2018.10.16

محطات وتحولات في تاريخ الرسالة (2)

- Sayyed-alakwan | 2015.01.07

1310496731

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).
اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيّتنا خالصة لوجهك الكريم، يا رب العالمين.
قال الرسول الأعظم (ص): «ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليّ، فإنها تَذهب بالنفاق»([2]).
ذكراك نورٌ كلها بركاتُ فيها الوجودُ تسوده البسماتُ
يوم به كل النبوة بشرت وتباشر الإنجيلُ والتوراةُ
ولد النبي المصطفى يا سادتي حباً له فلترفع الصلواتُ

منزلة العقل:

في الحديث الشريف عنه (ص) أنه قال: «إن الله خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، وقال له: أدبر فأدبر. فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقاً أعظم منك، ولا أطوع منك، بك أبدأ وبك أعيد، لك الثواب، وعليك العقاب»([3]).

للعقل أهميته الكبيرة، فهو قيمة سماوية أودعت في أبناء البشر، به امتازوا عن سائر المخلوقات. فبالعقل توزن الأمور، وبه ترسم الطرق الموصلة إلى الهدف، وما دخل العقل في شيء إلا زانه، وما تخلف عن شيء إلا شانه.

بأيدينا ننمي العقل، وبأيدينا نعطي قياده لآخر يحشوه كيف شاء. وهو من أعظم النعم علينا، فربما يستغني الإنسان عن بعض جوارحه، مختاراً أو مكرهاً، لكنه لا يستغني عن العقل، وحتى أولئك الذين يضعون عقولهم لساعات معدودة تحت طائلة المؤثر إنما يقدمون على ذلك بعد أن يفرغوا العقل من ثوابته. لذلك يضعون العقل في موضعه، فيسافر بهم إلى الحضيض.

بين العقل والعلم:

ولأهمية العقل في مدرسة الإسلام، فقد اعتنى النبي الأكرم (ص) في تعريفه، مع أن الموارد التي ذهب في تعريفها ابتداءً كانت محدودة، ومنها العقل.

يقول النبي الأعظم (ص): «إنَّ العقل عقال من الجهل، والنفسُ مثل أخبث الدواب، فإن لم تعقل حارت»([4]).

كلنا يحمل بين جنباته روحاً، وهذه إما أن تتحرك في مساحات السمو والارتقاء، أو تنزل إلى دركات الانحطاط، وسائسها وقائدها في كل ذلك هو العقل. فالعلم ليس شافعاً، إنما هو مساعد، وهو صنيعة العقل، وإلا فإن إبليس كان عالماً، وكذلك بلعم بن باعوراء، وهكذا الذين ضلوا وأضلوا، منذ زمن رسول الله (ص) وإلى يومنا هذا وما بعده.

فالعلم ليس هو الملاك، حتى في دائرة مدارسنا الدينية والحوزة العلمية، فربما يصل الإنسان إلى مقام الاجتهاد، ولكن يبقى ينقصه العقل. فقد كان في طريقه للوصول إلى هذا الموقع، وهو سمة الاجتهاد، يستخدم عقله في سبيل الوصول إليها، لكنه عندما يصل يتخلى عن العقل، فتصبح فتاواه وتصرفاته وتوجيهاته وانطلاقاته غير متزنة، لا لأنه لا يملك عناصر الاستنباط، ولكن العقل المدرك لساحة الأحداث لم يأخذ مساحته، ولم يقم بدوره كما ينبغي.

لذا تجد في بعض الأزمنة والمواطن، أن ثمة ما يصدر وتُدفع ضريبته باهضة التكاليف، سببه أن العقل لم يحكم الفتوى أو الرأي أو المشورة أو التوجيه، فتدخل الأمة في أتون صعب المخاض، خطر النتائج. وكذا الأمر في مساحات أرباب الأموال، ووجهاء المجتمع وغيرهم.

الحاجة إلى النقد:

وينبغي أن لا نتحسس من ذلك، لأننا لا نقصد أحداً بعينه إنما نعني العنوان العام، كما هو الحال في سائر العناوين والقضايا، فعندما أتكلم عن الكذب فليس بالضرورة أن الباعث لذلك أنني اصطدمت بموقف فيه كذب، فلو وجد من هو كاذب، فلا ينبغي أن يظن أنّ الكلام الصادر موجه له، إنما هو كلام سيال له قابلية الانطباق على مجموعة من الأفراد، سواء كان عالماً إن كان الحديث عن العلم، أم وجيهاً إن كان الحديث عن الوجاهة، أم غير ذلك من العناوين التي نفخر بها. فليس هناك كمال مطلق يجعلنا لا نقترب إطلاقاً، فذلك لا يمكن أن نتصوره إلا في مساحة واحدة فقط لا يجوز الاقتراب منها، وهي مساحة المعصوم (ع) أما خارج هذه الدائرة فالأبواب مشرعة.

