2018.04.23

شهر القرآن والدعاء / السيد منير الخباز

- Sayyed-alakwan | 2015.06.21

216541

أعوذ بالله من الشّيطان الغويّ الرّجيم

والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين

بسم الله الرّحمن الرّحيم

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [1]

صدق الله العليّ العظيم

 

في حديثنا حول الآيات المباركات نتناول عدّة نقاطٍ تتعلق بهذه المضامين العالية السّامية للقرآن الكريم:

النقطة الأولى:

قوله عزّ وجلّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، هذه الفقرة أصبحت مثارًا لاختلاف المفسّرين في تحديد معناها، وأنّه ما هو المراد مِنْ نزول القرآن في شهر رمضان المبارك، فهنا آراءٌ ثلاثة:
الرّأي الأول:

أنّ المراد به نزول أوّل القرآن، فإنّ أوّل القرآن – بحسب دعوى هذا المفسّر – نزل في شهر رمضان المبارك، ولكنّ هذه الدعوى تتنافى مع الأخبار المتواترة لدى المسلمين مِنْ أنّ أوّل ما نزل مِنَ القرآن الكريم نزل في السّابع والعشرين مِنْ شهر رجب المكرّم، ولم ينزل أوّله في شهر رمضان، وهناك مِنَ السّور ما لا يتناسب مع شهر رمضان المبارك، وهي السّور التي نزلت في أوّل القرآن، كقوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [2] وقوله عزّ وجلّ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [3] إلى آخر الآيات المباركات.
الرّأي الثاني:

أنّ المراد بذلك النّزول الدّفعي في مقابل النّزول التدريجي، بمعنى أنّ القرآن نزل مرتين: مرة نزل دفعة واحدة بتفاصيله وألفاظه وآياته وسائر سوره، نزل دفعة على النبي، ثم نزل مرة أخرى تدريجًا على النبي محمّدٍ ، هذا الرّأي أيضًا يلزم منه اللغويّة، ومعنى ذلك: هناك كثيرٌ مِنَ الآيات القرآنيّة تعالج قضايا خارجيّة، فلا معنى لنزولها مرتين وهي تعالج قضيّة خارجيّة، مثلاً:

1/ قوله عزّ وجلّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [4] .

2/ أو قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [5] .

3/ أو قوله عزّ وجلّ مثلاً: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [6] .

أو الآيات النّاسخة والمنسوخة، مِنَ اللغو نزول هذه الآيات التي تتحدّث عن قضيّةٍ خارجيّةٍ أنْ تنزل قبل وقوعها ثم تنزل وقت وقوعها، هذا مستلزمٌ للغو، فليس المراد بالنّزول في شهر رمضان المبارك هو نزول الآيات والسّور كلها دفعة واحدة على النبي ثم نزولها مرة أخرى عليه بنحوٍ تدريجي، وبعضها مرتبط ارتباطا محضًا بقضايا خارجيّةٍ وقعت في ظروفها ووقعت في زمانها المحدّد لها.
الرّأي الثالث «وهو الصّحيح»:

هناك فرقٌ بين النّزول الإلهامي والنّزول الوحيي، يعني: هناك فرقٌ بين الوحي وبين الإلهام، نحن نتحدّث عن النّزول الوحيي أولاً ليتضح معنى النّزول الإلهامي، النزول الوحيي بمعنى أنّ القرآن أوحِيَ إلى النبي صوتًا وصورةً وشكلاً، هذا إيحاءٌ، أوحِيَ إلى النبي القرآنُ صوتًا ولفظًا وصورة وشكلاً، نزول القرآن على نحو الوحي هو الذي استغرق ثلاثًا وعشرين سنة تقريبًا، هذا النزول الوحيي اتّسم بصفاتٍ ثلاثٍ:
الصّفة الأولى: التّفصيل.

القرآن الكريم يقسّم مراحلَ القرآن، يقول: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [7] إذن الآيات ما اتخذت منهجًا واحدًا مِنْ أول يوم، لا، مرّت بمرحلتين: أحْكِمَت ثم فصّلت، التّفصيل هو الذي ارتبط بالنّزول الوحيي، بمعنى أنّ القرآن كان آياتٍ عامّة كليّة ثم مِنْ هذه الآيات العامّة الكليّة انبثقت آيات تتعلق بالحوادث وتتعلق بالظروف وتتعلق بالمستجدات وتجيب عن الأسئلة والاستفتاءات:

1/ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [8] .

2/﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [9] .

3/ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [10] .

