2017.12.17

الصحوة الاسلامية من النهضة إلى الازدهار / الشيخ رياض السليم

- Sayyed-alakwan | 2015.06.08

2162

مقدمة

الصحوة الإسلامية كما أفهمها ليست مجرد أفكار ونظريات أو ثورات و إصلاحات سياسية بل هي مرحلة من النضج الفكري تعيشه الإنسانية وأنماط من التفكير تهيمن على العقل البشري في هذه الحقبة من الزمن بحيث أن أكثر البشرية يشغل فكرها هذا الموضوع سواء بالقبول أو الرفض.

وذلك أن الحماسة الدينية والانشغال بمواضيع الدين لم يقتصر على العالم الإسلامي وحسب بل هي موجة تجتاح العالم وتجتاح كل الأديان السماوية و الوضعية و القديمة و الجديدة وهذا يتضح لكل متابع لما يجري على الأرض وربما أكبر دليل على هذه النزعة تجاه الدين هو المشروع الذي أطلقته أمريكا وهو صراع الحضارات ، وهو مشروع يستبطن صراعا أيديولوجيا دينيا ، وهذا ما اتضح جليا في الشعارات التي استخدمها جورج بوش للوصول إلى الرئاسة الأمريكية ، وكذلك استخدمها في الحرب على افغانستان وفي الحرب على العراق التي عبر عنها بأنها حرب صليبية و بدأت الأحداث لمن يشاهدها كأنها حرب بين الإسلام و المسيحية وهذا يدل على نزعة قوية تجر العالم بأكمله إلى الماضي و إلى الأديان و إلى أصل الحضارات.

وهذه النزعة نتيجة طبيعية لصراع الهويات و صراع البقاء في زمن العولمة زمن الإعلام المفتوح وزمن انفتاح الحضارات على بعض على بعضها وتداخلها وتمازجها الثقافي و الفكري و المعرفي و الاجتماعي .

ولكن العقدة في الموضوع لدى الاستكبار هو الصراع بين المبادئ و القيم أو فلنقل صراع بين قوى الخير و الشر و صراع بين أصحاب المصالح و المطامع و بين أصحاب العدالة والفضيلة لأنه يخاف أن تنكشف مبادئه اللاإنسانية فيكون موقفه ضعيف لذلك يخفي أهدافه الحقيقية تحت عناوين حضارية براقة.

و لأجل إخفاء حقيقة هذا الصراع تسعى العقلية الاستكبارية لشرعنة هذا الصراع بإلباسه لباسا حضاريا يبرر لهم فيه استخدام العنف و الحرب ضد الخطر القادم من الشرق وهو حسب ما يصورونه في إعلامهم هو الإسلام ذلك الدين الرجعي المتطرف العنيف الذي سيصادر حريات الآخرين و سيدمر الحضارة الأوروبية الجميلة وسيدمر مبادئها و قيمها الحضارية.

ومن يطلع على كتاب صدام الحضارات لهنتنجتون يرى هذا النمط من التفكير واضح فهنتنتجتون يستخدم نبرة دينية تبدوا جلية في بعض ثنايا الكتاب بحيث يصل إلى نتيجة مفادها أن الصدام بين الحضارات و خصوصا بين الغرب و الإسلام أمر حتمي و لا يفيد معه الحوار لأن ميزان القوى يجب أن يحافظ على نفسه و لابد من وجود قوي و ضعيف وأن القوي سيملي على الضعيف إرادته وهذا ما لا يمكن ان يقبل به قادة الحضارة الأوربية الذين لن يسمحوا لقوة جديدة أن تفرض هيمنتها عليهم لذا فالصدام أمر حتمي ولا يمكن الفرار منه.

ونجد هنتنجتون يستخدم لغة الاستنهاض و بث الحمية و الغيرة فنراه يحاول أن يستنهض الغرب ليصحوا و يستعدوا للقوة الجديدة التي تنمو و يستفحل أمرها قبل فوات الأوان حيث لا يفيد الندم.

وما أريد قوله هنا أن صدام الحضارات كما تطرحه أمريكا و التي وجدت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر شاهدا حيا و قويا على صحة ادعاءاتها وشماعة تعلق عليها كل حججها المزيفة لشرعنة هجومها الاستباقي على المسلمين باسم الحرب على الإرهاب وباسم الدفاع عن المكتسبات الحضارية و تصدير القيم الديموقراطية.

على ذلك نستطيع القول أن هذا الصراع و هذه الحروب ليست صراعا بين الحضارات بل هو صراع بين المستبدين و الظالمين مع المظلومين وصراع بين المستكبرين وأصحاب الطمع و الجشع مع الفقراء و المحرومين لأن الاستكبار العالمي يريد أن يحافظ على موقعه كمستكبر ومستبد ويريد من الآخر أن يبقى خانعا تحت سلطته و هيمنته فيلجأ لاختراع هذه الصراعات الوهمية ليبقى هو بعيدا عن ساحة الصراع.

أما المستضعفين فيبحثون عن العزة و الكرامة و الحرية وهذا ما يرفضه ويخاف منه المستكبر لذلك يسعى بأن يضعف خصومه ماديا و علميا و فكريا و اقتصاديا ليبقى هو المسيطر و المتحكم بمصير الآخرين .

وعليه فصراع الحضارات ليس إلا غطاء لصراع القوى و المصالح السياسية ولا علاقة له بالحضارات ولا بالأديان فترفضه الأديان التي تدعو للمحبة والسلم كالمسيحية و الإسلام وترفضه الفطرة و القيم الحضارية التي تؤمن بمبدأ التعاون العلمي و الثقافي من أجل حياة أكثر رفاهية و أكثر تطورا وازدهارا.

وعليه فصراع الحضارات هو صراع وهمي افتعله الاستكبار ليكون غطاء يختبئ خلفه الصراع الحقيقي بين الخير و الشر وما يقوم به الاستكبار ألعوبة خطيرة و أكذوبة كبيرة يريد من الشعوب أن تتصارع مع بعضها صراعات وهمية ليبقى هو متفردا بالسلطة و الزعامة.

و أهم سلاح للاستكبار في هذه اللعبة هو تلاعبه بالعقول و الأفكار من خلال الإعلام و التعليم فيتحكم بالرأي العام حسب ما يريد وحسب ما يخدم مصالحه.

فنرى الاستكبار دائما يخلق للشعوب أعداء وهميين ليكون هو بعيدا عن ساحة الصراع فتضعف الشعوب بعضها بعضا و يزداد هو قوة وهيمنة.

لذلك نرى الاستكبار يسعى لتشويه صورة المسيحي الأوربي في نظر المسلم ويصفه في قنواته الناطقة بالعربية بأقبح الأوصاف بأنه دموي و استغلالي ومستعمر وحاقد و مادي و بلا غيرة و لا شرف ولا يجيد غير الزنا وشرب الخمر ويشوه صورة المسلم في نظر المسيحي و يصفه بالهمجي و المتطرف و المتشدد و السفاح و الذي لا يقبل عقله التطور و التقدم.

بينما العدو المشترك للمسلمين و المسيحيين و كل الشعوب المؤمنة هم المستكبرين أولياء الشيطان الذين يتبعون خطواته ووساوسه الذين يوقعون العداوة و البغضاء بين الناس و يحبون أن تشيع الفاحشة و المنكر و يسعون لتغيير خلقة الله وفطرته و الذين يجادلون في الله بغير علم أصحاب القلوب القاسية و النفوس المريضة الذين يحاربون الله في أرضه و يستكبرون على عباده.

هؤلاء هم العدو الحقيقي وهؤلاء ليسوا هم الغرب بكل أطيافه كما كان يصور لنا بل هم فئة موجودة في الغرب و الشرق وفي كل بقاع الأرض.