ومن الجدير بالذكر أن توجيه النقد أو الملاحظة هو بخلاف ما يتصور البعض من أنني أدفع المجتمع إلى التمرد على الثوابت والرموز، فأنا أحترمهم وأقدسهم، لكن هذا لا يعني أنني أنقد العنوان، فمتى وجد الإنسان في داخله تحسساً من شيء فعليه أن يصحح، لا أن يعترض، أو على الأقل أن يستوضح ويستفهم، وإلا كيف يمكن للمجتمع أن يسمو ويتكامل ونتجاوز مرحلة التخلف؟ فالمجتمعات التي لم تقبل النقد يوماً، لم تتكامل ولم ترشد، ودونك أوراق التاريخ التي دونت مسيرتها.

إن ثقافة النقد شبه معدومة، وما لم نفتح هذا الباب فلا نستطيع أن نتطور ونسد الخلل، ونقرأ المستقبل بآلية أكثر قابلية وقدرة على النفاذ، فليكن الإنسان عالماً، أو رجل دين، لكنه ليس معصوماً كعلي بن أبي طالب، بل حتى المراجع لا ينتهون إلى مستوى العصمة، إنما يُرشدون إلى هذا المعنى بأنفسهم، ويستعينون بالآراء من حولهم، لأن العقل يتحرك في كيانهم، فلو أنه تجمّد لما قبلوا النقد والنصيحة من الآخر أبداً. إلا أن ما نراه في الواقع هو قابلية المرجع أن يسمع، ولكن الإشكالية في الموانع والسواتر والوسائط والحواشي وأمثالها، أما نفس المرجع فلا.

لذلك نجد حالة من عدم المساواة في القول والفعل بين المراجع، فالسبب في ذلك هو الحاشية، والجماعة الملتفة، من الطلبة وغيرهم.

فالعقل مهم جداً، وإذا ما تخلينا عنه فإن النفس تحار بما تصنع، وتبقى كالأعمى الذي لا يهتدي سبيلاً، لأنها ألغت المحرك الأساسي الذي يحركها ويوجهها. فاليوم تجدها مع الفريق الفلاني، وغداً مع الفريق الآخر، وبعد غد مع فريق ثالث، وهكذا.

وظيفة العقل ودوره:

كما أن النبي (ص) اندفع في بيان وظيفة العقل، وأكد أنها وظيفة أخرى في سبيل صياغة حياة كريمة. بل إن الله تعالى زودنا بالعقول لنمتاز بها، لا على سائر المخلوقات الأخرى التي تعيش معنا فحسب، بل فيما بيننا أيضاً. فهنالك آيات وروايات كثيرة يتعاطاها البعض ويتعامل معها ويفعّلها فيتقدم ويتطور، ويهملها البعض الآخر فيتأخر. لذا تجد في وسط الأمة المتقدم والمتأخر، والعقل هو الذي يقف وراء تلك الحالة من التمايز.

كما أنه (ص) ـ وهو الناطق عن الحكمة المطلقة ـ أعطى العقل دور التكليف والحفظ والمراقبة، فهل تعاطيناه نحن في مساحات التكليف كما أريد له من التكليف؟ وهل تركنا له مساحة بين أيدينا لحفظ الثابت؟ ثم ما هي مساحة المراقبات التي يمكن للعقل أن يتحرك فيها؟ وهل أتحنا له فرصة التحرك أو قيدناه؟

هذه سنة ميلادية جديدة تمر على ميلاد سيدنا المسيح (سلام الله عليه وعلى نبينا محمد) ويمكن للمرء فيها أن يجلس مع نفسه قليلاً، ويسألها عن تلك الأمور الثلاثة (التكليف، الحفظ، المراقبة) هل أخذت دورها كمنا ينبغي أو لا؟

وبما أن للعقل أهمية كبرى، وآثاراً مترتبة على حركته، فقد اعتنت به الرسالة الإسلامية المقدسة، منذ تشكله وتكوينه، بل حتى في مقدمات التشكل.