وهكذا… فهناك آياتٌ عامّة كليّة تعالج مضامينَ عامّة، مِنْ هذه الآيات العامّة انبثقت الآيات التي تجيب عن الأسئلة وتعالج مسائلَ ومشاكلَ مستجدّة ومتغيّرة، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [11] ، إذن الصّفة الأولى للنزول الوحيي هي التفصيل.
الصّفة الثانية للنزول الوحيي هي: العربيّة.

القرآن لم يكن بلغةٍ ثم تحوّل إلى لغةٍ، لاحظوا القرآن الكريم كيف يتحدّث عن نفسه: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾يعني: لم يكن قرآنًا عربيًا، جعلناه قرآنًا عربيًا، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ – يعني: قبل أنْ يصبح قرآنًا عربيًا كان في أمّ الكتاب – وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [12] ، «عليٌ» يعني: لا تناله العقول، «حكيمٌ» يعني: آياته محكمة غير مفصّلة، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ – قبل أنْ نجعله قرآنًا عربيًا – وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
الصّفة الثالثة التي اتّسم بها النزول الوحيي: الفرقان.

ما كان القرآنُ فرقانًا ثم صار فرقانًا، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [13] ، ما هو معنى الفرقان؟

الفرقان هو الذي يفرق بين الحقّ والباطل، يميّز الصّحيح مِنَ الخطأ، ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [14] يوم الفرقان يوم بدر كان يومًا فارقًا بين الحقّ والباطل، الفرقان هو الفارق بين الحقّ والباطل، كيف اتصف القرآنُ بالفرقان؟

عندما تعدّدت أساليبه، يعني: القرآن لم يكن ذا أساليبَ متعدّدةٍ ثم تحوّل إلى أساليبَ متعدّدةٍ، حيث قال تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ «الحكمة يعني: البرهان العقلي» وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ «يعني: الخطاب العاطفي» وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «يعني: الحوار المؤثر في الآخرين»﴾ [15] ، تعدّدت الأساليب، القرآن استخدم عدّة أساليب لإصلاح هذا الإنسان.

1/ خاطب عقله عندما قال له: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [16] .

2/ خاطب عقله عندما قال له: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [17] .

هذا خطابٌ عقليٌ، هذه براهينُ عقليّة تسمّى بالحكمة.

وأحيانًا يتحدّث بالخطاب العاطفي، يخاطب المشاعر، يخاطب العواطف:

1/ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [18] .

2/ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [19] .

3/ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [20] .

كلّ هذه الآيات تخاطب مشاعرَ الإنسان وعواطفَ الإنسان، وهذا يسمّى بالموعظة الحسنة.

وهناك قسمٌ ثالثٌ مِنَ الأساليب وهو أسلوب الحوار المؤثر:

1/ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [21] .

2/﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [22] .

هذه آيات حوار، حوار مؤثر فيمن لا يصغي إلا إلى لغة الحوار ولا يتأثر إلا بلغة الحوار.

إذن من خلال هذه الأساليب الثلاثة اتصف القرآنُ بالفرقان؛ لأنّه تعدّدت أساليبه التي تفرق بين الحقّ والباطل، فاتصف القرآن بالفرقان.

فالنزول الوحيي الذي استمر ثلاثًا وعشرين سنة اتصف بالتفصيل، اتصف بالعربية، اتصف بالفرقان، اتصف بالصّفات الثلاث، قبل هذه المرحلة – مرحلة النّزول الوحيي الذي اتصف بالصّفات الثلاث – كان القرآنُ نازلاً نزولاً إلهاميًا، يعني: ألْهِمَ النّبيُ حقائقَ القرآن، كان القرآن مجموعة مِنَ الحقائق، لم يكن متصفًا بالتفصيل، لم يكن متصفًا بالعربية، لم يكن متصفًا بالفرقان، كان مجموعة مِنَ الحقائق ألهم بها قلبُ النبي المصطفى ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [23] ، فنزول القرآن في ليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [24] ، نزول القرآن في شهر رمضان ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [25] ، نزول القرآن كان نزولاً إلهاميًا على قلب النبي المصطفى محمّدٍ وكان مجموعة مِنَ الحقائق، ولذلك خاطبه الله تبارك وتعالى، قال له في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [26] يعني: هو كان عندك إلهامًا، الآن صار وحيًا، يوحى إليك صوتًا وصورة ولفظًا وحروفًا، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا – أنت الآن سوف تستمع إلى صوتٍ وحروفٍ وألفاظٍ – إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [27] يعني: القرآن خضع لمرحلة بيان، وخضع لمرحلة قرآن، وخضع لمرحلة جمع، كلّ هذه المراحل كانت مِنَ القسم الوحيي، مِنَ النزول الوحيي، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، هذا ما يتعلق بالنقطة الأولى وهي قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

النقطة الثانية:

قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، ما هو الفرق بين قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ وبين قوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾؟ هدى وبيّانات مِنَ الهدى! ما هو الفرق بينهما؟ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.

