2018.11.14

العلاقات الكارثية والانحراف السلوكي / الشيخ حسين المصطفى

- Sayyed-alakwan | 2015.01.15

a9c0d578c4a9a3669f760daf676a8762_XL

هذه أسئلة متعددة وجهت لسماحة الشيخ حسين المصطفى في سنة 1430هـ / 2009م من قبل الكاتب الأستاذ ناصر حسن الجاروف ،

وهي أسئلة تحوم حول (العلاقات الكارثية) أي: العلاقات الشاذة التي أخذت تزداد في مجتمعاتنا … ولهذا قام الكاتب -مشكوراً- بهذا الحوار المطول..

السؤال الثاني :

علاقة الإشباع العاطفي مرتبط بشكل كبير بسلوك الإنسان تجاه الغير. إلى أي حدّ يمكن أن يؤثر الإشباع العاطفي أو الحرمان العاطفي على الانحرافات الجنسية ؟

الملاحظ أنّ في حياة أولادنا أكثر من (فراغ عاطفي) أي أنّ هناك هوّة عاطفية تنجم عادة من أجواء أسرية خانقة لا يجد فيها الشاب والفتاة ملاذه الآمن فيحاول أن يبحث عن المعوّضات التي تسدّ له هذا النقص، أو تردم له تلك الهوّة .

من هنا نلاحظ أنّ ميل بعض أبنائنا إلى العم أو الخال أو الجد والجدة، إنما يكون -أحياناً- بسبب الفراغ العاطفي. وكذلك تعلق بعض الفتيات برجال كبار في السنّ، ربما يكون -في أحد أسبابه- افتقادهم للحنان الأبوي وعثورهم عليه عند غير الأب .

وأكدت بعض الدراسات أنّ الإناث في المجتمع قد يقعن تحت ضغوط أسرية من الوالدين ما يعيق استقرارهن الاجتماعي ويشعرن بالحرمان العاطفي.. وأنّه حين تجد الفتاة نفسها في هذا المناخ الأسري الرديء حيث تشعر بالحرمان العاطفي، قد تضطر إلى أن تبتكر وسائل غير مشروعة للبحث عن الحب والحنان كأن ترتكب أفعالاً محرّمة تحقق ذاتها وتعوّض الفشل العاطفي الذي واجهته في حياتها الأسرية (مجلة الأسرة العدد 142).

وفي الدراسات والبحوث الجنائية اتضح أنّ أحد أهم عوامل الجنوح إلى الجريمة هو النقص الحاد في التغذية العاطفية للجاني، كما تبين من دراسات اجتماعية ونفسية أخرى أنّ رغبة بعض الطلبة من الشباب والفتيات بالدروس الخصوصية ليس عدم الاستيعاب في غرفة الدرس، وإنما لعوامل غير مباشرة من بينها الظمأ العاطفي الذي يعبّر عن نفسه بأشكال مختلفة.

وما تشدد المربي الإسلامي على احتضان ورعاية وكفالة اليتيم؛ لكي لا يتحسس بوطأة الفقد عليه من خلال الاقتصاد أو التحفظ العاطفي، فكلّها توحي أنّ الفراغ العاطفي أو النفسي الذي يخلّفه اليتم كبير، ولا بد من السعي لإكماله وإتمامه بنحو أو بآخر حتى يتجاوز اليتيم عقبة اليتم ويخرج إلى الحياة معافى من عقدة النقص العاطفي التي لو استشرت لدفعت إلى الجنحة والجريمة والإحساس بالجفاء والجفاف الاجتماعي.

وللإشباع العاطفي صوره المختلفة تبعاً لظروف تطور الطفل في حضن والديه :

منها : أنّ الطفل يلوذ الطفل بصدر أمه لا ليرتوي من لبنها فحسب، وإنما بحثاً عن (الأمان) الذي ينشده في أحضانها.