فئة باعت نفسها للشيطان و تجندت للصراع تحت رايته وهذه الفئة الملعونة هي التي دمرت كل الحضارات السابقة وهي التي تسعى للفساد في الأرض بكل ما أوتيت من قوة و العجيب أنها تدعي زورا و كذبا أنها بنت كل الحضارات.

و أنى لها أن تبني حضارة وهي التي تسعى بالفساد لإهلاك الحرث و النسل و أنى لها أن تبني حضارة وهي تتخذ من الحقد و الكراهية دينا لها وهي التي تسعى بالعداوة و البغضاء بين الناس و هي التي تعشق الحروب و القتل و الدماء و هي التي تنشر الجهل و الفساد و الأكاذيب بين الناس وهي التي تستميت من أجل ملذات الدنيا ومن أجل اللهو و الترف و الشهوات.

هذه الفئة هي السبب الحقيقي للانتكاسة التي أصابت أمتنا الإسلامية و جعلتها تتقهقر لتدخل في سباتها الطويل فهذه الفئة بطمعها وجشعها ستدمر الحضارة الأوربية كما دمرت الحضارات السابقة وهذه سنة إلهية يجب أن نعيها لأن كل الحضارات نشأت في أحضان الدين و الأخلاق و الفضائل ولكن بعد أن تزدهر الحضارة وتصاب بالترف و التخمة تفسد الأخلاق و إذا فسدت الأخلاق حارب الناس بعضهم و بعضا و أفسدوا كل شيء.

لذلك يجب علينا أن نتسلح بالوعي لنعرف من هم أعدائنا الحقيقيون ومن هم أعداء الحضارة و الإنسانية ويجب علينا أن نعرف كيف يفكرون وكيف يخططون؟ وما هي أهدافهم و أساليبهم ؟ وماذا يريدون؟

ونحن عندما نمتلك الوعي سيمكننا من اكتشاف مثل هكذا مؤامرات تحاك ضدنا وبالتالي سنتجنب الوقوع في شراكها وبامتلاكنا لهكذا وعي فهذا يدل على أننا استيقظنا من السبات ودخلنا عالم الصحوة و الذي سيفتحنا على واقع جديد ومرحلة جديدة تتغير فيها نوعية الصراع شكلا و مضمونا .

بحيث أن الأمة كانت غافلة ونائمة وكانت الأمم الأخرى تتلاعب بها وكانت الأمة ورقة بيد الآخرين يتحكمون بمصيرها وقرارها كيفما يشاؤون لأنها فاقدة للوعي ولكنها بعد أن تصحو و تستيقظ ستتحول إلى لاعب أساسي بعد أن كانت لعبة وستكون الأمة مالكة لقرارها و مقررة لمصيرها دون إملاء من الآخرين وهذا سيفتحها على صراع جديد من أجل البقاء ومن أجل التحرر من هيمنة الآخرين و تسلطهم عليها.

المبحث الأول

الصحوة الإسلامية النشأة و التطور

نتيجة لانتصار الجهل دخلت الأمة في سباتها المعهود الذي جعلها تفقد المقومات الحضارية و العلمية مما جعل الأمم الأخرى تتكالب عليها في نهب ثرواتها واستغلالها واستضعاف أهلها.

ونتيجة للجهل بالدين و بعلومه تم لبس الدين لبس الفرو مقلوبا وتم تطبيقه بشكل خاطئ و معوج مما أفقد الدين دوره في إدارة الحياة وفي توجيه البشرية نحو تطبيق أهداف الله على الأرض ( الاستخلاف ) التي تضمن للبشر السعادة في الدنيا و الآخرة.
نشأة الصحوة

الصحوة في حقيقتها هي هزيمة للجهل وعودة الأمة إلى عقلها ووعيها كعودة الوعي إلى النائم ليقوم و يستدرك ما فاته وقت نومه ز يستصلح ما فسد فترة غياب عقله ووعيه.

وعليه فالصحوة هي انتصار للعلم والعقل على الجهل فقد كانت الأمة تجهل أمور دينها و أحكامه ولا تعي ولا تفهم مبادئه و أهدافه وغاياته فكانت الكارثة أن الأمة ابتعدت عن الدين و هي لا تزال متدينة و لكن للأسف كان تدينها سطحيا و قشريا ومفرغا عن محتواه.

وتزامن مع هذا الجهل للدين و لعلوم الحياة هجمة استعمارية غازية ومجهزة بأسلحة حديثة و بتقنيات علمية حديثة و متطورة و جاءت هذه القوات الغازية تحمل معها مذاهب و أفكار فلسفية تطرحها كبديل للدين و مدعية أن هذه الأفكار و المذاهب هي سبب التطور و التقدم بينما في الواقع لا يوجد هناك أي ربط بين هذه الأفكار و المذاهب و بين التطور في العلوم الطبيعية و التجريبية وربما أكبر دليل على هذا هو أن الغرب بنفسه تخلى عن كثير من هذه الأفكار بعد الحرب العالمية الثانية و انتقدها وكذلك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لأنه رأى بالفعل أن كثير من الأفكار كانت هدامة ولو بقت لتسببت في سقوط الحضارة و لجاءت بكوارث مأساوية على كل البشرية و مع ذلك لازال لديه الكثير من الأفكار الهدامة.

وهذه الهجمة التي تزامنت مع جهل الأمة و غفلتها ولدت لدى علماء المسلمين شعورا كبيرا بالمسؤولية بمختلف أذواقهم و تياراتهم ومذاهبهم لحل هذه المشكلة ولكن المشكلة كانت معقدة وشائكة ولم يكن حلها بتلك السهولة و البساطة بالإضافة أن الأمة لم تكن بالمستوى المطلوب من النضج بحيث تكتشف كل ما يحاك حولها و تكتشف طريق الخروج من المأزق بسهولة.

فلقد كانت الأمة بحاجة إلى عقول و أفكار عظيمة بحجم المشكلة بل أكبر و الأفكار العظيمة لا تخرج إلا من رجال عظماء وهكذا كان طبيب الشرق العلامة جمال الدين الأفغاني فلقد كان بحق رجل المرحلة و رائد الصحوة الإسلامية و العالم المناضل و الفيلسوف المفكر و الرسالي المجاهد.

وللإنصاف يوجد علماء وقادة بعضهم سبق الأفغاني وبعضهم عاصره عملوا على نهضة الأمة مثل أحمد خان و رفاعة الطهطاوي ومحمد علي باشا و الأمير عبد القادر الجزائري إلا إن الذي أحدث النقلة في فكر الأمة هو جمال الدين الأفغاني.

و الذي ميز جمال الدين هو أطروحته الشمولية المتكاملة التي تنبع من أصل الدين و التي من خلالها أيقظ الأمة من سباتها و اصل لانطلاقة عصر جديد.

فعلى سبيل المثال محمد علي باشا و رفاعة الطهطاوي كان مشروعاهما نهضة مصر و لم يكونوا يفكروا في نهضة الأمة الإسلامية بأكملها كأمة بل كان همهم وجهدهم منصبا على مصر فقط.

وهنا تكمن أهمية الفكر و الوعي الجديد الذي أتى به جمال الدين الأفغاني الذي انطلق لبلورة أفكاره من قراءة عميقة ومتأنية للدين و الواقع ولكل المذاهب و الأفكار المعاصرة لزمانه واستطاع ببعد نظره الثاقب وببصيرته النافذة أن يشخص للأمة الداء و الدواء ويناضل و يكافح من أجل علاجها.

وقد بنى الأفغاني منظومته الفكرية على أسس دينية وعقلية وفطرية لذلك كان لفكره الأثر الكبير في وجدان الأمة بحيث أنه إلى يومنا هذا لا تزال أفكار الأفغاني سيالة و مؤثرة .