الناس «المجتمع» على قسمين: قسم يسمّى طبقة منتظرة – تعبير بعض علماء الاجتماع – هناك طبقة منتظرة وهناك طبقة ناظرة، ما هو الفرق بين الطبقة المنتظرة والطبقة الناظرة؟

1 – الطبقة المنتظرة:

هي الأعمّ الأغلب مِنَ النّاس، وهي الطبقة التي لا تفكّر إلا بعاطفتها، لا تفكّر بعقلها، تستخدم العاطفة في التفكير، هذه طبقة منتظرة، الطبقة العامّة مِنَ الناس طبقة منتظرة، تفكّر مِنْ خلال العاطفة، فهي دائمًا دورها دور ردّة الفعل، يعني: تنتظر فعلاً حتى تتفاعل معه، الطبقة العامّة مِنَ الناس راكدة منتظرة مستقرة، إذا هبّت حركات أو أفعال على المجتمع تفاعلت معها، وإلا فهي صامتة ساكتة، الطبقة العامّة مِنَ الناس تسمّى منتظرة؛ لأنّها دورها دور ردة الفعل، وعقلها عقلٌ عاطفيٌ يتحرّك ويتفاعل مِنْ خلال نداء العاطفة، هذه الطبقة مِنَ الناس لا يمكن أنْ يؤثر فيها البرهانُ العقلي؛ لأنّ عقلها كامنٌ في عاطفتها، فهذه الطبقة مِنَ الناس تحتاج إلى هدى لا إلى بيّناتٍ من الهدى، ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ يعني: الطبقة العامّة مِنَ الناس – التي هي الطبقة المنتظرة – لأنّ عقلها في عاطفتها فهي لا تتأثر بالبيّنات ولا تتأثر بالبراهين العقليّة وإنما تتأثر بالموعظة، تتأثر بخطاب العاطفة، تتأثر بنداء المشاعر، لذلك فما يخصّها مِنَ القرآن هو الهدى لا البيّنات مِنَ الهدى، فالأساليب التي استخدمها القرآنُ مِنْ أساليب الوعظ والعاطفة والترغيب والترهيب مؤثرة في هذه الطبقة مِنَ الناس، توجب فيهم الهدى، لاحظوا القرآنَ الكريمَ كيف يقسّم الناسَ إلى طبقتين، يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ – من هو الذي يعقلها؟ ليس الناس – وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [28] ، الطبقة الثانية هي طبقة ناظرة.

2 – الطبقة الناظرة:

هي الطبقة التي تتأمّل، تتدبّر، تستخدم عقلها وفكرها في تحليل الأمور وفي تحليل القضايا وفي تحليل الأوضاع، هذه الطبقة الناظرة هي التي عبّر عنها: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [29] ، إذن هذه الطبقة الناظرة تحتاج إلى ماذا؟ إلى أسلوبٍ آخر، وهو: ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ البيّنات الحجج القاطعة الواضحة، هذه الطبقة الثانية تحتاج إلى أسلوب البرهان، تحتاج إلى بيّناتٍ مِنَ الهدى والفرقان، لذلك صنّف الأسلوبَ، قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ لقسم آخر مِنَ الناس، لطبقة أخرى مِنَ الناس.

ثم فرّع عليه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ «شهد» يعني: كان حاضرًا لا مسافرًا، ليس «شهد» يعني: رأى الهلال، لا، «شهد» يعني: كان حاضرًا غير مسافرٍ، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يعني: النقص الذي حدث في رمضان، إذا إنسان سافر خمسة أيام نقص مِنَ الشهر كم؟ خمسة أيام، يكمله بعد شهر رمضان، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

النقطة الثالثة:

نلاحظ أنّ الله تبارك وتعالى بعد أنْ تحدّث عن شهر رمضان أردفه بالدّعاء، قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فالحديث عن الدّعاء جاء بعد الحديث عن شهر رمضان المبارك، ممّا ينبئ ويرشد إلى أنّ شهر رمضان هو شهر الدّعاء، هو شهر التضرّع إلى الله، هو شهر العروج إلى الله، لا شهر الاشتغال بالدّنيا، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، نتحدّث هنا عن ثلاثة أسئلة نجيب عنها:

السّؤال الأوّل: ما هي ماهيّة الدّعاء؟

والسّؤال الثاني: ما هو سرّ الحاجة إلى الدّعاء؟

والسّؤال الثالث: ما هو الميزان في استجابة الدّعاء؟

ثلاثة أسئلة نجيب عنها.

