2018.09.18

التشيع :التفاعلات والتحولات

- Sayyed-alakwan | 2015.05.10

abdoljalij-ben-sad

وهذا الموضوع تأتي انطلاقته من الحراك الفاطمي الذي جاء مؤسسا لتاريخ ما بعد الإسلام فالإسلام ما قبل فاطمة يحمل تاريخا معينا والإسلام ما بعد فاطمة جاء بتاريخ ذي ملامح جديدة..

حينما نتحدث عن التفاعلات والتحولات للتشيع الذي أخذ صبغته الرسمية في ذلك اليوم (بحسب اعتقادي) فإن لهذا التفاعل بُنى قوية أدت إلى تمدد التشيع وإلى الانبعاث وإلى التمحور العالمي للتشيع، وما أروع التفاتة الدولة الفاطمية حينما ربطت التشيع باسم فاطمة وجعلت أول معهد علمي شيعي باسم فاطمة فالأزهر هو الزهراء، ويرى البعض أنه قد عُدّلَ عليه فصار ينطق ” الأزهر” ..

أولى البنى للتفاعل الشيعي هي الخطة التاريخية:

فالمذهب الكامل والذي يملك التفاعل هو الذي يملك خطة لمستقبل التاريخ سيكون حظه الخلود التاريخي؛ لأن التاريخ له سنن قوية ومنها التغير والتحول والزوال والولادة من جديد للكائنات المادية ..

وفعلا فقد ولدت مذاهب وفرق كثيرة، ولكنها ماتت شأنها شأن الدول والحضارات التي تخرج فتية ثم تكبر ثم تؤول إلى السقوط ونقطتي البداية والنهاية تسمى السنن التاريخية غير ان المذهب الإمامي ورغم الجهود القوية لعزلته وإقصائه هو وعلى امتداد التاريخ لا يعرف إلا الانبعاث والتمدد والقدرة على التدويل والطوفان العجيب، فما هذا الطوفان؟؟

إنه ليس طوفان نوح إنه طوفان فاطمة سلام الله عليها!

لأنها أعطت الخطة التاريخية فرسمت معالم المعارضة وكيف تكون قادرة على المحافظة على نفسها، وكيف تكون زئبقية، تملص بالضغط عليها ولا تتفتت، وتندفع في كل اتجاه بمرونة، بل يمكنها أن تمثل حتى وهي تدور في مكانها مظهرا يشد الانتباه..

هكذا سلمتنا فاطمة مطوية تحمل أسرار الحركة.

ثاني البُنى الأساسية:

ومرة أخرى فإن هذا التفاعل لدى التشيع يأتي وليد الصياغة العقدية فإنها صياغة عقدية عجيبة جدا..

فالصياغة العقدية لدى التشيع ماذا تعني ؟؟

إنها تعني الدين والحياة .

بينما الصياغة العقدية في الكثير من الملل تعني الدين فقط فمهدت في انسلاخ أبنائها عنها كما هو المسيحية مثلا، وكما هي الأيديولوجيات السلفية في ديننا ..

ولكن الصياغة العقدية لدى التشيع تعد من أقوى البنى للتفاعل مع هذا المذهب لأنها تضم الدين إلى الحياة وذلك من خلال نظرية الامامة الكبرى بفروعها الصغرى!

فنظرية الامامة لم تأتي بمعنى المرجعية الدينية فقط، بل هي رئاسة الدين والدنيا وأول من جعل الامامة بهذه السعة المفهومية هي فاطمة عليها السلام بندائها العظيم: “” وطاعتنا نظاما للملة وإمامتنا أمانا من الفرقة “”.

فوجود المطاع ضرورة، والحاجة إليه حقيقة حتى في عصر التنوير والعقلنة والحداثة (فيما أعلم) لا يوجد همس فضلا عن كلام حول ضرورة وجود المطاع !

ومن هنا انطلقت السيدة الزهراء سلام الله عليها فسلمت التشيع نظاما يجعله قويا في كل الأحوال حتى لو كان معزولا لكنه بفكره سيستطيع أن يخرج كالحسناء التي يرغب كل ذوي العقول في مغازلتها، وقد يرى الراصد من الناس أن المغازلة الفكرية لم تنقطع عن التشيع ..

وهو عبارة عن توهو نظام إمامة يتحدى وذلك بمعنى أن العزلة لا تستطيع إلغاء دورها مع هذا النظام، وهل نشك بأن الحرب النفسية و الاضطهادية لم تنقطع طيلة تاريخ الأئمة الإثني عشر ومع ذلك لم يتوقف تمدد التشيع مع هذه السياسة؟!

