2018.09.18

ماذا تعرف عن الأنس بالله عز وجل؟ / الشيخ عبدالجليل البن سعد

- Sayyed-alakwan | 2015.06.27

561651

إن شهر رمضان شهر الأنس الصادق، وكنز من كنوز برامج الأنس .. وعيشتنا فيه سبحة طويلة في بحر الأنس الدافئ !

ونحن سنقف على أهم مضامين هذا العنوان الرباني (وهو الأنس) حتى يكتمل الجواب على السؤال السابق أعني:

ماذا تعرف عن الأنس بالله تعالى ؟؟

إنه قد يأنس الإنسان بمكان وقد يأنس بإنسان وقد يأنس ببرنامج يومي يفعله باستمرار .. والسؤال هو:

هل كل مكان أنيس أم يحصل الأنس بالمكان حسب مميزاته ؟

هل كل إنسان تلقاه مؤانس لك .. أم هو الإنسان الأحب من غيره و المتفوق ببعض الكمالات؟

هل كل عادات أو برنامج نفعلها سوف يثمر الأنس ويمنع عنا الملل حتما .. أم خصوص ما يمكننا القيام به بيسر وما نجد فيه الراحة و الابتعاد عن الروتين والرسميات ؟

أريد أن أقول: هكذا هو الأنس بالله ” الذي لا إله إلا هو ” أو بما يرتبط به من شؤون، عندما نجعل أمكنته التي قدسها مميزة عندنا.. وعندما نرفع الأشخاص الذين أمر بحبهم و القرب منهم.. وعندما نهتم بالبرامج العبادية التي أرادنا أن نمارس اللهو الإيجابي فيها.. فهنا سوف نعيش الأنس معه سبحانه.

 

الأنس بالله تعالى طاقة:

يمكننا أن نتصور أن الأنس يمثل الطاقة أو يمنح الطاقة للإنسان ولنسرح مع حديث شريف يختزل المعنى كله: ” نهى الرسول صلى الله عليه وآله عن الوصال في الصيام وكان يوصل فقيل له في ذلك فقال إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني”.

ويقول الفيض الكاشاني: يعني أني أجد من الأنس بالله وحلاوة المخاطبة معه سبحانه ونيل المعارف والأسرار ما لا يجعلني أعطش أو أجوع !

وتعليقي أن هذا الحديث لا مُعَيّنَ له فيما ذكره طاب ثراه بل قد يصنف على خصائصه الجسمية والروحانية معا وذلك أن حاجة الجسم للماديات تعتمد حالة الاستهلاك وصرف الطاقة ومع عروج الروح إلى الملكوت وتعلقها بعز قدس الله سبحانه كما في الدعاء”وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك ” كأنما أحيل الجسم إلى التعطيل..

 

الأنس بأولياء الله سبحانه:

مهما ابتعد الانسان من شؤون الدنيا لأجل أن يتفرغ لله عز وجل فإنه لا يبتعد عن أوليائه، فالأنس بهم من الأنس به سبحانه؛ لأن ذكره يتجلى فيهم فقد أصبحوا كالمساجد محلا لإثارة الشعور بالأنس به جل وعلا؛ فكما أن دخول المسجد والمشاهد المشرفة والمواقف الكريمة مثيرا للشعور بالأنس فإن مجالس أولياء الله كذلك لأنهم المرشدون ويستفاد من بركاتهم والاستفاضة من خيرهم وعلى هذا التفسير يحمل ما جاء في الحث على الصحبة للمؤمن و زيارة الإخوان في الدين ..

 

الأنس والفطنة:

حديثان تسمعهما مني أولا لأعرفك على المعنى المقصود منهما ثانيا..

أحدهما يقول: “” الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم””.. والآخر يقول: “” ثمرة الأنس بالله الاستيحاش من الناس””!

أيها الأخوة المؤمنون إن اسم الناس لوحده لا يكفي للاستيحاش منهم ..أي أن هذا الحديث لا يأمرك أن تستوحش من الناس لأن اسمهم الناس.. بل كل المقصود هو أن من يتفطن إلى حال غالب الناس من الفقر المطلق الذي يظهر في النقص والضعف، و الذي يزداد حدة فيظهر الفقر في الانفلات والغفلة والغرور بالدنيا وغيرها من العناوين الموحشة بذاتها نعم من يلتفت إلى كل ذلك فسوف يستوحش من الناس؛ إذ بهذا يكون قد شعر ورأى فيهم الصفات الذميمة التي لو تجسدت في العالم الخارجي لكانت في صورة وحشية مخيفة !