السّؤال الأوّل: ما هي ماهيّة الدّعاء؟ ما هو الدّعاء؟

علماء العرفان يقولون: لكلّ شيءٍ حقيقة ورقيقة، ما هو الفرق بين الحقيقة والرّقيقة؟

نمثّل بالإنسان: هذا الإنسان الذي أنت تتعامل معه، هذا الإنسان رفيقك، صديقك، أبوك، ولدك، أخوك… هذا الإنسان الذي أنت تتعامل معه، هذا الإنسان له حقيقة، ما هي حقيقته؟ أنّه عاقلٌ مفكّرٌ يملك مشاعرَ وعواطفَ، هذا يسمّى بالإنسان، مَنْ ملك عقلاً وعاطفة فهو إنسانٌ، هذه حقيقته، لكن ما هي رقيقته؟ الرّقيقة هي اللغز الذي وراء الحقيقة، هي الجوهر الذي وراء هذه الحقيقة، هذه الحقيقة تكشف عن جوهرٍ أسمى وأعلى مِنْ هذه الحقيقة، ما هو الجوهر الذي وراء هذا الإنسان؟ أنا أمامي إنسانٌ عاقلٌ، ولكن ما هو الجوهر الذي وراءه؟

الجوهر الذي وراءه يحدّده الإمامُ أميرُ المؤمنين عليٌ عليه السّلام: ”قيمة كلّ امرئٍ ما يحسنه“، ما هو إنجازه؟ إنجازه هو حقيقته، ما هو إنجازه؟ ”قيمة كلّ امرئٍ ما يحسنه“ حقيقته أنّه عاقلٌ ذو عاطفةٍ، رقيقته هو إنجازه، ماذا ينجز؟ ينجز فكرًا؟! ينجز خرافاتٍ؟! ينجز أساليبَ عمليّة ناجحة؟! ينجز أساليبَ عمليّة فاشلة؟! ”قيمة كلّ امرئٍ ما يحسنه“، رقيقة الإنسان هو الجوهر الذي وراء حقيقته، ولذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: ”المرء مخبوءٌ – أين؟ – تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه“.

دخل على الإمام الشّافعي رجلٌ صاحبُ عمامةٍ كبيرةٍ وصاحبُ لحيةٍ ضخمةٍ، وكما يقول الإيرانيون: صمداني! يعني: مَنْ يراه يظنّه شيئًا عظيمًا! وجلس بين يديه، وكان الإمامُ الشافعي يعاني ألمًا في رجليه، كان مادًا رجليه قبل دخول هذا الرّجل الصّمداني، فلمّا رآه ثنى رجليه احترامًا له وإكرامًا لدخوله، وانتظر هو أنْ يتكلم لأنّ ”المرء مخبوءٌ تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه“، انتظره يتكلم، فتكلم وقال: متى تجب صلاة الظهر؟ قال: إذا دخل وقت الزّوال، قال: وإذا لم يدخل وقتُ الزّوال؟! قال: إذا لم يدخل فليمدّ الشافعي رجليه!!

إذن ”المرء مخبوءٌ تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه“، هذه هي رقيقة الحقيقة التي يتغطى الإنسانُ بها ويختبئ الإنسانُ من خلالها، أيضًا الدّعاء، العبادة لها حقيقة ولها رقيقة، لاحظوا الحديث النبوي تكلم بدقةٍ عن هذا المعنى، قال: ”الدّعاء مخّ العبادة“، يعني: الدّعاء هو رقيقة العبادة، العبادة حقيقة رقيقتها الدّعاء، كيف؟