لأنه نظام مميز بالخطة المتعددة الجوانب تقدم جانب مهم في حديثنا عن البنى الأول والثاني وهنا نضيف شيئا آخر وهو:

البنى الثالث:

الفروع الصغرى للإمامة الكبرى ولنسترجع اسمها الفقهي وهي النيابة فبالنيابة يبقى دور الامامة قائما ويبقى مقتدرا لأنه النيابة تعني تسلم دستور الامامة مع الوصول إلى مستوى المأمونية في الحفاظ عليه والحرص على تنفيذه، وهو وإلى جنب ذلك قد حفظ عن الله ورسوله التشريعات التي تتجدد بتجدد الحياة وهذه المسألة تحتاج إلى موقع آخر للحديث الخاص.

البنى الرابع:

وفي مبنى آخر من بنى التفاعل هو تسيّدنا وتسيّدُ مذهبنا في الساحة الجدلية:

إننا معاشر الشيعة مثار الجدل حيثما نكون وحيثما لا نكون أي حتى العالم الذي ليس فيه أحد من الشيعة دخله هذا الجدل فصار يجادل في التشيع ؟؟

ولكن هل التسيّد في الساحة الجدلية يعني الصدارة حقا؟؟ إن كان يعني الصادرة فهي مكسب وربح ..

لكن البعض يشتهي أن يقول بأن كونك طرفا في الساحة الجدلية فهذا يعني أنك في مرحلة مخاض أي يمكن أن تكتب لك الولادة ويمكن ان تكون سقطا فنخسر الوجود!!

بينما من الوهم (في تأكيدنا الخاص) أن يرى في جدلية التشيع مجرد مخاض لأن المخاض لا يدوم قرونا فقرونا بل هذه صورة غير معهودة في التاريخ؛ لذا من اليقين أننا تجاوزنا مرحلة المخاض وولدنا بولادة خطاب فاطمة عليها السلام.

لكن ومن أجل توضيح ارتباط دخولنا الساحة الجدلية بالصدارة أقول اليوم أصبح يجادل فينا معظم الاتجاهات البشرية!!

فالكيان الشيعي مثار للجدل ولا يكون الجدل من حوله في مؤتمرات عربية إسلامية فقط بل إن الصقور والحمائم في الكونغرس الأمريكي تجادل حولك أيضا ؟!

وإن الكيانات المختلفة هنا وهناك وإن كانت عبرية وأنت تنتمي للعربية إلا أنها تجادل فيك !!

فالعبرية والانجليزية كما كان البربرية تجادل فيك، فهكذا كل انتماءات العالم وبلا تمييز هي تجادل في التشيع، أي أن الديني والسياسي والقومي يجادلون في التشيع..

ولعله لا تفوت في الملاحظة أنني عبرت تجادل حولك وفيك ولم أعبر تجادل ضدك، فقد أردت أن أكون دقيقا في تعبيري؛ لأن المجادلة فيك شيء والمجادلة ضدك شيء آخر، ولو كان الكل يجادل ضدك لفنيت ولقضي أجلك !

ليس هناك في الجدال الدائر اتفاق على نبذ التشيع بل الجدل القائم هو تفاعل وتواصل مع التشيع أراد الآخر أم لم يرد ..

فلو أصغينا لصوت الجدال السني حولنا لرأينا أن من السنة من يرى فيك مركزية فكرية فيميل في أقواله نحو أقوالك.

ومن السنة أيضا من يدافع عنك وحتى في اليهودية من يدافع عنك..

وفي المسيحية أيضا من يرى رأيك أو يرى أنك قامة أو يرى أن لك تجربة حرية بالدراسة

فيك تفتح الجامعات أبوابها لاستقبال أطاريح مختلفة وتمنحها أعلى الدرجات سواء كانت منصفة بالكامل أو كان بعضها انصاف وبعضها جزاف!

فالعالم لم يحسم أمر الاقصاء أو الإبقاء على التشيع وبهذا يولد السؤال: من أين جاء هذا التحير العالمي عن إقرار الاقصاء بقرار حاسم ؟؟

أقول هذا ما أسست له الزهراء..

لأنها في الحقيقة رفعت شعار المطالبة السلمية فهي رفضت اتجاهين في معارضتها

وهما: الذلة والسلة !!

فالزهراء لا تراجعَ عندها عن المطالبة السلمية..