فهو ينطلق من الفطرة الإنسانية السليمة المفطورة على التوحيد و على العزة و الكرامة و الحرية و الشرف فهو يؤسس فكره على هذه القيم و ينطلق ليرفض الذل و الظلم و الهزيمة و الاستعباد الذي تتعرض له الأمة و يجب عليها أن تستعيد عزتها وشرفها وكرامتها.

وينطلق كذلك من فهم عميق وواعي للفكر الإسلامي فيستلهم هذا الفكر ويفتح للأمة آفاقا جديدة فهو يرى في الإسلام دين ودنيا خلاف النظرة السائدة ويرى أنه منهج حياة يقود البشرية إلى السعادة في الدنيا قبل الآخرة وليس مجرد طقوس وعبادات خاوية.

ويرى في الفكر الإسلامي نظاما اجتماعيا متكاملا فيدعو لأن يكون هذا الفكر هو الحاكم على المجتمعات الإسلامية فعلى الشعوب الإسلامية أن تفعل هذا النظام الذي سيوفر الحياة الكريمة ويجب عليها أن تتسلح بالعلم و المعرفة والوعي ويجب عليها أن تثور ضد الظلم والاستبداد لتحقيق هذه الغاية و لتستعيد الأمة عزتها وكرامتها.

وأعاد للعقل مكانه في ضمير الأمة بعدما فقدته و أعاد فتح باب الاجتهاد الذي أغلق و أحيا من جديد روح البحث العلمي و النقد الفكري المتحرر من سطوة الماضي و سلطة المجتمع وحرر عقل الأمه لينفتح على واقعها و مستقبلها.

و أصل الأفغاني لمنهج الاعتدال و الوسطية و أكد على الاعتدال في الطرح وفي لغة الخطاب و على الاعتدال في الانفتاح على الغرب والاستفادة من علومه و الاعتدال في الاصلاح بحيث لا تحجر و لا تغرب وعلى الاعتدال في التعامل مع الرجال بحيث لا تقديس و لا نكران للفضل وعلى الاعتدال في عقلنة الدين و أن الدين للهداية وليس علما طبيعيا و ليس أن الدين لا يلتقي مع العقل.

وبذلك يكون الأفغاني قد شخص للأمة أمراضها وحذر منها ووصف لها الدواء فنراه يحذر من الجهل بشتى ألوانه و أشكاله ويحذر من التعصب و الطائفية ويؤكد على أهمية الوحدة الإسلامية ويحذر من الروح الانهزامية وفقدان الثقة بالذات و يحذر من الترف و الانسياق وراء الملذات و الشهوات ويحذر من فساد السلاطين المسلمين و استبدادهم.

وبهذه الأفكار و المبادئ السالفة الذكر استطاع جمال الدين الأفغاني أن يدشن مرحلة جديدة من التطور الفكري للأمة الإسلامية وعرفت هذه المرحلة بعصر الصحوة الإسلامية.

مراحل تطور الصحوة الإسلامية.

منذ بروز الأفغاني إلى الآن شهدت الساحة الإسلامية ظهور علماء ومفكرين كثيرين وكان لهم اسهامات مهمة و رائعة وبرزت أفكار ومناهج فكرية اسلامية كثيرة امتدت على طول البلدان الإسلامية ولا يمكن استعراض كل تلك المناهج و الشخصيات في هذه السطور القليلة ولكن يمكننا أن نقسم مراحل تطور الصحوة اعتمادا على السياق التاريخي واعتمادا على التطور الفكري وما صاحبه من تغيرات في أنماط العمل و التفكير وعلى هذا نستطيع القول أن الصحوة الإسلامية مرت بثلاث مراحل أساسية هي:

1- صحوة الرواد ويمكن تقدير بداية هذه الفترة مع بداية تأسيس مصر الحديثة على يد محمد علي باشا حتى وقوع الحرب العالمية الأولى.

2- صحوة النخب ويمكن تقدير بدايتها مع الحرب العالمية الأولى و حتى انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

3- صحوة الجماهير ويمكن تقدير بدايتها مع بداية الثورة الإسلامية في إيران ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا.

وهذه المراحل الثلاث سير طبيعي لنمو الأفكار وتجذرها عبر عدة أجيال فقد بدأت مع أفراد وتطورت إلى جماعات ومنها إلى مجتمعات وهذا التطور الفكري لا بد أن يصاحبه تغير اجتماعي و سياسي.

صحوة الرواد:

وتبدأ بدايات هذه الحقبة مع تنصيب محمد علي باشا نفسه سلطانا على مصر والذي انطلق يعمل على نهضة مصر و بنائها لتكون دولة قوية متحضرة وقد برزت اسماء عدة مصلحين وقدموا أفكارا ورؤى مهما تحمل صبغة وخلفية دينية مثل رفاعة الطهطاوي و لكن يبقى كما ذكرنا أن الرمز الأكبر لهذه الحقبة هو جمال الدين الأفغاني فهو الذي أحدث النقلة النوعية وكل من جاؤوا بعده هم عيال عليه.

وميز هذه الحقبة تبدل كثير من الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي من سيء إلى أسوء مما دعى توجيه الأوربيين المستعمرين أنظارهم و أطماعهم تجاه البلدان الإسلامية ليروا فيها لقمة سائغة خصوصا بعد ثورات الاستقلال التي اجتاحت الأمريكيتين و التي بدأت بثورة الاستقلال الأمريكية لتتبعها كثير من بلدان الأمريكيتين الأمر الذي جعل الأموال المتدفقة من الأمريكيتين للعالم الاوربي تقل بشكل كبير فرأت في البلدان الإسلامية الضعيفة لقمة سائغة.

ففي إيران مثلا سقطت الدولة الصفوية التي كانت دولة قوية وتهتم بالعلم و الدين لتحل محلها الدولة القاجارية التي لم يعد الدين يعني لها الشيء الكثير فانساق حكامها وراء الملذات و الشهوات وبدأت الدولة تضعف شيئا فشيئا في كل المجالات.

وكذلك بالنسبة للدولة العثمانية صارت ضعيفة وكثير من البلدان الخاضعة تحت سيطرتها كانت تحكمها بالاسم لا أكثر ففي العراق مثلا استمرت الحرب بين العشائر وبين والي بغداد فترات طويلة انهكت البلد واضعفته ثقافيا وعلميا وحضاريا أما مصر و الشام فكان المماليك وقادة الجند يتقاتلون فيما بينهم على المناصب وأما الجزيرة العربية فقد شهدت تغيرات سياسية كبيرة و تشكلت الدولة الوهابية السلفية واستطاعت أن تسيطر على معظم الجزيرة العربية ووصلت جيوشهم للشام و العراق.

وفي الجزائر ظهر الأمير عبد القادر الجزائري ليقود ثورة تحرير ضد الفرنسيين و لكنه ما لبث ان هزم ونفي إلى دمشق.

ويميز هذه الحقبة أن رجال الصحوة قليلون جدا ويعدون على الأصابع لذا سميناها بصحوة الرواد فنجد مثلا في كل بلد شخص أو شخصين فمثلا في مصر نجد الشيخ محمد عبده و المراغي و سعد زغلول و في الشام نجد الكواكبي و عز الدين القسام و في العراق نجد محمد حسين كاشف الغطاء و عبد الكريم الزنجاني وفي إيران نجد المجدد الشيرازي و النائيني وفي الهند أحمد خان وفي تركيا سعيد النورسي والخ.

ومع مرور الوقت صار عدد المصلحين و رواد الصحوة يزداد شيئا فشيئا حتى تشكلت نخب واعية في كل بلد من البلدان الإسلامية .

