرُ أَمِ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فِي ذَلِكَ؟. فَقُلْتُ: بَلْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ. قَالَ: فَلْيَقُولُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ بِالتَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ إِذاً؟. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لَمْ يَقُلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَإِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِ. قَالَ‏: فَلْيَقُولُوا فِي آبَائِي عليهم السلام إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَإِنَّمَا رُوِيَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ وَنَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. يَا ابْنَ خَالِدٍ إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّا فِي التَّشْبِيهِ، وَالْجَبْرِ، الْغُلَاةُ الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا، وَمَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا، وَمَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا، وَمَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا، وَمَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا، وَمَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا، وَمَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا، وَمَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا، وَمَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا، وَمَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا، وَمَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْنَا، وَمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا، وَمَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا، وَمَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا، وَمَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا، يَا ابْنَ خَالِدٍ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا فَلَا يَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً.[25] وعَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا يَقُولُ:‏ مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَمَنْ وَصَفَهُ بِالْمَكَانِ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ كَاذِبٌ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ‏﴾[26].[27] إن الغلاة من مختلف الفئات ممن تنتسب للشيعة أو السنة أو الأديان الأخرى لا تزال موجودة على قيد الحياة وتمارس أعمالها الإجرامية بمختلف الأساليب. إن أخبار الغلو والأحاديث الكاذبة والموضوعة على أهل البيت عليهم السلام سواء كانت في التشبيه أو الجبر أو الفضائل أو غيرها لا تزال موجودة في تراثنا كما أشارت إليها الرواية السالفة الذكر ونصت على بعضها صحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الإمام الرضا عليه السلام وغيرهما.

إن من يقوم بالتفرقة المذهبية وتمزيق الأمة الإسلامية والتعدي على مقدسات المسلمين ورموزهم بالسب والشتم واللعن والتكفير باسم أئمة أهل البيت عليهم السلام اعتمادا على الأخبار الموضوعة الكاذبة فهو ممن يُروج للغلو والغلاة ويحارب الشيعة والتشيع بل وأئمة أهل البيت عليهم السلام من حيث يعلم أو لا يعلم. إن بعض فضائيات الفتنة في برطانيا وأمريكا باسم التشيع هي من مصاديق الغلاة الذين يحاربون الله ورسوله وأئمة أهل البيت عليهم السلام، وعلى الشيعة في كل مكان وبالأخص الحوزات العلمية أن يعلنوا موقفهم منهم. كما على أهل السنة والحوزات العلمية لديهم أن يعلنوا موقفهم الصريح من فضائيات الفتنة والإعلام المضلل التي تمزق الأمة وتقضي على وحدتها وعزتها وكرامتها وقوتها، إن هؤلاء أبعد الناس عن الدين ومحبة الصحابة ومحبة أهل البيت عليهم السلام بل تحركهم السياسة التي تكيد للإسلام والمسلمين. دعاء الإمام الهادي عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِلَهِي تَاهَتْ أَوْهَامُ الْمُتَوَهِّمِينَ، وَقَصُرَ طَرْفُ الطَّارِفِينَ، وَتَلَاشَتْ أَوْصَافُ الْوَاصِفِينَ، وَاضْمَحَلَّتْ أَقَاوِيلُ الْمُبْطِلِينَ عَنِ الدَّرْكِ لِعَجِيبِ شَأْنِكَ، أَوِ الْوُقُوعِ بِالْبُلُوغِ إِلَى عُلُوِّكَ‏[28] ، فَأَنْتَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى‏[29]، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْكَ عُيُونٌ بِإِشَارَةٍ، وَلَا عِبَارَةٍ[30]، هَيْهَاتَ ثُمَّ هَيْهَاتَ يَا أَوَّلِيُّ، يَا وَحْدَانِيُّ، يَا فَرْدَانِيُ‏[31]، شَمَخْتَ فِي الْعُلُوِّ بِعِزِّ الْكِبْرِ، وَارْتَفَعْتَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ غَوْرَةٍ، وَنِهَايَةٍ بِجَبَرُوتِ الْفَخْرِ.[32]