ولا تفاعل عندها مع الدعاوى التصعيدية، فهي لا تريد تصعيدا ولا تريد انسحابا هذا المعنى الذي تممه علي وواصله بعدها” لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين” .

فبهذه الطريقة ستجعل العالم كله يموج في بحرك فأي قارب أو مركب يقترب منك سيجد الاتجاهات كلها مفتوحة أمامه.

وهذه واحدة من البُنى المهمة التي تجعل العالم يتفاعل معك ويتواصل معك أراد أم أبى ..

وعلى مستوى الزهراء فإنها قالت كلمتها وتظاهرت ولكن ليست مظاهرة الحرب بل مظاهرة الهيبة وحافظت على النظرة العامة تجاهها وتجاه زوجها، ثم عادت آمنة على نفسها وعلى زوجها.

خامس البُنى هو العملانية والحركية:

فهذه الدينامية التي يمكن أن نتحسسها في فصول العقيدة الشيعية ويمكن أن نتحسسها أيضأ في فصول الشريعة الفقهية للتشيع لها نتيجة طبيعية وهي التقدم إلى الواجهة الحضارية !!

هذه الحالة التي صارت تواجه سؤالا كبيرا وعالميا وهو:

لما لا يمكن غلق الباب في وجه التشيع لما ؟؟

وكيف هذا الانبعاث والطوفان الشيعي لا يمكن إيقافه؟؟

طبعا هناك إجابة رسمية هزيلة على صوت السائل تقول: أن ذلك هو سياسة النفوذ والهيمنة.. وهذا غير صحيح فلا نفوذ غير طبيعي للتشيع ولا هيمنة سياسة مدعومة أو غير مدعومة ..

بل هذا الوضع المحير لديهم يرجع إلى أمور كثيرة وواضحة:

أكبرها تأثيرا هو أن هذا المذهب يملك النظرية السياسية العالمية وهي سياسة الحفاظ على النظام العام ودعمه من غير قيد ولا شرط وإن كان ثمة شرط فإن فقده لا يعيق!!

والقارئ سيرى ــ وعلى مدى سلمه الفقهي ــ هذه النظرية ظاهرة ويمكن ان نخرج بعض الأمثلة من فقهنا الحديث إلا أني سأحاول أن أحضر ولو مثالا واحدا من القرن السابع والثامن الهجري أي قبل القرن التاسع والعاشر الهجري حتى لا تأتي تهمة أن النظرية صفوية فهي تطور فقهي على أساس سياسي لا على أساس مرجعي!

1 المحقق الحلي صاحب كتاب شرائع الإسلام فهو يتحدث عن بعض جوانب النظرية السياسية، ويقول: “” الولاية من قبل السلطان العادل جائزة إذا لم يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بها…””.

(شرايع الإسلام:266)

فهو مرجع المذهب في وقته ورغم أنه كان يرى العالم ضده وطبيعة الواقع الظرفي يحدو بالفقيه أن يتبرأ من كل من يعاديه، إلا أن الواقع الظرفي هذه المرة فشل في التأثير على الحلي و لم يتبرأ من إقرار العمل النظامي مع كل دولة في وقته كما لاحظتم في المقال..

مرة أخرى يقول:”” ان الاجتماع مظنة النزاع ومثار الفتن والحكمة موجبة لحسم مادة الهرج وقطع نائرة الاختلاف ولن يستمر إلا مع السلطان””.

(المعتبر:2/280)

إذن فإنا نرى المحقق الحلي وقبل الدولة الصفوية يذكر الحاكم والحكومة في دورته الفقهية ثمانية عشر مرة !

2 المحقق السبزواري الذي كتب الروضة العباسية كدستور ملكي لحاكم الدولة الصفوية الشاه عباس الثاني والمفاجئة عندما نتصفح الكتاب نجد أنه لم يتملق ولم يجامل وتكلم كلام الواعظ وقدم في الحكومة نظرية فلسفية دينية وتحدث عن غاية خلق الانسان وما يجب على الانسان وتحدث عن الأقليات ويعد هذا من الحديث المبكر عن الأقليات تحت اسم المستضعفين وتحدث عن وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يتملق !

سادس البُـنى هو الانتماء الحقيقي:

وهذه نعمة نجد طعم الامتنان الإلهي معها ونسأله أن يجعلها صفة باقية علينا، رغم أنه لا يزال هنالك من يحاول أن يحرف البوصلة النفسية والاجتماعية للشيعة إلى اتجاهات مناقضة، ولكن إن شاء الله ما هي إلا زوبعة في فنجان وهواء في شبك كما يقولون..