صحوة النخب:

وتتميز هذه المرحلة بكثر النخب الواعية وبتطور أشكال العمل الإسلامي وأساليبه وكذلك بروز كبرى الحركات الإسلامية المنظمة مثل جماعة الإخوان في مصر على يد حسن البنا ومثل فدائيان إسلام في إيران على يد نواب صفوي و كذلك فيما بعد ظهور حزب الدعوة في العراق على يد محمد باقر الصدر.

وفي هذه الفترة انتشرت الصحوة الإسلامية بين مختلف النخب المتعلمة و المثقفة بين علماء الدين وبين اساتذة الجامعات و طلابها وبين الكتاب و الشعراء و الأدباء.

ولهذه الفترة أهمية كبرى من تاريخ الصحوة الإسلامية لأنها حافلة بالتغيرات الكبيرة على مختلف الأصعدة كالسياسية و العلمية و الفكرية والاجتماعية وفيها واجهت الصحوة أخطر العقبات و تعرض رجالها إلى أشد المواجهات و أشرسها حيث أن الاسماء الثلاثة المتقدمة وهم البنا ونواب و الصدر قد تمت تصفيتهم و اعدامهم ومحاربة فكرهم ونهجهم.

ومعالم هذه المرحلة بدأت تتشكل بعد الحرب العالمية الأولى لأن هذه الحرب أعادت رسم خريطة العالم السياسية إذ استطاعت هذه الحرب أن تسقط معظم الحكومات الملكية في أوروبا و أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فقد تقاسمت بريطانيا و فرنسا البلاد العربية التي كانت تحت سلطة الدولة العثمانية بحيث وضعت بريطانيا يدها على العراق ومصر و أما فرنسا فوضعت يدها سوريا و لبنان.

وفي هذه الفترة شهدت المنطقة أحداثا كثيرة ومهمة تركت أثرا سلبيا على وعي الأمة الديني مثل ظهور الثورة العربية الكبرى سنة 1916 بقيادة الشريف حسين بن علي ومحاولته تأسيس دولة عربية كبرى من الحجاز إلى الشام معتمدا فيها على الدعم البريطاني و لكن بريطانيا تخلت عنه بعد الحرب و تقاسمت الوطن العربي مع فرنسا.

وكذلك ظهور الدولة السعودية مرة ثالثة على يد الملك عبد العزيز الذي استطاع في فترة بسيطة أن يوسع حكومته لتشمل معظم أراضي الجزيرة العربية سنة 1925 .

وكذلك ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني سنة 1919

وثورة سعد زغلول في مصر سنة 1919

وانقلاب رضا شاه على الدولة القاجارية سنة 1925

وكذلك تشكل معظم الدول الإسلامية المعاصرة و بشكلها الحديث في هذه الفترة كالعراق 1932 و سوريا 1930 و السعودية 1927 و مصر 1922 والخ.

وكذلك موجة الانقلابات التي اجتاحت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية التي اسقطت الملكية في تركيا و مصر و اليمن و بقية البلدان و انتشرت الثورات و لانقلابات العسكرية في معظم البلدان الإسلامية.

وفي هذه الفترة تشكلت معظم الأحزاب اليسارية و العلمانية و القومية و التي كانت مدعومة من الاستكبار و التي تعاطت مع الحركات الإسلامية بعدائية مفرطة خصوصا بعد وصولها للسلطة فأعدم وشرد وطورد كثير من المفكرين و العلماء.

ونتيجة الظلم والاستبداد الذي مارسته هذه الأنظمة تجاه الشعوب جعلها تراوح مكانها دون أن تتطور ودون أن تقدم شيئا لهذه الأمة مما ولد لدى الشعوب تعطش وشوق كبير إلى العودة إلى أحضان الدين ورفض الذل و الظلم و التبعية للغرب وهذا الشعور ظل ينموا و يتزايد مع تزايد نمو الوعي وتزايد مستوى العلم و المعرفة لدى الشعوب حتى استطاعت أن تقول الشعوب كلمتها وهذا ما جسدته ثورة الإمام الخميني الشعبية.

وفي هذه الفترة برز الكثير من العلماء و الرواد بحيث يصعب احصائهم وفي هذه الفترة انطلقت الكثير من المشاريع العلمية و الفكرية كتأسيس جامعات ومعاهد ومراكز علمية ودعوية وتبلورت كثير من الأفكار و النظريات الإسلامية حول السياسة و الحكم و الاقتصاد و الاجتماع وكذلك التأصيل الإسلامي للمعرفة و أسلمة العلوم و ساهم العلماء المسلمون في تطور العلوم التجريبية و الانسانية.

صحوة الشعوب:

ورائد هذه المرحلة بلا منازع هو الإمام الخميني فلقد كان معاصرو الإمام الخميني من المصلحين يعتمدون على في حراكهم على العمل النخبوي و على الأحزاب و الحركات و الجماعات وكانوا غافلين عن قوة الجماهير فلم يعملوا عليها و النزول إلى مستواها بل كان الاهتمام منصبا على النخب المتعلمة و المثقفة و لم يكن علماء الصحوة يعطون الجماهير أهمية كبرى و ذلك لصعوبة التواصل مع كل أطياف المجتمع .

و لكن الإمام الخميني كسر هذا الحاجز و تجاوز بخطابه النخب ليوصل صوته إلى كل الشعب مستفيدا من كل ما اتيح له من وسائل و تقنيات فكانت خطاباته على مسمع ومرأى أمام الجماهير و أمام وسائل الإعلام بل كانت خطبه ورسائله للمجتمع تسجل على الكاسيتات وينشرها مريديه بين كافة ابناء المجتمع.

وقد أحدث فكر الإمام الخميني ومنهجه الجديد في العمل الإسلامي صحوة فكرية اجتاحت ابناء الشعب الايراني ومن ثم انتقلت إلى بقية الشعوب المجاورة.

وعندما نقول أن الصحوة انتقلت إلى الشعوب المجاورة فلا نعني أن الثورة انتقلت بل المقصود أن الفكر و الوعي و الأهداف و المبادئ التي طرحها الإمام الخميني قد انتقلت إلى الشعوب وآمنت بها واستلهمتها وهذا لا يعني بالضرورة أن تندلع ثورة بل تدل على أن هناك ارتقاء للفكر وتطور للوعي وهذا الوعي إما أن تستفيد منه الحكومات فتحدث به نقله نوعية تطور بها البلد و إما تحاول أن تتجاهله و تعارضه فيجرفها التيار .

وفي هذه الفترة شهدت الأمة نموا كبيرا للوعي الديني تساقطت أمامه التيارات و المذاهب اليسارية و بدأت تسقط أقنعتها ويثبت فشلها أكثر فأكثر.

ولم يجد الاستكبار و عملائه من سلاح ضد هذا الوعي الديني المتزايد إلا اختطافه غن طريق الفكر المتشدد و الأصولي المتطرف فصارت التيارات المتطرفة تتغنى باسم الصحوة الاسلامية و الحكومة الإسلامية و أمجاد الحضارة الإسلامية ووووو وهم في الواقع أشد الناس بعدا عن الصحوة و الوعي والحضارة.

وأمام صحوة الشعوب هذه ضعفت الحكومات المتسلطة و ضعفت هيمنة الاستكبار عليها لهذا يسعى الاستكبار بكل ما أعطي من قوة بالضرب على وتر الطائفية ليحد من نمو الوعي و يضعف الشعوب بإدخالها في صراعات طائفية.

ومع أن أكثر الشعوب الإسلامية لم تتجاوب مع النغمة الطائفية إلا أنه يخاف عليها أن تستجيب لهذه النغمة لطول فترة العزف ووجود ضعاف النفوس الذين يبيعون دينهم و أمتهم بدراهم معدودة ولكن الأمة وصلت إلى حد من الرشد سيجعلها قادرة على تجاوز هذه المرحلة العصيبة وستواصل مسيرة الصحوة إلى الازدهار رغم أنف كل الأعداء.