ومنها : قبلات الوالدين لأولادهما هو عبارة عن شحن عاطفي لا يستغنون عنه كما لا يستغنون عن غذائهم وشرابهم، وكم استغرب النبي excaim من الأقرع بن حابس؛ الذي رأى النبي excaim يقبل الحسن والحسين عليه السلام فقال له : لي عشرة أولاد لم أقبّل أحداً منهم، فقال له النبي excaim : “إنك رجل نُزعت الرحمة من قلبه”!

ومنها : كلمات اللطف والحنان من الأبوين، وكذلك العاطفة الرقيقة التي يعبّر عنها بنبرة الصوت، والدفء الغامر، … لها من القوة المنشطة ما لا يجده الشباب في أقوى المنشطات المتوفرة في الصيدليات على الإطلاق.

ومنها : احتضان الخطأ الذي يقع فيه أبناؤنا برفق، وتقدير مشاعرهم، والانتباه إلى ما يجرحهم من كلمات أو أفعال، وإشعارهم أنّ البيت هو الملجأ، وأنّ صدر الأم لا يعوض، وأنّ كتف الأب لا يستبدل. هي أمصال وقاية من الانهيار النفسي الذي يتعرّض له شبابنا من (الفراغ العاطفي) .

ومن هنا لا بد من الالتفات إلى بديهة ضائعة بيننا وهي : “ما لا أجده في بيتي وبين أسرتي، سأبحث عنه خارجها” ، وهذه بداية التصدع الأسري من الداخل حتى وان بقيت الروابط الشكلية بين أفراد الأسرة قائمة.

إنّ الدراسات تصرح أنّ كثيراً من المثليين كانوا يتميزون بالبراءة والعذرية الشديدة في تعاملهم مع الفتيات في الصغر، بينما يعيشون حالة من الفجور مع الأولاد؛ بسبب شعورهم بالهزيمة وقبولهم الفشل والاغتراب النفسي، والتواصل الاجتماعي والنفسي المشوه مع الآخرين الناتج عن إحساسه بالنبذ والرفض، وإهمال الوالدين له، وعدم الإشباع العاطفي. إذن هو تشوه في التكوين النفسي والجنسي للطفل منذ مراحل نموه المبكرة نتج عنه استعداد نفسي لهذا الانحراف ساعد عليه ضعف في تكوين “الأنا” في مواجهة الإحباطات المختلفة وعجز النسق القيمي الداخلي عن مواصلة عمله نتيجة غياب النموذج الأخلاقي الأول (الشذوذ الجنسي غرام في الممنوع، رضوى فرغللي : جريدة القبس الكويتية، السنة 38، العدد 12858، الثلاثاء 20 ربيع الأول 1430، 17 مارس 2009).

وثبت أنّ أحد أسباب الانحراف الجنسي هو التربية الخاطئة قبل البلوغ، أو الجهل بالمسائل الجنسية والتساهل في ترك الصبيان والصبايا يمارسان الأعمال المنافية للعفّة والمخلّة بالطهارة. فمن الضروري أن يتلقّى الشاب والفتاة المراهقان ثقافة التوازن، فلا تكون الغريزة طاغية على أبعاد شخصيتهم الأخرى، فللغريزة الجنسية كما لأيّة غريزة أخرى حدّ معلوم، ولا يصحّ أن يشتغل التفكير بها والتنفيس عنها الوقت كلّه والاهتمام كلّه.

وإذا ما قيمنا ظاهرة (الشذوذ) و(الانحراف) نراهما ينطلقان من تربية معينة؛ كأن يُربى الولد بطريقة يتقمص فيها شخصية الأنثى أو أن تتربى الأنثى بطريقة تتقمص فيها شخصية الذكر.. أو من حالات طارئة؛ كأن يخضع الإنسان لاعتداء جنسي، وقد يتكرر ذلك معه بحيث يتحوّل إلى عادة يُدمن عليها ، ويتطلّبها بوحي الإدمان، وربما يخضع لبعض الأوضاع النفسية التي تجعله يتعقّد من المرأة إذا كان ذكراً أو من الرجل إذا كانت أنثى .