فالانتماء الحقيقي غير المزيف لا يعني ألا تعارض ولا تعترض ولكن حينما تعارض لا تغيب نبرة الشفقة عن لسانك، فتشفق على عدوك وعلى خصمك وتبقى في مركز الحريص على مصلحته كما أنت حريص على مصلحتك أي تتحدث عن الكيان الاجتماعي الواسع ولا تتحدث عن موقعيتك، و لا تطالب بما يصلح شأنك إن لم يكن هنالك ضمانة لصالح شأن جميع الطوائف من حولك ..

فالزهراء سلام الله عليها حينما وقفت في مسجد أبيها خاطبة كانت ترى أن خصمها هو المهاجرة والانصار، ولكن ذلك لم يمنع الزهراء من أن تعتبر بموقعية الأنصار في سياق الاحتجاج وهذا نمط من العقلانية الخطابية ويسعنا أن نسميها (عقلنة المعارضة) فتحدثت عن ذلك الماضي بتجلة واحترام بالغين فتقول:

“”أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه وأمناء الله على أنفسكم وبلغاؤه إلى الأمم… “”.

فقرعتهم بالعبودية ولم تقرعهم بالتكفير والإخراج عن الملة !!

ومن هنا تتحدث الرواية أن الجميع أجهش بالبكاء لأنه منطق غير متوقع فربما كان الكل يتوقع من فاطمة أن تتحدث بشكل رعديد يفتح المجال للرجال ليقولوا ردوا هذه المرأة الضعيفة إلى بيتها واستروا عورتها في صوتها ومنطقها..

نعم ربما الكثير كان يتأمل ذلك وأن تخرج فاطمة بهذه الصورة !!

ولكنها فاجأت القوم بخطاب معقلن وبمعارضة معقلنة طبقا لقوله تعالى:{أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}.

لأن هذه العقلانية استطاعت أن تلامس منهم الشغاف وأن تقف بهم على الأمر الواقع!

وهكذا استمر الشيعة بعد فاطمة الزهراء سلام الله عليها فدارسوا التاريخ إلى يومك هذا يقفون على منعطفات التشيع التاريخية وقفة الحيران..

فمن صفحات الماضي هلاكو وقبله جانكيز خان أي التتر عموما الذين سيطروا على الصين وعلى إيران ومناطق كثيرة في آسيا، و بعدها رأوا أن هذه البقعة من الشرق الأوسط وهي شبه الجزيرة العربية والعراق لا تزال خارجة عن سيطرتهم فجاؤا وسفكوا الدماء ببغداد بداية وما استطاع أن يحول استراتيجية المغول إلا الفكر الشيعي!

فكانت الغزوة الوحيدة لهم التي لا نهب ولا حرق ولا قتل ولا سبي فيها هي فتح شبه الجزيرة العربية ومصر وسوريا وغيرها لما؟؟..

لأن هولاكو أخذ رجلا اسيرا مكبلا عرف له بأنه فيلسوف وذلك الخواجة نصير الدين الطوسي وابن العلقمي وإلا فهو قد قتل كثيرا من رجالات العلم ولكن بخصوص الخواجة نصير قيل له لا تقتله فإن لك في مثله مآرب فأخذه معه وبعنوان الأسير يتحدث وبعنوان الأسير يشير وبعنوان الأسير ينصح ..وهكذا استطاع أن يروض هولاكو إلى أن اصحب ذا منزلة وحظوة عنده وبدأ يؤثر على قرارته ويكف يده عن الهتك والسلب والنهب والحرق.

هذا المعنى الذي استمر وحتى الثورة العشرينية في العراق فالشيعة في النجف وكربلاء وغيرهما عانوا كثيرا من غزو و هجومات واستخفاف ولكن حينما يتحرك البريطاني لغزو الاستعماري يضع الشيعة من المفتي إلى المستفتي أيديهم في أيدي إخوانهم أهل السنة ليقاتل الغزو الاستعماري هكذا يريد أن يقول بأن للعداء حدود وأن للاختلاف حدود وأن هذا الانتماء الحقيقي وليس المزيف والانتماء الحقيقي هو أن تبقى في قواك العاقلة

ويدل على الانتماء الإسلامي الصحيح قضية فلسطين فقبل أعوام هممت أن أكتب كتابا أو مقالا فلسطين في عيون مراجع الشيعة وكيف كان حضور كثير من مراجعنا في قضية فلسطين و موقفهم من الخطر الصهيوني..

تعليق