2017.12.14

نسيم الموت يطفئ الشمعة / سماحة الشيخ عبدالجليل ابن سعد

- Sayyed-alakwan | 2015.06.10

o8rz2ha1

سماحة الشيخ عبدالجليل ابن سعد : نسيم الموت يطفئ الشمعة كلمات الأسف والأسى لفقد العالم الجليل الشيخ محمد مهدي الآصفي قد سره

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة وهادي الأمة وعلى آله الخالفين له بالحق ورحمة الله وبركاته.

ليس وفرة الوقار و أبهة التقوى في الحوزات العلمية ـــــ والتي منها قم المقدسة ـــــ بوفرة العمامة و الرداء قدرا بقدر، وإن كان قد سنهما رسول الله صلى الله عليه واله ليزرعا الحشمة في النفوس و يبقيا على أثر الرزانة الشخصية في الحركة والسكون.

وممن رأيتني مشدوها ومشدودا لتؤدته و وقاره الفقيد السعيد الشيخ محمد مهدي الآصفي” جعله الله في جواره”، إذ ربما أرسلت نحوه نظري في بادئ سني التغرب وهو يمشي فحسبته يعد خطواته المتقاربة والمنتظمة..يتحدث إليك وهو غاض بصره..وإذا تكلم لا تسبقه الكلمة، بل بلغت عملية اختيار الكلام من التعقيد لديه أن لا يقدم برنامجا ولا محاضرة و لا مشاركة في حفل إلا وأوراقه بين يديه.. ولا تسأل عن ابتسامته فهي الأكثر وضوحا وإشعاعا !

حضرت له في مسجد الامام الرضا عليه السلام بسوق (كزر خان) و غيرها من المواقع والمدارس العلمية في مناسبات عدة، وزرته في بيته المتواضع لأرى نمط عيشته الزاهدة والمتوافقة مع الروح على طبيعتها..

تعرفت على ملامح حروفه قبل قسمات وجهه؛ إذ قد كان ضمن العشرة الأولى من الكتب التي قرأتها في حياة الغربة كتابه ” الاجتهاد والتقليد وشؤون الفقيه”، وقد أغلقته بعد أن بلغت نهايته بيد الرضا والاعتراف له بالإبداع في نظم المسألة الدينية نظما فكريا و التوفيق في طرح أعمق المسائل التحقيقية بسلاسة ثقافية..

وعلى سطح الواقع كنت أتساءل بهمس عن تسمية الخميني بالإمام والارتفاع به إلى مرتبة فكرية خاصة فسألت ـــــ هربا من التقليد لا تعنتا ـــــ أي عمق تميز به تفكيره عن سائر الفقهاء الآخرين حتى يستحق أن تخضع له الأقلام والرؤوس الفكرية والسياسية الثمينة في عالمنا؟؟

ففتحت أحضان مكتبتي لصحف ودوريات ثقافية و كتابات منفردة كان قد بدا لي منها أنها متصدية للإجابة على هذا السؤال، ولكن عقلي زاد انغلاقا بسبب قصور التنظير فيها و رائحتها السياسية الأكثر من الموضوعية، فكادت أن توردني الموارد.. هكذا إلى أن سطعت في عينيّ بعض العناوين ومنها العنوان الخاص ” خط الإمام الخميني” فقد لمع في عيني من على رفوف مكتبة جماعة المدرسين الواقعة في شارع جهار راه بمارستان بقم المشرفة، فدفعتني الثقة بكابته الشيخ المهدي الآصفي إلى ابتياعه في الحال وقرأته بلا إمهال ولا إهمال، فكنت المتأفف المتسائل قبل مراجعته والمتأمل الناهل على أعتاب توديعه واختتام قراءته! حتى أصبحت بفضل لغته التأصيلية والتأويلية الإيجابية قادرا على الفصل بين الدولة الإسلامية والعلمانية إلى حد ما كبير، والجميل في أمره أنه لم يغرني بنفسه لأكتفي به كما هو سحر بعض الكتـّاب والكتابات، ولكنه استنبع النشوة في أعماقي للبحث و الدراسة إلى آخر مراتب العمق العلمي للنظرية ذاتها!!