السؤال الثالث :

هل هناك بدائل يمكن أن تؤدي دور الإشباع العاطفي خاصة في ظل الانشغالات والتباعد الأسري ؟

مسألة الإشباع العاطفي هي رسالة الإنسان في هذه الحياة في المجتمع والأسرة ولا يمكن لأي بديل أن يحل محل ما هو ضروري. وتصف إحدى زوجات رسول الله excaim الرسول فتقول : ” كان رسول الله excaim إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان ضحاكاً بساماً، وما كان إلا بشراً من البشر، كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمة أهله-يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته “.

نعم ، (كان يكون في مهنة أهله) وهنا نتساءل :

هل كانت زوجاته excaim يشكين كثرة العمل ومشقته حتى يكون عمله excaim في بيوتهن معونة وخدمة لهن؟!

كلنا يعلم كم هي مساحة حجرات زوجاته، كانت حجراتهن متقاربة الجدر صغيرة المساحة بحيث لم يتجاوز طولها 5 أمتار، وعرضها 5و3 متر.. وفي بعض الأحيان تمضي الشهران بتمامها وما أُوقد فيها نار لطعام يصنع، فهل يوجد عمل يحتاج إلى جهد فضلاً عن أن يحتاج إلى معونة بحيث يكون النبي excaim في بيته مشغولاً بمهنة أهله ؟!! ولكنها المواساة في الحياة الزوجية وتحقيق أحد معاني السكن إلى الزوجة لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ، ولم يقل لتسكنوا معها .

إنّ هذه الأعمال اليسيرة في المنـزل تصل إلى قلب الزوجة ممتزجة بمعاني الحب والمودة والرحمة، وتشعر الزوجة بالدنو القريب إلى زوجها، والامتزاج الروحي والعاطفي. وإنّ معاني الالتحام الزوجي تنسجها هذه اللمسات المعبرة، فيكبر في عين زوجته بقدر تواضعه، ويعظم في نفسها بقدر بساطته.. عن الرضا، عن آبائه عليه السلام : قال رسول الله excaim : “خَمْسٌ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى الْمَمَاتِ: الْأَكْلُ عَلَى الْحَضِيضِ مَعَ الْعَبِيدِ، وَرُكُوبِيَ الْحِمَارَ مُؤْكَفاً، وَحَلْبِيَ الْعَنْزَ بِيَدِي، وَلُبْسُ الصُّوفِ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الصِّبْيَانِ لِتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي”.. هذه المشاركة المعبرة والإيناس المبهج سوف يجعل من الزوج يحتل مساحة كبرى في قلب زوجته ووجدانها. فعلى الذين يشتكون برودة الحياة الزوجية وجفافها أن يتعلموا من أنّ الدماء تتدفق حارة في حياتهم بمثل هذه اللمسات الساحرة .

وهناك مجموعة من النصائح على الأهل الاهتمام ويمكنها أن تكون بدائل تؤدي طريقاً من طرق الإشباع العاطفي :

* الاهتمام بالتربية المتوازنة للأطفال بحيث لا يشعر الطفل بالحرمان ولا بالدلال الزائد .

* الابتعاد عن القهر والظلم وخاصة من الأمهات المتسلطات أو الآباء العنيفين، فقد ثبت علمياً أنّ القهر يقود إلى الشذوذ .

* التربية الجنسية مهمة جداً ، فهي تقي الأطفال من الوقوع في الخطأ بما يتسلحون به من المعرفة والعلم فالمطلوب من المناهج الدراسية توفير مساقات تعليمية في المدارس تعلمهم إضرار العادة السرية مثلاً وغيرها من الأمور الجنسية اللازم تعلمها بطريقة علمية مبسطة .

* ولا ننسى أهمية الديمقراطية في التربية فهي الأمثل لبناء شخصية قوية قادرة على مواجهة كل الأمور؛ لأنّ الطفل ذا الشخصية القوية لا يمكن الضحك عليه، أو استغلاله، ويستطيع أن يدافع عن نفسه .

تعليق