ولأن المستوحش من طبعه اللجوء إلى الفرار ناحية الكمال أي أن من يتفطن بالناس سيستوحش منهم، ومن يستوحش منهم لنقصهم فمن الطبيعي أن يأنس بالله لكماله وغناه المطلق، والعكس في العكس فمن لم يسترع انتباهه ما عليه القيم من تآكل و هبوط بين يدي الناس فلن يشعر بفقد الله سبحانه .

وبالمناسبة دعونا نذكر أنفسنا بأمر..

إن من لا يفر من الناقصين أهلِ الأهواء والضلالِ ولا يفكرُ في تركهم اليومَ فسوف يندمُ في الغد ويتمنى أن لو لم يقترنْ بهم {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا }.

و من هو فلان هنا؟؟

إنه فلان الناقص.. فلان الضال.. فلان الفاقد لمقومات الإنسانية ومحققات العبودية!

وعلينا أن نعرف أيضا أن الخليل قد يكون قريبا مباشرا كالصديق والقرين، وقد يكون بعيدا غير مباشر ..

فمن يدمن على مغني، أو مطرب يزين الدنيا واللهو بأنغامه فقد اتخذه خليلا ..

ومن يوالي شيطانا من شياطين الإلحاد، أو النصب، أو الفسق، ولو كان شخصيةً في قديم التاريخ فقد اتخذه خليلا وستكون العاقبة هي الندم يوم القيامة!!

حاشا الأولياء من أهل الكمال (المعصومون) أو طلاب الكمال المتربون على علومهم(العلماء الملتزمون)، فكلا من هؤلاء يجوز بل يجب الأنس بهم والفرق بين الأنس بهم والأنس بالله العزيز المتعال هو ـــــ وكما قيل ـــــ ” أن الأنس بالله سبحانه طبع.. وأما الأنس بالخلق فعارض “.

 

الأنس بالله والأمن:

آخرهما : “” إنْ أو حشتهم الغربة آنسهم ذكرك”” أي رب..

أي أنهم يقاومون سجن الدنيا وأغلال البلاء بما يستأنسون به من ذكر الله بألسنتهم وجَنانهم.

وما هي الغربة في الدنيا؟؟

الغربة هي ما يظهر فيها من أمور غريبة كالجوع (الفقر)، أو الخوف(انعدام الأمن) فالواجد للأنس بالله لم يتغير عليه شيء، ومن تراه يفزع خارج المألوف ويجزع أكثر من اللازم فذلك من فقد الأنس بالله سبحانه !

يقول الصادق عليه السلام: “” ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه أنسا يسكن إليه حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش “”.

بل إن القلب الآنس لا يعرف الأشياء إلا بمعرفته لله الكريم.. حتى النعم والبلايا لا يفرق بينها لأن مصدرها واحد !

ونعما قيل: ” أن من كان نظره في وقت النعمة إلى المنعم لا إلى النعمة كان نظره عند البلاء إلى المبلي ـــــ الذي ابتلاه ـــــ لا إلى البلاء!”.

وهكذا يكون في كل حالاته متوجها إلى الله عز وجل ولعل هذا معنى من معاني قوله الأصدق: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}.

فهو يفرح عندما ينزل به الخير أنسا بالمنعم لا بالنعمة

ولا يأسى إن آسى قلبه على شيء إلا خوفا من البعد وانقطاع الأنس من قبل الله جبار السموات والأرض، ومن تعبيرات النبي الأكرم صلى الله عليه واله في ساعات البلاء: “” إلهي إن لم يكن بك سخط عليّ فلا أبالي””.

 

الأنس بالله في شهر رمضان:

وأنت أيها المؤمن استبدل كل ما به الأنس بغير الله، بالأنس به سبحانه..

لترى في نفسك نفسا تأنس بالحديث مع القرآن والدعاء كأنسها بالحديث مع الناس !

لتكن ببيوت الرحمن آنس منك بالاستراحات والجلسات عديمة الفائدة أو قليلة الفائدة !

وحاول جهدك أن تأنس بالصلاة قيامها وقعودها ركعوها وسجودها أنسك الذي كان بالنشاط والرتم اليومي.

ثم عليك أيها المؤمن بدلا مما اعتدته من إكرام النفس وخدمتها أن تأنس بالإحسان للآخر وإكرام القريب والبعيد من أهل لا إله إلا الله تعالى، كما أوصى الله ونطق به رسول الله صلى الله عليه واله.

تعليق