العلماء يقولون: العبادة هي الخضوع التذللي، الصّلاة خضوعٌ تذلليٌ، الرّكوع خضوعٌ تذلليٌ لله، السّجود خضوعٌ تذلليٌ، الصّيام خضوعٌ تذلليٌ، الحجّ خضوعٌ تذلليٌ.. كلّ عملٍ يمثل الخضوع التذللي لله عزّ وجلّ فهو عبادة، لكن مخّ هذه العبادة كلها، رقيقة هذه الحقيقة كلها هي الدّعاء، الدّعاء إظهار المملوكيّة لله، معنى الدّعاء أنْ أظهر أنّني رقٌ مملوكٌ محضٌ لله عزّ وجلّ، الدّعاء ليس كلامًا يقال، الدّعاء ليس حروفًا تنطق، ليس لقلقة شفهيّة، الدّعاء إحضارُ وإظهارُ المملوكيّة لله عزّ وجلّ، الإنسان أثناء الدّعاء يمثّل نفسه بالمصباح، هذا المصباح لا يستغني عن الطاقة الكهربائيّة أبدًا، في كلّ آنٍ، في كلّ لحظةٍ، كما يعبّر الفلاسفة: هو محتاجٌ للطاقة حاجة ذاتيّة لا حاجة حدوثيّة، إنّما هو محتاجٌ إليها حاجة ذاتيّة، ذاته بالطاقة، ذاته متقوّمة بالطاقة، لو انفصلت عنه الطاقة لحظة ما انتهى، الإنسان بالنسبة إلى الله هكذا، أنا بالنسبة إلى الله حاجة محضة وفقرٌ محضٌ وتعلقٌ محضٌ فأنا في كلّ آنٍ أنا أحتاج إلى مدده، أحتاج إلى قدرته، أحتاج إلى لطفه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، إشعار الإنسان نفسه بأنّه حاجة وفقرٌ محضٌ لله أثناء الدّعاء هذه هي رقيقة العبادة، الدّعاء إظهار المملوكيّة والرّق المحض لله تبارك وتعالى، هذه هي حقيقة الدّعاء.

ولذلك الآية بدأت بالعباد، قالت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ لم تقل: وإذا سألك الناس، لم تقل: وإذا سألك الخلق، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾ عبّرت بالعباد، لماذا؟ لأنّ الدّعاء هو إظهار العبوديّة والمملوكيّة، فمقتضى أنّ الدّعاء إظهار العبوديّة والمملوكيّة أنّ الذي يسأل عن الدّعاء هم العباد لا كلّ الناس، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، هذا السّؤال الأول: ماهية الدّعاء.

السّؤال الثاني: ما هو وجه الحاجة إلى الدّعاء؟

هل نحن محتاجون إلى الدّعاء؟ ربّما يقول شخصٌ: لا! لسنا محتاجين! نحن نصلي ونصوم دَعَوْنَا أو لم ندعُ! والقنوت أصلاً في الصّلاة أصلاً أمرٌ مستحبٌ، فلو أنّ إنسانًا لم يقنت في الصّلاة فأيضًا صلاته صحيحة، فنحن لسنا محتاجين إلى الدّعاء! ما هو وجه الحاجة إلى الدّعاء؟!

نحن نركّز على حاجتين أساسيتين للدّعاء:

الأولى: الحاجة إلى قراءة الذات.

كثيرٌ منا مشغولٌ بقراءة الغير، كثيرٌ منا يسمّى ناقدًا، هذا فلانٌ ناقدٌ فكريٌ، فلانٌ ناقدٌ أدبيٌ، فلانٌ ناقدٌ اجتماعيٌ.. يعني ماذا؟! مشغولٌ بالغير، مشغولٌ بنقد غيره، هذا الإنسان مستعدٌ أنْ يتحدّث عن عيوب المجتمع وأخطاء المجتمع بملايين مِنَ الكلمات، لكنه هل هو مستعدٌ لحظة واحدة أنْ يقول: أنا أخطأت، أنا ارتكبتُ خطأ، أنا ارتكبتُ ذنبًا، أنا ارتكبتُ جريمة؟! هل هذا الإنسان مستعدٌ أنْ يقرأ ذاته قبل أنْ يقرأ غيره؟! الدّعاء عودة إلى الذات، هذا الإنسان المشغول بغيره الدّعاء يعيده إلى ذاته، الدّعاء يجعله يقرأ ذاته، اقرأ ذاتك، عيوبَك، أخطاءَك، جرائمَك، فوادحك… اذكرها بلسانك لا بقلبك، اذكر أخطاءك تفصيلاً بلسانك، جرائمك تفصيلاً بلسانك، هذا الاعتراف وهذا الإقرار عودة إلى الذات لقراءتها، هذا في نفسه يحتاج إليه الإنسان، الإنسان الذي هو مشغولٌ بغيره لن يتغيّر، سوف يبقى في لجّةٍ مِنَ الأخطاء، سوف يبقى في الوحل الذريع مِنَ الأخطاء الشنيعة، فهو محتاجٌ حتى ينقذ نفسه مِنْ وحل الأخطاء إلى أنْ يقرأ ذاته، والدّعاء طريقٌ لقراءة الذات، اقرأ ذاتك، ورد عن النبي : ”رحم اللهُ عبدًا اشتغل بعيوبه عن عيوب النّاس“.
لسانُكَ لا تذكرْ به عورة امرئٍ