متن من متون الإسلام:

في الخمسة العقود الأخيرة قد تعددت المنابر بالأحاديث والمتحدثين وقد نصبت جميعها على خط المحاماة عن الفكر الإسلامي، ولكنهم وقعوا بين لغتي الجمع والتفريق، وهما لغتان متمايزتان..

فما هما لغتا الجمع والتفريق يا ترى ؟؟

لقد نهضت معنوية التطوع في الكثير من العلماء والباحثين فنحروا قرابينهم بشفرة القلم، و مدوا بساط ولائمهم على الورق من أجل العقول التي تتغذى من آنية الإسلام لكنها سنة التفاوت التي لا محيص عنها، حتى صار يتمحض الواحد منهم في الدراسة الاجتماعية للدين كله؟ وآخر يستقل بالإيقاع السياسي فلم يسلم على لسانه شيء من السيسنة .. و في نموذج ثالث منهم نجد من قعد لكل صحافة و اعترض كل شاشة واجتاز الحدود العربية والأوروبية يتحدث بالخطابة الجماهيرية الخالية من التأصيل والتي لاتسمن ولا تغني إلا عامة الناس، و ليس هذا نقد تخطئة وتجريم كلا، بل نقول: أكرم بها من ميزة وإن كانت محدودة!

ويبقى الشيخ الآصفي مع بعض من حلفاء عمره (النموذج الأعلى) فيمن كان يدوّنُ وينشر، ويجدد اللقاءات، و يترأس الندوات، و ينفتح على المؤتمرات ناسجا حديثه بالخيوط الكلامية، و التفسيرية، والفقهية، والنظرة الاجتماعية حسب ما يتحمله عرض العنوان المطروح بين يديه وطوله..

وهذه هي لغة الجمع التي تربط بين المادة والمادة ولا تفك ذلك الارتباط، وإنها لغة لا تُقرأ إلا بالعين النخبوية المتسلحة بالثقافة.

فأنت إذا افترشت حجرك بأي كتاب من هذه العصبة الفاضلة وعلى رأسهم الشيخ الفقيد ترى متنا إسلاميا تمتزج فيه ألوان الطيف الثقافي الإسلامي بقدر ما واضحٍ وجليٍ، وإن تفاوتوا فيما بينهم.

فسماحته ــــ فيما أرى ــــ كان متنا دينيا و أصلا كثير الأغصان والفروع ..

ولأجل أن لا يبقى مكان الشاهد خاليا ارجع (سيدي القارئ) إلى كتابه ” الجسور الثلاثة قصة الغارة الحضارية على العالم الإسلامي ” الذي يتفتق عن نظرية جديدة للحضارة يجعلك تستمتع بقراءته وتستمتع بنقده في آن واحد !

فقيه في مواجهة عصر الطوارئ:

تتحرك قاطرات الفقه الإمامي عموما على سكة الزمن، فتمر بكل مظاهر الواقع و مشاهده، وتستجيب لها بالنظر والتأمل، وليست هذه ميزة تخص الفقيه الراحل وحده، وإنما جعلناها ميزة من حيث قصر عنها بعض من المعاصرين له، كما أن من شكلوا لجنة الطوارئ الفقهية والعلمية قد وقفوا على مرتفعات متفاوتة بتفاوت الحظ الإلهي فما يتمكن منه نظر هذا قد لا يتمكن منه نظر الآخر ..

وكان الشيخ الآصفي كثيرا ما يضع قلمه على الأوراق المضطربة ويلقي فيها بالأفكار والكلمات الرواسي أن تميد بالعقول!!