والمشكلة فينا أيها الأحبة أن الروايات التي تصب في الجانب العبادي تشغلنا كثيراً، لكن الروايات التي تنص على أن الدين المعاملة، والتي تتعلق بالجانب العملي من حياة الإنسان المسلم، لم تحظَ بالمساحة الكافية والعناية المناسبة، رغم كثرتها، ورغم أننا في مسيس الحاجة لها. وقد قام بعض العلماء بجمع بعض تلك الروايات وتبويبها، كما في المحاسن ومكارم الأخلاق، وغيرها من الكتب، في وقت لم يكن التصنيف كما هو عليه اليوم.

الإبداع العلمي والثقافي:

لذا فإنني أدعو الشباب الأحبة الذين يمتلكون ثقافة وحساً دينياً وقابلية للإنتاج، أن يعمدوا إلى تبويب بعض الكتب، فهذا غير موقوف على رجل الدين أو طالب الحوزة، بل ربما يكون نتاج من كان خارج الحوزة في هذا المجال أكثر قيمة، وأفضل تنسيقاً.

وقع في يدي كتاب، عبارة عن جمع مجموعة من الروايات تحت عناوين معينة لأحد الباحثين الأكاديميين الإيرانيين، فرأيت أنه يجبر المقابل على الرجوع إليه وقراءته، صحيح أنه بالفارسية، وليس فيه حرف عربي إلا الآيات والروايات، لكنه تبويب واستخلاص مريح يجعلك تستغني ـ كخطيب ـ عن مد يد الاستعانة بالحاسب، في تأمين مادة قرآنية لمواضيع معينة لأكثر من سنة، ومؤلفه شاب أكاديمي ليس برجل دين ولا معمم.

أيها الأحبة الشباب: بدل تضييع الأوقات فيما لا فائدة من ورائه، لنقم بمجموعة من المحاولات البسيطة. وفي نيتي أن نستضيف في أحد الأيام واحداً من ضيوف الشهر من المعنيين في التأليف والتبويب والتصنيف، ليشحذ الهمم، ويوجه، ويضع الراغب في ذلك على أول الطريق.

فلا أحد يتصور أنه صغير، فمن تصور نفسه كذلك سيبقى صغيراً حتى القبر، فلا تعتقد في نفسك إلا أنك كبير، ولا يعني ذلك أن تتكبر على الآخر، فأنت كبير بنفسك وعقلك والدين الذي تنتمي إليه، والمذهب الذي ترتبط به.

إن ما ينتج اليوم من خلال الحوزات العلمية لا يشكل رقماً يعتد به كماً، إذا ما قيس بما ينتج بأقلام الأكاديميين، وهذا الكلام عن حسٍّ لا عن حدس، وعن قراءة متأنية. ودونكم مجلة المنهاج التي وصلت الآن إلى سبعين مجلداً، تجدوا أن عالماً واحداً في مقابل ستة أو سبعة من أساتذة الإلهيات في جامعة طهران. فمتى نجد في جامعاتنا من نفخر به ونعتزّ بشكل لائق؟

مواكبة الشرع لمسيرة الخلق:

ففي مقدمات الزواج هناك سيل من الروايات عن النبي الأعظم (ص) في إعمال العقل، وملاحظة الاختيار، وليس الاستخارة. فالزواج القائم على الاستخارة قد ينتهي بطلاق قائم على الاستخارة أيضاً.

إن مثل هؤلاء ربما يتولى مسؤولية عظيمة الشأن من مسؤوليات الأمة، فهل يتعامل بالاستخارة أيضاً؟

إن هذا يذكّرني بقصة لطيفة أذكرها هنا للتمثيل ليس إلا، وهي أن الرئيس التونسي الأسبق بورقيبة، أصيب في آخر حياته بالزهايمر، فجيء له بملف من وزارة الداخلية، فقيل له: لدينا تسعة عشر من المناوئين محكومون بالإعدام، فقال الرئيس: أنا لا أمضي على أقل من عشرين. وهذا أشبه بهؤلاء الذين يلجأون إلى الاستخارة في كل صغيرة وكبيرة، وشاردة وواردة، فلو كانوا محل الرئيس فربما لجأوا للاستخارة على الشخص العشرين ولو كان من سائر الناس.

وبعد أن تحمل المرأة بعد العشرة الطويلة الطيبة المباركة، والتوفيق من الله، والجمع بينهما بالمودة والرحمة، تجد هناك العديد من الروايات التي تعنى بالأكل والاقتراب والتعامل، ومنها عدم الصياح في وجه المرأة.