وعينك إنْ أبدتَ إليكَ مساوئًا                فكلكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ

فصنها وقل: يا عينُ للناسِ أعينُ

إذن ركّز على قراءتك لذاتك مِنْ أجل أنْ تصلحها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [30] إذا ركّزتم على إصلاح عيوبكم وعلى قراءة ذواتكم، فالدّعاء قراءةٌ للذات، ولذلك نرى الإمام زين العابدين عليه السّلام يركّز على الاعتراف، نقطة الاعتراف مهمّة، أنْ تجلس أنت في الليل وتعترف، أنا فعلاً صنعتُ الذنبَ الفلاني، ربّما يقول قائلٌ: هل أنا مجنونٌ لأتحدّث مع نفسي؟! لا، هذا الحديث يصوّرك صغيرًا حقيرًا، هذا الحديث يرجعك، أنت تتصوّر نفسك كبيرًا! أنت تتصوّر أنّك أصبحتَ كبيرًا وأنت منفوخٌ نفخًا ماديًا دنيويًا! إذا جلست واعترفتَ بأخطائك أمام ربّك بدا لك صِغَرُ نفسك وخسّتها وحقارتها وأنّها لرداءتها وأنّها لسوء إدارتها لشؤونها ترتكب أخسّ الأخطاء وأخسّ الذنوب وأخسّ الرّذائل، ارجع لنفسك واقرأ ذاتك، هذه هي الحاجة الأولى.

الحاجة الثانية: إذابة الغرور.

الإنسان مغرورٌ، القرآن الكريم يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [31] ، متى يشعر بالحاجة؟ إذا أصابته مصيبة، قبل أنْ تصبه مصيبة لا أحد يستطيع تكليمه! إذا هو موظفٌ كبيرٌ وقاعدٌ على ذلك الكرسي وأمامه الطاولة ويتحكّم في الموظفين فهذا لا أحد يستطيع أنْ يكلمه! يطغى ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، بمجرّد أنْ يصيبه حدثٌ، بمجرّد أنْ تصيبه آفة، آفة في بدنه والعياذ بالله، آفة في رزقه والعياذ بالله، آفة في أولاده والعياذ بالله، آفة في علاقاته الاجتماعيّة.. بمجرّد أنْ يشعر بالنقص بدأ يرجع، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [32] ، طبيعة الإنسان أنّه مغرورٌ بالنعمة، إذا حصل على النعمة استرخى واغترّ بالنعمة وظنّ أنّها باقية دائمة، ونتيجة غروره بالنعمة يطغى ويبغي ويظلم ويعتدي ولا يفكّر ولا يشعر بالحاجة إلى ربّه إلا إذا أصيب بالنقص.

ولذلك ورد في الحديث الشريف عن النبي محمّدٍ : ”عبدي تعرّف إليّ في الرّخاء أعرفك في الشدّة“، دعني أسمع صوتك في الوقت الذي أنت فيه عظيمٌ، في الوقت الذي أنت فيه صاحبُ نعمةٍ كبيرةٍ، دعني أسمع صوتك حتى أعرف أنّك تخضع إليّ، تشعرني بالعبوديّة والمملوكيّة، ”تعرّف إليّ في الرّخاء أعرفك في الشدّة“ فإذا أصابتك شدة – كما ورد في الحديث – قالت الملائكة: إنّ هذا الصّوت لا نعرفه، يعني: للتو صرنا نسمعه، يوم صارت عنده شدّة الآن سمعناه، إذا راحت الشدّة يرجع إلى ما كان، ”تعرّف إليّ في الرّخاء أعرفك في الشدّة“، الإنسان مغرورٌ بالدّنيا، مغرورٌ بالنعمة، مشغولٌ بها مِنْ قرنه إلى قدمه.

إذا أنجز الماجستير فكّر في الدّكتوراه، وتشغله الدكتوراه عن كلّ شيءٍ، عن عبادته وعن صلاته وعن دعائه وعن وعن.. إذا أنجز مشروعًا تجاريًا فكّر في المشروع الذي بعده وشغله المشروعُ الثاني عن كلّ شيء، إذا أنجز شيئًا خطط للشيء الذي بعده، لا بأس بالتخطيط ولا بأس بالإنجازات ولكن لا تقطعك الدّنيا عن دعائك وعن صلاتك وعن علاقتك بربّك، ليست الحياة كلها شغلاً ومادة وأموالاً، الحياة طريقٌ إلى القبر، طريقٌ إلى الموت، طريقٌ إلى الآخرة، طريقٌ إلى النهاية، ليست الحياة كلها مشاريع وإنجازات، لا، الحياة أيضًا دعاءٌ وكلماتٌ وصلواتٌ وتضرعاتٌ وابتهالاتٌ، الدّنيا مسجد أحبّاء الله ومصلى أولياء الله، الدّنيا كما هي ”حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة“ هي ”مزرعة الآخرة“، إذن لا تغتر بالحياة، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [33] ، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [34] .