والأمثلة الصميمية هي:

1 بحثه المقاصدي: ” نظرية الإمام الخميني في دور الزمان والمكان في الاجتهاد”.

2 بحثه “ملكية الأرض في الفقه الاسلامي “،وهو محاولة للكشف عن تعدد وجوه الملكية، وإنه جاء بحثا في الخصائص لنظرية العقلاء قدمه سماحته كأطروحة للماجستير..

3 بحث “الجهاد” كُتب بقلم تلميذه الشيخ الشبيب تكريسا وتقريرا لدروس العلامة الآصفي وقد اطلعت عليه مفصلا، و كان دافعه إلى هذا البحث الحاجةُ له في الزمن الذي تميز بالجهاد الدفاعي المقدس نتيجة عدوان الاستكبار العالمي، مضافا إلى ندرة طرحه على مستوى متون متأخري المتأخرين من الفقهاء سيما فقهاء العصر الراهن، والأهم أن اختيار المسائل الأقل رواجا بين الفقهاء كبحث الجهاد هو عرضة للاصطدام بعقبات علمية كبيرة ، مما يتطلب جهدا غير عادي، وهذا ما يكشف عن ثقة الباحث بإمكاناته وقابلياته العلمية الذاتية!

المقدمات الأكاديمية:

تتنوع المقدمات التي تسبق الكتب بتنوع الأهداف التي ترمي إليها، فمنها المقدمات التشرفية (التقريظات)، ومنها ما يقصد بها شحذ همة القارئ للفكرة واستبدال حالة الغفلة أو الإعراض عما يبدو مهما وغير قابل للإهمال، ومنها الشارحة لموضوع الدراسة، ومنها ما تأتي لبلورة الرؤية والنظرية، ومنها النقدية.

والتسميتان الأخيرتان هما الحقيقتان بالتعيين والتركيز..

فإن هكذا مقدمات قد تفوق في الإبداع والأهمية ذا المقدمة وإن كانا نتاج قلم واحد !!

وأشهر ما تم توثيقه ورصده في هذا المعنى مقدمة ابن خلدون لدراسته التاريخية الموسعة، فقد كسرت طوق الزمن وخصوصية المكان وسارت مع الأجيال والأنجال..

وإن الشيخ الراحل كان من أبرز العلماء الذين فرضوا أسلوب المقدمة الأكاديمية الضليعة التي تتميز بالجرأة والبحث و التنقيب وراء كل ما يتعلق بالموضوع والمادة والمؤلف على السواء، ولم تكن هذه السيرة قد اتبعت بعدُ في الحوزة العلمية بشكلها الواضح الآن، ولعل أبرز من حرر المقدمة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الشيخ الراحل حيث النجف الأشرف، و الشيخ علي أكبر الغفاري حيث قم المقدسة ..

وإن القارئ لن يتوانى أبدا عن التسليم بشمولية الاطلاع وسعة الثقافة الذاتية، ودقة الملاحظة العلمية لديه حينما يقرأ مقدمته على الروضة البهية بشرح اللمعة الدمشقية، و مقدمته الأخرى على البرهان في تفسير القرآن.. فصار قلمه القلم الذي لا يزيد عليه في فضل التقديم قلم أحد بحسب نظر إداريي مؤسسات النشر التي تشرف على تحقيق التراث وتقدم المطبوعات العلمية، فربما توسلوا إليه في كتابة المقدمة لما يعزمون على تحقيقه أو يفرغون منه.

غيرته على الطاقات العلمية المعاصرة:

انقطع الشيخ عبد الهادي الفضلي عن إمداداته الفكرية للمكتبة الإسلامية بعد أن ودع النجف الأشرف وحط برحله في مدينة جدة ليكون أستاذا بجامعتها، فمر به كوكبة من رفاق دربه، وهم في طريقهم إلى الحج وعلى رأسهم شخصية هذا المقال فملؤوا سمعه عتابا ولوما ولم يقبلوا منه هذا التنازل المفاجئ حتى بعد أن اعتذر بشح المصادر والمراجع بين يديه فقد وعدوه دون أن يخلفوه بتهيئة ما يلزمه وإرساله له وهكذا عاد كما كان بالنشاط و الحيوية والانطلاقة مع مسائل العصر[1].