ومع انتصار ثورة الإمام الخميني بدأت الصحوة تعطي ثمارها وبدأت مرحلة العطاء و الازدهار و التطور وقد حاول أعداء الإسلام ايقاف هذا التطور من خلال حرب دامت ثمان سنوات و لكن الله يأبى إلا أن يتم نوره وقد شهدت الصحوة الإسلامية في إيران طفرة حضارية و نوعية في كل المجالات المعرفية و العلمية و الفكرية و التقنية و صارت تنافس الغرب في كثير من الأمور.

وهذا الوعي و هذه النهضة المعرفية و العلمية و الفكرية ستجد طريقها إلى البلدان الإسلامية الأخرى وستشهد الأمة الإسلامية عن ما قريب عصر جديدا للازدهار و التقدم ولأجل هذا تعتبر صحوة الشعوب هي المرحلة الأهم لأنها المرحلة الأقدر على التغيير وهي تعني بداية العمل و بداية الازدهار وهي مرحلة لا يمكن أن تعود بعدها الأمة إلى الوراء أبدا.

المبحث الثاني

الصحوة الإسلامية ورشد الحضارة الإنسانية

تقدمت الإشارة إلى أن الصحوة الإسلامية هي مرحلة من مراحل تطور العقل البشري فقبل الصحوة كانت عقل الأمة يعيش غفلة وسبات وبعد الصحوة استيقظ العقل و صار يفكر و يعمل ويبني حضارة ويعي ما يجري من حوله وما يخطط له أعدائه.

وذلك أن حياة البشرية يمكن تشبيهها بالإنسان بحيث يمر في حياته بعدة مراحل فيبدأ حياته بمرحلة الطفولة مرحلة الجهل و السذاجة و مع تقدمه بالعمر يزداد علمه و يتطور عقله فينتقل الإنسان من طور الطفولة وبراءتها إلى غرور و طيش الشباب إلى رشد وتعقل الكهول إلى حكمة الشيوخ.

وتطور العلم لدى الإنسانية شبيه بتطور العلم لدى الإنسان و شبيه بتكاثر المال لدى التاجر كذلك.

فعندما يبدأ الإنسان تجارته يكون رأس ماله هو جهده مع مبلغ من المال صغير ومع الأيام يزداد رأس ماله شيئا فشيئا ببطيء شديد وقد تستمر هذه الحالة ربما عشر سنوات على سبيل المثال حتى يتكون لديه رأس مال كبير ولنقل أنه مليون دولار وبعد ذلك يبدأ تسارع الربح لديه و قد يستطيع بعد ذلك أن يربح المليون خلال سنة وبعد ذلك إذا تضاعف لديه رأس المال بشكل كبير قد يستطيع أن يدخل عشر ملايين في سنة واحدة وبجهد أقل بكثير مما كان يبذله في السابق.

وكذلك الحال بالنسبة إلى التطور العلمي والحضاري للإنسانية كلما كبر رأس المال العلمي ازداد التطور العلمي سرعة في النمو بجهد أقل و بمعرفة أكبر.

كما لو احتاج باحث أن يجري بحثا علميا قبل مائة وخمسين سنة فكان يكلفه الكثير من الجهد و الوقت و المال وربما احتاج أن يسافر مع القوافل من مدينة لأخرى ليطلع على بعض الكتب و المصادر أو ليشتري ما ينقصه من بلد آخر.

وكذا لو أراد باحث أن يجري بحثا قبل خمسين سنة نجد أن الأمور في تلك الحقبة تيسرت بكثير من الحقبة التي سبقتها فقد توفرت لهم بعض وسائل النقل مثل السيارات ووسائل للتواصل مثل الهاتف.

ولكن في زماننا تيسرت الأمور أكثر من السابق بكثير للباحثين بسبب ثورة الاتصالات و كذلك انفجار الثورة المعلوماتية وتيسرت الأمور للبحث العلمي فما كان في السابق يستغرق خمس سنوات لإنجازه صار يمكن إعداده خلال شهر و بدقة وجودة أفضل و بجهد أقل.

بالإضافة أن نتائج البحث سوف تصل بسرعة للآخرين فيستفيدوا منه وربما يبنوا عليها نتائج أخرى و بذلك يتسارع التطور العلمي و المعرفي.

والحضارة التي نعيشها اليوم ليست حضارة غربية صرفة بل هي حضارة البشرية جمعاء بكل شعوبها لأن كل الشعوب ساهمت في بناء هذه الحضارة بطريقة أو أخرى وحتى مظاهر الترف و القوة العسكرية و التقنية للحضارة قد انتقلت من منطقة إلى أخرى عبر التاريخ من الصين إلى الهند إلى فارس إلى العراق إلى الشام إلى مصر إلى أوربا الشرقية إلى أوربا الغربية و صولا إلى القارة الأمريكية.

والآن بدأت تظهر بوادر لانتقال القمة النامية من الحضارة من الغرب إلى الشرق وهذه هي سنة الكون.

ولو ألقينا نظرة على تاريخ وتطور العقل البشري عبر الحضارات المختلفة نرى أن الحضارات لا تنشأ من العدم بل تستفيد من الحضارات التي سبقتها و من تعاليم الانبياء و الحكماء المتقدمين و المعاصرين لهم وكمثال واضح هو الحضارة الإسلامية التي انطلقت بدفع من النبوة و الوحي و بعدما انطلقت استفادت من كل الحضارات السابقة عليها و المحيطة بها وبدأت هذه الحضارة بالنمو حتى وصلت إلى القمة إلى وأوجها الحضاري بدأت مرحلة التراجع و التقهقر شيئا فشيئا .

وتزامن مع تراجع الحضارة الإسلامية تنامي حضارة أخرى نمت على أحضانها وبدأت من حيث توقفت الأولى مستفيدة من منجزات الحضارة السابقة عليها بعد توظيفها حسب طريقتها و نمطها الخاص من التفكير.

فكأنما الإنسانية وبنائها للحضارات كرجل كان يبني بيوتا صغيرة بدائية فجمع كل طاقته وكل خبراته ليبني بيتا لم يبنى مثله في السابق فبنى بيتا في غاية الجمال وهو الحضارة الإسلامية فجلس ليستريح وهو لا يزال يفكر كيف سيبني بيتا أجمل من السابق ثم نهض وبنى بيتا أجمل من سابقه وضع فيه كل أفكاره الجديد وخبراته السابقة فصار في غاية الجمال وهو الحضارة الأوربية ثم استراح مرة ثالثة ليستجم ويجمع أفكاره لبناء بيتا ثالثا أفضل من سابقيه.

وهكذا هي البشرية انجبت الحضارة الإسلامية ثم جلست لتستعيد عافيتها و انجبت الحضارة الأوربية ثم جلست لتستعيد عافيتها و الآن نحن في عصر المخاض لولادة حضارة جديدة.

وكل العلامات تشير إلى أن الحضارة القادمة ستكون ريادتها بيد المسلمين وستعود بفضل الصحوة الحضارة الإسلامية القديمة المتجددة وهذا الأمر هو ما يثير الرعب لدى الاستكبار مما جعله يطلق مشروعه صراع الحضارات ليجد لنفسه مبررا يحارب به المسلمين حربا استباقية ليوقف به الوعي و التقدم و التطور السريع للأمة الإسلامية .

فالصحوة الإسلامية هي مستقبل الإسلام و مستقبل البشرية جمعاء وهذا ما تشير إليه النصوص الإسلامية المقدسة بأن الأرض سيرثها العباد الصالحون وأن دولة الإسلام العظمى وحكومة العدل الإلهي ستقوم على يد الإمام المهدي.