ومن المؤسف أن تأتينا العديد من الشكاوى في هذا الشأن، أن البعض يصبح ويمسي على هذا الخلق.

فالنبي (ص) يوصي بمراعاة المرأة في فترة الحمل، كي لا يتأثر الجنين، ولا يتأثر عقله، فنفسية المرأة لها الأثر الكبير في تكوين الطفل، وهذا من المسلمات الدينية والعلمية.

وكذا الحال في وقت الرضاعة، حيث أكدت الروايات على طريقة الإرضاع، وعلى أثر اللبن في الطفل. يقول (ص): «لا تسترضعوا الحمقاء، فإن اللبن يُعدي، وإن الغلام ينزع إلى اللبن»([5]).

أما في مرحلة الطفولة فللنبي الأعظم (ص) العديد من الروايات العجيبة في هذا الشأن، ومنها الرواية الشهيرة التي تنص على أن الإمام الحسين (ع) دخل على النبي (ص) وهو يصلي، فركب على ظهر النبي (ص) فتأخر النبي (ص) وأطال في سجوده، حتى ظن الأصحاب أنه يوحى إليه، إلا أنه بعد أن فرغ من صلاته قبل الحسين (ع) ثم قال: إن ابني ارتحلني. فيما نجد أحد أصحابه([6])، يقول للنبي (ص): إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدهم يوماً قطّ.

وفي بعض قراءاتي ومتابعاتي لبعض الكتابات في علم النفس والاجتماع والتربية، وجدت الكثير من الحقائق المهولة والأرقام المخيفة والنسب العالية.

وكذا الحال إذا بلغ الإنسان حد الكمال وسن الرشد، فإن الأحاديث الشريفة تعنى به أفضل عناية.

استهداف العقول:

لقد وضعت الحكومات يدها على النقطة الجوهرية في الإنسان، وهو العقل، فجميع النظم الوضعية، أو ذات الطابع واللباس الديني غير المربوط بالمعصوم، لا بد أن تسوق الأمة وراءها، ولكي تحقق هذا الهدف لا بد لها من وضع الخطط والبرامج، وأن تبحث عن المحور والمركز، وهو العقل.

لذا نجد أن هناك وزارة للتربية والتعليم، وأخرى للتعليم العالي، وغيرهما من الوزارات، كل ذلك ليصاغ عقل الإنسان حسب ما تشتهي الدولة الحاكمة. فليس هناك زعيم دولة إلا ويرغب بجر المجتمع إلى جانبه، فالدولة العباسية التي ختمنا بها الحديث، تركت مساحة جيدة للعلماء، بمعنى أن العقل بدأ يتحرك، في وضع النظريات، وإعادة قراءة من تقدم، مع نصيب كبير للثقافة المنقولة عن طريق الترجمة، التي أوجدت حالة من الفكر الجديد، لكنه وصل إلى حد الصراع والقتال، وقد سالت دماء كثيرة، لأن تلك الثقافة جاءت بشكل (طفرة) وإذا حدثت الطفرة في كل شيء فإنها تترك وراءها خللاً، ما لم توجه ويؤخذ بها إلى حيث الهدف. وقد رأينا جميعاً ما سمي بالربيع العربي، فلا كلام أن هناك شعوباً عاشت ظلماً وقهراً وكبتاً ومصادرةً وتشريداً وتضييقاً، فثارت على النظم الحاكمة لها، ولكن اقرأ النتائج، تشاهد أن ليبيا انتقلت من دكتاتور أرعن أهوج، إلى من هم أشد منه سوءاً، فقد أصبحت جميع الممتلكات العامة هدفاً لهم، فلا مطار ولا مدرسة ولا أي منشأة عامة، كل ذلك لأن العقل العربي غير مهيأ لمثل هذه المرحلة، فهو إما غائب أو مغيَّب أو ممسوخ.

فالدولة العباسية نقلت ثقافة مستوردة في وسط الثقافة الأم، فحصل الإرباك، فكانت الزندقة والإلحاد والمروق عن الدين وغيرها. وسرت العدوى حتى في صفوف العلماء، فصار العالم يُقتل بتهمة الارتداد أو الإلحاد أو الزندقة أو الكفر.

نسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

——————————————————
([1]) طه: 25 ـ 28.

([2]) الكافي، الكليني2: 493.

([3]) تحف العقول، الحراني: 15.

([4]) تحف العقول: 15.

([5]) الكافي، الكليني6: 43.

([6]) هو الأقرع بن حابس.

تعليق