ووقف الإمامُ أمير المؤمنين عليٌ عليه السّلام على أهل السّوق فرآهم مشغولين بالتجارة فبكى وقال: ”يا عبيد الدّنيا وعمّال أهلها، إذا كنتم بالنهار تحلفون «مشغولين»، وبالليل تنامون، وما بين ذلك أنتم غافلون، فمتى تهيئون الزادَ وتفكّرون في المعاد؟!“ متى؟! متى تلتفت أنّ المصير ينتظرك؟! متى تلتفت أنّ القبر ينتظرك؟! متى تلتفت أنّ الآخرة تنتظرك؟! متى؟! ”فمتى تهيئون الزاد وتفكّرون في المعاد؟!“، الطريق إلى إذابة الغرور، إلى إذابة الغفلة، الطريق إلى تحسيس الإنسان بمصيره الدّعاء، الدّعاء يذيب الغرورَ.

إذا رجعت وجلستَ أمام الله وقلتَ: ”أنا الذي أذنبتُ، أنا الذي أخطأتُ، أنا الذي جهلتُ، أنا الذي عملتُ، أنا الذي اعتمدتُ، أنا الذي تعمّدتُ، أنا.. أنا.. أنا…“ الإمام زين العابدين يكرّرها في دعاء أبي حمزة: أنا.. أنا.. أنا… كل ذلك مِنْ أجل إذابة الغرور، مِنْ أجل إذابة الغفلة، من أجل إعادة هذا الإنسان إلى أنْ يفكّر في مصيره، ”وما لي لا أبكي؟!“ هل البكاء عيبٌ؟! هل البكاء ضعفٌ؟! هل البكاء نقصٌ؟! لا، البكاء الذي يمتزج بالدّعاء بكاءٌ يذيب الغرورَ ويزيل الغطرسة ويعيد الإنسانَ إلى النقطة التي بدأ منها وانطلق منها، ”وما لي لا أبكي ولا أدري إلى أين مصيري؟! وقد خفقت عندي رأسي أجنحة الموت، وما لي أبكي؟! أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكرٍ ونكيرٍ إياي، أبكي لخروجي مِنْ قبري عريانَ ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري“.

فنحن نحتاج إلى الدّعاء، حاجتنا لقراءة ذواتنا، حاجتنا لإذابة الغرور والغطرسة والغفلة التي هي حجابٌ عن النور وعن العطاء وعن الوصول إلى الله تبارك وتعالى.

السّؤال الثالث: ما هو الميزان في استجابة الدّعاء؟

الميزان أنْ تدعوه لا أنْ تدعو غيرَه، قال تبارك وتعالى: ﴿ادْعُونِي﴾، إذا صار الدّعاءُ لي أنا فتصبح هنالك استجابة، أمّا إذا الدّعاء معي ومع غيري لا يفيد، ﴿ادْعُونِي﴾ أنا، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[35] ، ميزان الاستجابة أنْ تدعوني، ورد عن النبي : ”مَنْ أعطى ثلاثًا أعْطِيَ ثلاثًا: مَنْ أعطى الشكرَ أعْطِيَ الزيادة، مَنْ أعطى التوكّل أعْطِيَ الكفاية، مَنْ أعطى الدّعاءَ أعْطِيَ الإجابة“ أي دعاءٍ؟! دعائي أنا، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولذلك قال في الآية المباركة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ – متى؟ – إِذَا دَعَانِ﴾ ميزان الاستجابة أنْ يدعوني، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ كثير مِنَ الناس داعٍ، يدعو لكن لا يدعوني أنا، كلٌ منّا يدعو في صلاته لكن هل هو يدعو ربّه أم لا؟ هذه نقطة حقيقية، كثيرٌ منّا داعٍ لكن هل يدعوني أنا؟! ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ميزان الاستجابة دعاؤه، وكيف دعاؤه؟