وما هذا إلا موقف تبدت فيه غيرته تبديا واضحا لا على نفسه بل على من يؤمن بأنهم من خدمة الدين وشريعة سيد المرسلين صلوات الله عليه و على آله أجمعين.

من أين استفاد مفهوم الوعي الجديد؟

دوائر الوعي ليست متساوية المحيط .. ولكنها تتسع و تتقلص بحسب النقطة في الخط العمودي للزمن، و النقطة في الخط الأفقي للمكان، وإن أوسع دوائر الوعي وأعجبها أن يجمع من يشار إليه بالفكر بين الأضداد، فيكوّن لنفسه الشخصية السياسية، والحالة الأخلاقية(الروحانية)، و الأستاذية العلمية، و الأبوية الاجتماعية النافذة!

وقد كان حليف المحبة و صديق المودة مع الجميع بهذه المثابة لا يزحزحه عنها إلا شاهد بالزور!!وهذا يأتي من تطبعه بطباع أستاذه الأوفق الشيخ محمد رضا المظفر الذي تقسمت شخصيته بانقسام المعرفة و الثقافة والمسؤولية فلم يقصر دورها في قسم من تلك الأقسام.

قيمتك عقيدتك:

ويزداد التضاد الذي ألمعنا إليه وضوحا مع بعض الشخصيات المتألقة إعلاميا والتي يتعذر عليها أن تجمع بين أسس وبنى عقائدها وبين انفتاحها على عالمها، حيث ترى أنهما رمانتان لا تجتمعان في يد واحدة.. ولذا يميل بهم الخطاب بعيدا عن الطرح العقيدي المتين إلا اللهم الإشارة و العبارة تلو العبارة!

ويظل الشيخ الآصفي من بين الرموز الفكرية التي اكتسبت العالمية دون أي تنازل عن معتقداتها الرئيسة سواء كان تنازلا خطابيا أم قلبيا..

فكانت أبحاثه المميزة حول حديث الغدير، والثقلين، والانتظار، والقضاء والقدر، …

وليس هذا وحسب بل كان المناظر المباشر وغير المباشر لبعض الهجمات والأفكار الناشئة، والتي أظهرت عنده اقتدارا غير مألوف على إدارة الحوار بأسلوب راق ومميز أي ما كان يقتنع بضرورته مع خصومه الفكريين ومن أبرز ما قرأت له:

بحثه حول زيارة عاشوراء مناظرا للشيخ حسين الراضي العبد الله الأحسائي.
بحثه حول ولادة الحجة المنتظر عليه السلام الذي تصدى به لعبد الرسول اللاري (أحمد الكاتب) وقد سلمني إياه عندما حل الأخير ضيفَ حوار على شبكة هجر الثقافية وقد كنا طلبناه منه مباشرة، فسمح لي بعرضه نيابة عنه وقد أنجزت ذلك في حينه.

من طرائف الأيام:

لما كان المغفور له شخصية طلائعية و يمتلك قدرا كبيرا من الحس العصري التزم هو و رفيقه الموافق الشيخ عبد الهادي الفضلي بالاستماع إلى المذياع لمتابعة الأخبار والأحداث و البرامج الثقافية وكان يسكنان في غرفة واحدة ويعد ذلك خطوة جريئة منهما حينئذ لذا يقومان بقفل الباب عند تشغيل المذياع وخفض صوته، وبعد الانتهاء منه يضعانه على الرف خلف الكتب!

هذا ما حدثني به شخصيا.

السلام عليه عالما وعاملا و مجاهدا وناسكا

تعليق