وذلك بسبب أن البشرية جربت أن تحكم نفسها بنفسها آلاف السنين و استنفدت كل الطرق و الوسائل و عجزت عن تحقيق العدل و القسط و بدلا من ذلك امتلأت ظلما وجورا وإذا امتلأت الأرض ظلما وجورا ستعترف البشرية لله بالعجز وستشعر بالحاجة إلى العدل الإلهي عندها سيبعث الله الإمام المهدي ليقيم على الأرض حكومة العدل الإلهية.

المبحث الثالث

الصحوة و الحداثة مقاربة تاريخية

الحداثة ليست مذهبا و لا فكرة ولا نظرية بل هي أنماط من التفكير هيمنة على العقل الأوربي في الفترة الممتدة من نهاية القرن الثامن عشر حتى أواسط القرن العشرين.

حيث كان يسيطر على عقولهم فكرة البحث عن الأفكار الجديدة و البحث الاختراعات و الاكتشافات و البحث التقدم و التطور في كل شؤون الحياة في المأكل و المشرب و الملبس و العادات و التقاليد و كذلك النظم السياسية الحاكمة و أساليب التجارة والخ وكذلك نقد الماضي و الثورة عليه.

هذا النمط من التفكير جعل من الأوربيين يثورون على كل شيء يتعلق بالماضي وحتى الدين لم يسلم من النقد اللاذع، وبذلك تشكلت منظومات فلسفية و مذاهب فكرية جديدة.

ومما يؤسف له أن معظم الذين تأثروا بالحداثة لم يفهموا الحداثة كما ينبغي بل فهموها مغلوطة وتصوروا أن الحداثة هي نقيض الدين وذلك بسبب أنهم نظروا للحداثة نظرة سطحية معزولة عن سياقها التاريخي و نظروا إلى جانب منها دون الجوانب الأخرى.

و الحقيقة أن الحداثة ما كان لها أن تولد لولا صحوة دينية سبقتها ومهدت السبيل لها ولذلك يجب علينا أن ندرس الحداثة عبر سياقها التاريخي و الحضاري و ليس صحيحا أن تقرأ فقط مع بداية الثورة الفرنسية.

لأن عصر الحداثة سبقه عصر التنوير أو ما عرف بعصر العقل وهذا سبقه بما عرف بعصر النهضة الأوربية.

وقد تطورت المعرفة و الحضارة عبر هذه العصور الثلاثة بالتدريج ورأس المال المعرفي و العلمي للحضارة يتزايد في الحجم و يتسارع في النمو و يمكن تشبيه هذه العصور الثلاثة للحضارة الأوربية بمراحل الصحوة الإسلامية الآنفة الذكر مع اختلاف الخصوصيات بينهم وأن هناك سنة كونية واحدة تجري على كل الحضارات.

فالحضارة الأوربية المعاصرة بدأت في ايطاليا على يد باباوات الكنيسة الكاثوليكية وهذه الحقيقة التي يحاول الكثير من الأوربية اللا دينيين التنكر لها ويحاولون التنكر للجذور المسيحية لحضارتهم المعاصرة.

وهذه الحضارة قد بدأت بشكل فعلي بما يعرف بعصر النهضة الأوربية والذي يقد بالفترة الممتدة من 1300 إلى 1600 وقد بدأ هذا العصر عندما نشطت الكنيسة واستطاعت أن تنصر كل أوربا و تقضي على الوثنية فيها خصوصا بين القبائل الجرمانية و الفرانكية التي تسببت في اسقاط روما لتتحول هذه القبائل مع مرور الزمن حكومات إقطاعية صغيرة و استطاعت الكنيسة أن تفرض احترامها وكلمتها على الطبقات الأوربية واهتمت بناء المدارس الدينية في كل أوربا وحتى أن أعرق الجامعات الأوربية مثل السوربون في فرنسا و أكسفورد في بريطانيا تم تأسيسها كمدارس دينية لتدريس اللاهوت.

واهتمت الكنيسة بالعلوم الدينية و بالفلسفة و الآداب و الفن و الذي أحدث النهضة الفكرية و العلمية هو اهتمام الكنيسة بالعلوم اليونانية و الرومانية و العربية ودراستها و الاستفادة منها لذلك بعضهم يسمي هذه الحقبة بعصر إحياء العصور القديمة أو عصر إحياء المعرفة.

وميز هذا العصر النزعة الإنسانية والتمركز حول الدين و الفضيلة و الأخلاق وكذلك ازدهار للفن و العمارة وبناء الكنائس الضخمة.

ولكن مع نهاية هذه الحقبة أصيبت روما بالفوضى السياسية و ضعفت سلطة الكنيسة وبدأت تستبد وتستغل وبدأت القمة النامية للحضارة تضعف في أوربا الشرقية و تتسرب إلى أوربا الغربية وقد ساعد على الانتقال هو ثورة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر ضد الكنيسة يطالبها بعدة إصلاحات رفض استغلال الدين للمصالح الخاصة و رفض فكرة صكوك الغفران وأنه لا يغفر الذنوب إلا الله ورفض فكرة الجبر و أن الأنسان مجبورا على كل أفعاله و أهمها رفض فكرة حكر العلم على طبقة معينة فسعى لمحو الأمية وترجم الإنجيل للألمانية ويكون بذلك أول من تجرأ وترجم الإنجيل إلى لغة محلية ودعا ترجمته إلى كل اللغات.

وقد وجدت ثورة الإصلاح البروتستانتية في أوربا الغربية وبالذات في فرنسا و بريطانيا معظم أنصارها وخصوصا بريطانيا التي اعلنت الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية وتبنيها لكنيسة جديدة هي البروتستانتية.

وساعد على ذلك اندلاع حرب المائة عام بين فرنسا و بريطانيا بحيث سعت كل من البلدتين إبراز تفوقها على الأخرى من خلال العلم و المعرفة و احتضان العلماء وتم استقطاب العلماء من روما العاصمة الدينية و العلمية لأوروبا.

وبسبب تصحيح مسار الدين تطور العقل البشري ودخلت أوروبا عصرا حضاريا جديدا عرف بعصر التنوير و بعصر العقل وامتدت فترته تقريبا من 1600 إلى 1800 وفي هذه الفترة اهتم تزايد الاهتمام بشكل كبير بالعقل و الثقة الكبيرة بمدركاته فهيمنت على هذا العصر فكرة تطوير المنهج العلمي التجريبي وقدرة الإنسان على اكتشاف الطبيعة و تسخيرها وتصنيف العلوم والمعارف وتطويرها و الفكرة الأهم هي أن المعرفة قوة ولا بد من اكتساب هذه القوة والذي يكتسب العلم يكتسب قوة ويتحرر من سلطة الآخرين و المتسلطين يحبون الجهل لأنه نافع لهم.

وفي نهاية هذه الحقبة انفجرت في العلم ثلاث ثورات هزت مشاعر العالم ورفعت الحماسة نحو التقدم و التطور إلى أعلى مستوياته لتنولد الحداثة ويدخل العقل البشري في مرحلة جديدة من التفكير عرفت بعصر الحداثة .

وهذه الثورات الثلاث هي الثورة الشعبية في فرنسا ضد الملكية وضد الكنيسة وضد النبلاء التي وقفت إلى جانب الملك هذا الأمر الذي جعل الحداثة الفرنسية مفرطة الحساسية تجاه الدين وتجاه الكنيسة.

والثورة الصناعية في بريطانيا وتطور التقنيات الصناعية وهذه الثورة كانت متناغمة مع المذهب البروتستانتي و مع النبلاء الذين تحولوا من اقطاعيين إلى رأس ماليين.

والثورة السياسية في أمريكا التي استقلت أمريكا عن بريطانيا لتبدا أمريكا مشروعها السياسي والاقتصادي و المعرفي الكبير و الذي تم تحت شعارات دينية .

ومع نهاية عصر الحداثة بدأت تنتقل القمة النامية للحضارة من بريطانيا و فرنسا إلى الولايات الأمريكية المتحدة.