—————————————————————————————————-
[1] أعيان الشيعة ج2 ص12 .
[2] عيون أخبار الرضا ج1 ص28 باب3 .
[3] عيون أخبار الرضا ج2 ص274 باب63 ح2 .
[4] الإرشاد ج2 ص247 .
[5] كشف الغمة ج3 ص53 .
6 إعلام الورى بأعلام الهدى ج 2 ص 40 للطبرسي طبع مؤسسة آل البيت ، عيون أخبار الرضا ج1 ص24 باب2.
[7] انظر كتاب التوحيد للشيخ الصدوق باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه وباب 5 وباب 59 وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق .
[8] انظر كتاب التوحيد للشيخ الصدوق الثاني منه ورواها الشيخ المفيد في أماليه في المجلس 30 .
[9] التوحيد (للصدوق) ؛ ص68 ح 23 باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه.‏
[10] لأن ولاية أهل البيت عليهم السلام من شروط التوحيد كما في حديث الرضا عليه السلام الذي ذكره الصدوق في كتاب التوحيد في الباب الأوّل فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
[11] ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد (للصدوق) ص46 ح 6 باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه‏.
[12] كذا راجع ص 377.
[13] التوحيد بشروطه من سائر الاعتقادات الحقة نصف الدين، والنصف الآخر العمل بما اقتضاه التوحيد، وقوله: «واستنزلوا- الخ» تنبيه على أن هم الرزق لا يشغلهم عن الدين وتحصيل معارفه فانه مقسوم بينكم مضمون لكم يصل اليكم من رازقكم، فإن قدر عليكم في بعض الأحيان فاستنزلوه واطلبوا السعة بالصدقة والإنفاق كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ﴾.
[14] التوحيد (للصدوق) ؛ ص68 ح 24 باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه‏.
[15] شرح توحيد الصدوق ص 358 .
[16] التوحيد (للصدوق)، ص: 96 باب 5 باب معنى التوحيد والعدل‏.
[17] قوله: «لم يطع باكراه» رد على الجبرية، وقوله: «لم يعص بغلبة» رد على القدرية، وفي نسخة (و) و (ط) و ن) «لم يطع بالإكراه».
[18] حاصل كلامه عليه السّلام: أنه تعالى قادر على كل شي‏ء ومالك كل شي‏ء حتّى إرادات ذويها فإنها بيده يمنع ويعطى فلا معنى لقول القدرية المفوضة، لكنه تعالى يخلى بين العبد وبين إرادته في مقام الطاعة فيفعل فيستحق، ويخلى بينه وبينها في مقام المعصية تارة ويحول أخرى بسلب مقدّمة من المقدمات الخارجية أو الداخلية، فإن حال فهو لطف من اللّه لعبده، وإن لم يحل وفعل العبد فإنما فعل بإرادته التي جعلها اللّه تعالى من حيث الفعل والترك بيده، لا أنّه تعالى أكرهه على ذلك، فليس على اللّه شي‏ء، إذ ليس من حقّ العبد على اللّه عزّ وجلّ أن يحول بينه وبين معصيته، فلا معنى لقول الجبرية.
[19] التوحيد (للصدوق)، ص: 361 باب 59 باب نفي الجبر والتفويض‏.
[20] التوحيد (للصدوق)، ص: 363 ح 10 باب 59 باب نفي الجبر والتفويض‏.
[21] التوحيد (للصدوق)، ص: 360 ح 4 باب 59 باب نفي الجبر والتفويض‏.
[22] سعته باعتبار مشيئة اللّه العامّة لكل شي‏ء في الوجود، فإن الجبرية ضيقوا مشيئته تعالى لأنهم يقولون لا تتعلق بمشيئة العبد لفعله إذ لا مشيئة له، والقدرية ضيقوها لأنهم يقولون لا تتعلق بها إذ العبد مستقل في مشيئته، ويرد قول الفريقين الحديث القدسي المشهور المروى عن النبيّ والأئمّة عليهم السلام: «يا ابن آدم بمشيئتى كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء» وقد مضى في الباب الخامس والخمسين.
[23] التوحيد (للصدوق)، ص: 360 باب 59 باب نفي الجبر والتفويض‏.
[24] ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد (للصدوق)، 1جلد، جامعه مدرسين – ايران ؛ قم، چاپ: اول، 1398ق.
[25] ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد (للصدوق)، ص: 364 رقم 12 باب 59 باب نفي الجبر والتفويض‏.
[26] النحل: 105.
[27] ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد (للصدوق)، ص: 69 ح 25 باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه.‏
[28] أي الوقوع عليك بسبب البلوغ إلى علوك، والوقوع بمعنى الوقوف والاطلاع.
[29] في نسخة (د) و (و) و (ب) «فأنت الذي لا يتناهى».
[30] «ولا عبارة» متعلق بمحذوف إذ لا يستقيم قولنا: ولم تقع عليك عيون بعبارة أو المراد بالعيون مطلق الإدراكات.
[31] ياءات النسبة للمبالغة، وفي نسخة (ب) و (د) «يا أزليّ».
[32] ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد (للصدوق) ؛ ص66 ح 19 باب 2 باب التوحيد ونفي التشبيه‏.

تعليق