بمعنى أنْ تنقطع عن كلّ الأسباب وتعتقد ألا أثر إلا منه تبارك وتعالى فقط، إذا انقطعتَ عن الأسباب كلها وعن الوسائل الماديّة كلها وعن جميع هذه الأدوات الماديّة واعتقدتَ بألا سبب ولا مؤثر إلا هو، لا فقط كلام نقوله، ربّما يقول قائلٌ: أنا أيضًا أعتقد هكذا! هذا الكلام كلنا نقوله، لكن هل وصل هذا الاعتقاد إلى الشّعور الوجداني: أنْ يشعر الإنسانُ أنّ شرب الدّواء سببٌ ماديٌ لكنّ سببيته ترجع إلى من؟ إلى الله، أنّ المشي والحركة وجميع الأدوات والآليات الماديّة التي نمارسها لا سببيّة لها إلا منه تبارك وتعالى، وأنّ السّببيّة الحقيقيّة في كلّ شيء منه تبارك وتعالى، إذا اعتقد الإنسانُ ألا مُخَلِّصَ ولا سبب ولا أثر إلا منه، إذا انقطع إليه انقطاعًا تامًا فقد دعاه، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

فعلينا أنْ نستغلّ فرصة الشّهر المبارك، أنْ نستغلّ هذا الموسم الثمين، أنْ نستغلّ هذا الوقت الغالي، أنْ نستغلّ هذه الفرصة التي إذا ضاعت ضاعتْ منا حياة وضاعت منا أعوامٌ وضاعت منا عشراتٌ مِنَ السّنين، شهرٌ واحدٌ نقضيه في الدّعاء، دعاء أبي حمزة، أدعية الشّهر المبارك، مع قراءة القرآن، نعمر قلوبنا بالنّور، نعمر قلوبنا بالرّحمة، نعمر قلوبنا بأنْ تصبح قطعًا بيضاءَ طاهرة ناصعة ترمق إليها الملائكة وتظلل عليها الملائكة، إذا وصلت قلوبُنا إلى هذه الدّرجة ترمقها الملائكة، تظللها الملائكة، تمدّها الملائكة، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [36] ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [37] ، إذا تعطرت قلوبُنا بالدّعاء تأيّدت بروحٍ منه تبارك وتعالى، فلنغتنم شهرَ الدّعاء في الدّعاء، ولنغتنم شهرَ القرآن في قراءة القرآن، ولنغتنم شهرَ الله في العودة والرّجوع والإنابة إلى الله تبارك وتعالى، كما ورد عن النبي : ”لقد جاءكم شهرُ الله بالرّحمة والبركة، شهرٌ دعيتم فيه إلى ضيافة الله، أنفساكم فيه تسبيحٌ، ونومكم فيه عبادة“.

نسأل الله تبارك وتعالى أنْ يوفقنا لصيامه وقيامه في لياليه وأيامه، وأنْ يجعله فرصة لنا لغفران ذنوبنا، والتكفير عن سيئاتنا، وتنقيتنا وتطهيرنا مِنَ الذنوب والرّذائل والمعاصي، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ، اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمّة، اللهم فرّج عن أمّة النبي ، اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، واخذل الكفارَ والمنافقين، وانصر إخواننا في كلّ مكان وخصوصًا في البحرين، اللهم ادفع عنهم كيدَ أعدائهم يا ربّ العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، وارحم أمواتنا وأموات المؤمنين والمؤمنات، وإلى أرواح أموات الجميع بلغ ثوابَ الفاتحة تسبقها الصّلواتُ.

—————————————————————
[1] البقرة: 185 – 186.
[2] المدثر: 1 – 2.
[3] العلق: 1 – 2.
[4] المجادلة: 1.
[5] الأحزاب: 37.
[6] الجمعة: 11.
[7] هود: 1.
[8] البقرة: 189.
[9] الكهف: 83.
[10] الإسراء: 85.
[11] الأعراف: 52.
[12] الزخرف: 1 – 4.
[13] الفرقان: 1.
[14] الأنفال: 41.
[15] النحل: 125.
[16] الأنبياء: 22.
[17] يس: 78 – 82.
[18] الانفطار: 6.
[19] الانشقاق: 6.
[20] عبس: 17.
[21] آل عمران: 64.
[22] الطور: 35.
[23] الشعراء: 193 – 194.
[24] القدر: 1.
[25] الدخان: 1 – 3.
[26] طه: 114.
[27] القيامة: 16 – 19.
[28] العنكبوت: 43.
[29] محمد: 24.
[30] المائدة: 105.
[31] العلق: 6 – 7.
[32] العنكبوت: 65.
[33] الإسراء: 83.
[34] الانفطار: 6 – 8.
[35] غافر: 60.
[36] البقرة: 87.
[37] المجادلة: 22.

تعليق