وعندما نقرأ تاريخ الحداثة نستطيع أن نبني صحوتنا الإسلامية بوعي وعمق متجنبين أخطاء الماضي و متسلحين بالمعرفة و الفكر فالصحوة الإسلامية لن تبقى على وتيرة واحدة مثل الحضارة الأوربية التي لم تبقى على وتيرة واحدة بل ستتغير أنماطها وأشكالها عبر التاريخ وستتغير كثير من القناعات و سيتناوب على حمل رايتها رجال من فئات مختلفة ولا يمكن لنا أن نضمن بقائها إلا من خلال العلم و المعرفة.

لأن العلم و المعرفة هي التي ستحفظ لنا الثوابت من التغير و التبدل و ستقطع الطريق على الكاذبين و الدجالين الذين سيحاولون تغيير الحقائق و بث الأكاذيب و الخرافات رغبة منهم في إعاقة النمو العلمي للصحوة الإسلامية.

المبحث الرابع

الصحوة و العولمة ورهانات ما بعد بعد الحداثة

نتيجة التطور العلمي و التكنلوجي أصيب العقل البشري بالغرور نتيجة القوة و الهيمنة التي امتلكها بسبب العلم وتميز هذا العقل بالكبرياء و الترفع عن المشاعر و العواطف و الغرائز لأنها تتنافى مع طبيعة الإنسان المتعقلة و تقترب من طبيعة الحيوان الغريزية وصار معظم الذين يمتلكون العلم والمعرفة وجلهم من الأوروبيين يفكرون بعقلية نظرية صرفة في القوة و المال و الهيمنة و الاستعلاء ضاربين بالحائط المشاعر و العواطف حتى سببت هذه العقلية المغرورة و المزهوة بنفسها و المتكالبة على القوة و المال الحربين العالميتين التي ذهب ضحية أطماعها الملايين من البشر.

ولكن حدث بعد الحرب العالمية الثانية و ما جرته على البشرية من ويلات و مآسي أن استيقظ لدى البشرية الضمير الإنساني والحس الأخلاقي الذي صار يدعو إلى نقد العقل الذي ولد الحداثة و الذي لو استمر بنفس النمط من التفكير لقضى على البشرية ويدعو للتقليل من سلطة العقل الصارم لزيادة رصيد الاهتمام بالمشاعر الإنسانية و المدركات القلبية مثل العطف والرحمة و احترام حقوق الآخرين والخ.

وساعد على استيقاظ هذا الضمير هو انتهاء الحرب العالمية الثانية بتشكل قوتين عظيمتين متحاربتين ويحتمل أن تندلع بينهما حرب عالمية ثالثة في أي لحظة لذلك تحرك المجتمع الدولي لإيقاف هذه الحرب المقبلة و البحث عن طرق سلمية لحل المشاكل العالقة من دون حرب لأجل تحقيق السلام العالمي.

والفترة التي نقدت فيها الحداثة ونقد فيها العقل و نقد فيها قسوة الحضارة واجرامها عرفت بمرحلة ما بعد الحداثة وهذه المرحلة شهدت نموا سريعا للعلوم الإنسانية و ظهرت فلسفات و أفكار جديدة وكذلك رجوع قوي للفلسفات القديمة التي تم الإعراض عنها في فترة الحداثة وكذلك رجوع قوي للثقافات و الفنون القديمة ومحاولة المزاوجة بينها وبين الحاضر.

وكان لعلماء المسلمين دور كبير في تشكل ملامح عصر ما بعد الصحوة وذلك أنهم رفضوا كثيرا من الأفكار التي انجبتها الحداثة و نقدوها ونقدوا مذاهبها وأفكارها خصوصا التي تتعارض مع الدين و رحبوا بالأفكار التقدمية التي لا تتعارض مع الدين وقد ساعد على ذلك التداخل بين الحضارات ووجود أعداد كبيرة من المسلمين ومن أصحاب الوعي و المعرفة في بلاد الغرب بحيث اندمجوا مع مجتمعاته وصار تفكيرهم يؤثر على العقلية الجمعية لتلك المجتمعات وبذلك ساهموا في تطور العقل الأوربي و نقله من الحداثة إلى ما بعد الحداثة.

وهذه الحركة النقدية للعقل و للحداثة بدأت تستقر وتتشكل قناعات جديدة و انماط معينة من التفكير تميل بمجملها نحو الأديان و نحو الروحانيات و الماورائيات مما جعل بعضهم يسمي الألفية الثانية بعصر الأديان وبعصر الروحانيات وبعضهم صار يسميها بعصر ما بعد بعد الحداثة أو ما وراء ما بعد الحداثة.

وهنا يتأكد لنا أن العالم بأكمله يعيش صحوات دينية وليس الإسلام فقط وهذه نقطة مهمة للدراسة و التأمل وهذا يجعلنا نحدس و نتوقع طبيعة المرحلة المقبلة و طبيعة الصراعات و الثقافات و المبادئ التي ستتصادم فيما بينها.

أما العولمة فهي لغة إكساب الشيء طابع العالمية وجعله عالميا وهو مشروع ونظام طرحته الولايات الأمريكية المتحدة لتجعله نظاما عالميا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي القطب المنافس لأمريكا ليتحول العالم إلى نظام أحادي القطبية تتزعمه الولايات الأمريكية المتحدة ولكي تبقى أمريكا هي الدولة العظمى سعت لتأصيل هذا النظام وترسيخ نفوذها ليبقى لها الحق الأبدي في استلام عجلة القيادة حتى ينتهي التاريخ.

وهذه الفكر لها ما يناقضها في الفكر الإسلامي وهي عالمية الإسلام وكذلك فكرة الدولة المهدوية الشاملة التي تحكم كل الأرض.

فكأنما أمريكا تمهد إلى حكومة عالمية تخضع لحكم الشيطان وهذا ما كان يؤكد عليه كثيرا الإمام الخميني من أن أمريكا هي الشيطان الأكبر لأن أمريكا بالفعل تسير وفق أهداف الشيطان وتعمل على تحقيق أمانيه ولذلك تسعى تحت عناوين براقة للتغلغل في كل شيء و توظيفه لصالحهم و بذلك يستطيعون عولمة كل شيء حتى الأفكار و الأساليب و الأنماط المعيشية وحتى الأموال و البضائع ليضمنوا نفوذ سلطتهم في كافة مفاصل الحياة و بالتالي ازدياد قوتهم ونفوذهم على حساب إضعاف خصومهم.

لذلك نرى أمريكا تطرح تجربتها السياسية و الفكرية و الاقتصادية و العلمية على أنها النموذج الأرقى للفكر الإنساني و عليه يجب على كل الأمم و الشعوب التي تريد التقدم و التطور أن تقتدي بالنموذج الأمريكي في كل شيء في السياسة و الاقتصاد و الثقافة و الاجتماع و الصناعة و الزراعة و الخ.

وأمريكا لا تريد من عولمة تجربتها و تصديرها إلا بسط نفوذها و توسيع سلطتها بطريقة سلمية سلسة جذابة بعيدا عن استخدام اللغة الامبريالية التسلطية التي تستفز الآخرين لذلك أمريكا تغلف مشروعها بالشعارات الإنسانية المؤثرة كالدفاع عن حقوق الإنسان و عن قيم الديموقراطية و بالتالي تستجيب الدول للدخول مع أمريكا في لعبة العولمة وتبقى أمريكا هي اللاعب الأساسي دائما و هي القطب الذي تدور عليه رحى هذه اللعبة.

وأمريكا تشعر و تعلم علم اليقين أن العقبة الحقيقية أمام مشروعها هو الإسلام و الصحوة الإسلامية وأكثر ما يخيفهم هو تنامي الصحوة الإسلامية الشاملة لأنهم يرون في الإسلام مشروعا متكاملا أكثر تكاملا من مشروعهم ولكن المسلمين كانوا غافلين عنه في الماضي و لكنهم اليوم مستيقظون ويتدارسون دينهم ليكتشفوا خباياه و يسعوا بكل جد إلى تطبيقه متحركين نحو تحقيق أهدافه التي تتعارض و تتناقض مع العولمة المشروع الأكبر للهيمنة الأمريكية.

فالعولمة وسيلة وسلاح تستخدمه أمريكا للهيمنة على العالم و لكن هذا السلاح خطير جدا بحيث أن الذي لا يجيد استعماله قد يؤذي نفسه لأن العولمة هي العالم الكبير الذي جعل في قرية صغيرة وهذه القرية الصغيرة تحتوي على كل الألوان و الأطياف وتحتوي على كل الأمور و الأفكار المتناقضة و المتجانسة لذا هذه القرية الصغيرة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة و تتغير فيها كل المعادلات بسرعة كالقنبلة التي قد تنفجر في أي لحظة.

فقد تنهار شركة صغيرة ولكنها قد تسبب أزمة عالمية في الاقتصاد وربما موت أو تبدل رئيس دولة صغيرة يحدث تغيرا كبيرا في موازين القوى الدولية في العالم وربما سبب انهيار لتحالف عدة دولة ليسقط معسكرهم.

فما عادت العولمة بشتى أشكالها السياسية و الاقتصادية التجارية والثقافية تؤمن لأمريكا الضمان في البقاء الأبدي كقطب أوحد يحكم العالم فقد ظهرت قوى سياسية جديدة على الساحة العالمية ولم تعد هي الأقوى على الإطلاق ولم يعد اقتصادها هو الأقوى الذي يبتلع الاقتصاد فقد ظهرت اقتصادات جديدة منافسة و بأنظمة مختلفة ولم تعد ثقافتها التي تريد تصديرها هي الثقافة الأقوى رغم ما تمتلك من قوة إعلامية تمكنها من غسل عقول الملايين.

ولم تعد هذه الثقافة في مطلع الألفية هي الثقافة المهيمنة على سوق الثقافات خصوصا إذا عرفنا أن العالم متعطش للروحانيات و الأديان التي حرم منها طوال القرنيين الماضيين وخصوصا في هذا الزمن الذي انفتحت فيه الثقافات على بعضها و صار الحصول على المعلومة سهلا يسيرا وفي متناول يد الكل فلم يعد الإعلام الكاذب له الأثر الكبير كما في السابق الذي كانوا يسيطرون على كل وسائل الإعلام و بهذا بدأت العقول ترشد و تترقى و الأقنعة تتكشف و تسقط.

وأضف إلى ذلك أن للفكر الإسلامي قوة منطقية تستمد قوتها من الوحي والعقل و الفطرة تجعله صاحب الحجة الأقوى بين كل الأديان و المذاهب و الأفكار لذلك إذا دخل الفكر الإسلامي المعترك الثقافي و الفكري بعيدا عن ألاعيب السياسة سينتصر بكل سهولة و يسر .

ونتيجة للعولمة و لما بعد بعد الحداثة ستستيقظ الشعوب وسيرتقي تفكيرها مما سيضعف تلاعب السياسة بتفكير الشعوب ستصبح هي صاحبة القرار لا الذين يتحكمون بوسائل الإعلام و ستتضح كل الأمور و ستسقط كل الأقنعة في المرحلة المقبلة وسيكون هذا من أبرز معالمها.

وستكون الحرب المقبلة واضحة وصريحة دون مواربة أو كذب بين قوى الخير و الشر و ستنتصر قوى الخير متمثلة في الإسلام ليبدأ عصر الازدهار و تتشكل حكومة الإسلام العالمية على يد صاحب العصر و الزمان الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا.

النتيجة :

1- الصحوة الإسلامية لن تتحقق إلا بالعلم و الوعي وبإعادة العقل إلى مكانته الطبيعية ويجب أن نعي جيدا لسنن التاريخ ونتسلح بالمعرفة ونتعرف على عدونا وعلى خططه.

2- اتباع الشيطان هم المفسدون في الأرض وهم السبب الرئيسي لانهيار الحضارات و انحرافها عن مسارها الإنساني.

3- الصحوة الإسلامية لم تأتي من فراغ بل جاءت من تضحيات كبيرة من رجال عظام وجهود جبارة لعقول فذة وهمم عالية.

4- الاسلام رحمة للعالمين و لايزال العالم أن تصله هذه الرحمة و لكن هذا يتطلب منا جهدا أكبر لكسر كل الحواجز ضد انتشار الفكر الإسلامي المحمدي الأصيل.

5- صحوة الشعوب هي أعلى مراحل الصحوة و هي مرحلة اللا عودة والتي يأتي بعدها الازدهار و التطور.

6- الحداثة مرحلة فكرية عاشتها البشرية و انتهت تلك الحقبة .

7- العولمة الأمريكية و العالمية الإسلامية طرفي نقيض في المبادئ و الأهداف و العلم و المعرفة و الحضارة أمور محايدة.

المقترحات:

1- يجب دراسة تاريخ الأمة جيدا دراسة واعية .

2- يجب دراسة تاريخ الأمم الأخرى ومعرفة تراثها ومكامن قوتها وضعفها وكيف نشأت وتطورت.

3- يجب دراسة سير وتاريخ علماء الصحوة ومعرفة مآثرهم وانجازاتهم وكذلك تلخيص أفكارهم و نشرها ليسهل الاستفادة منهم.

4- يجب أن نفكر في المستقبل و نستشرفه لكي نستطيع أن نعجل من حركة التقدم و التطور.

5- يجب أن نفكر كيف نخوض معركة العولمة في شتى مجالاتها ونستعد للمواجهة فقبال رؤوس الأموال الغربية يجب السعي لتشكيل رؤوس أموال إسلامية تحرص على رفعة الإسلام و يعمل على تأسيس شركات إسلامية عابرة للقارات و الخ.

6- يجب علينا أن نتعمق في دراسة الغرب كما هو على حقيقته لا كما يحاول أن يصور نفسه لنا وكما كان الغرب يتخصص في دراستنا تحت عنوان الاستشراق يجب علينا أن نتخصص في دراسته تحت عنوان الاستغراب.

7- يجب أن تكون كل دراساتنا أصيلة مستمدة أصولها و أهدافها من القرآن و السنة الشريفة.

الخلاصة:

الأمة الإسلامية بدأت تستيقظ و بدأت تستعيد وعيها الغائب وهي الآن في طريقها إلى الازدهار لتعيد بناء أمجادها و تستعيد مكانتها بين الأمم وكل ما يدور في وقتنا الراهن و إن كان مؤلما بعض الشيء إلا إنه يبعث على التفائل في تشكل وعي جماهيري لدى أبناء الأمة الأمر الذي يقطع الطريق على قوى الاستكبار الحكام الفاسدين في التلاعب بمصير الأمة .

المحتويات:

مقدمة. 2

المبحث الأول. 6

الصحوة الإسلامية النشأة و التطور. 6

نشأة الصحوة 6

مراحل تطور الصحوة الإسلامية. 8

صحوة الرواد: 9

صحوة النخب: 10

صحوة الشعوب: 12

المبحث الثاني. 14

الصحوة الإسلامية ورشد الحضارة الإنسانية. 14

المبحث الثالث.. 17

الصحوة و الحداثة مقاربة تاريخية. 17

المبحث الرابع. 20

الصحوة و العولمة ورهانات ما بعد بعد الحداثة. 20

النتيجة. 24

المقترحات.. 24

الخلاصة. 25

لقراءة الكتاب اضغط هنــــــــــــــــــــــــا

تعليق