2018.09.18

علي بن موسى الرضا (ع) شهيد العلم ! / الشيخ عبدالجليل البن سعد

- Sayyed-alakwan | 2014.12.18

222

علي بن موسى الرضا (ع) شهيد العلم !

العالم المتميز في عصر العلم أشد ضريبة من العالم المتميز في عصر الجهل والظلمة، فهذا علمٌ يدرك الجهل ثاره منه بالتجاهل له، وزويه في زاوية الإهمال، وأما العالم المتميز في عصر العلم فقد تزداد الشحناء تجاهه سيما إذا كان علمه يمشي على سكة الزهادة و الإخلاص و الإدانة بالحقيقة لا سواها فإنه سيظهر بمظهر العقبة الكؤود أمام أطماع السياسة الحاكمة وأصحاب الجشع في الدنيا من علماء الضلال الذين يتوسلون بالعلم للوصول إلى غاياتهم المنحرفة..

في مثل هذا الوضع عاش ثامن الأئمة العظام علي بن موسى الرضا عليه السلام فقد كان عالم عصره بلا منازع و جاءت على ذلك الشهادات من فحول الرجال ــ أرادوا الشهادة أم لم يريدوها ــ ومن أعظم ما نذكر به كلام البيهقي في كتابه القضاء والقدر:

“”… أن علي بن موسى الرضا كان يقعد بالروضة وهو شاب ملتحف بمطرف خز، فيسأله الناس ومشايخ العلماء في المسجد…””.

وهذه رواية تاريخية ذات معان ودلالات استعرضناها في مقالنا الآخر:

http://www.qabbas.com/index.php?show=news&action=article&id=508

المأمون العباسي وهدم الإسلام:

يمكن قراءة التوجه العباسي بتلمس الخطط التي تدار من قبل أصحاب القرار في الحكم آنذاك، فقد اهتم المأمون ــ وليس هو الأول ولا الأخير ــ بتنميط الساحة الفكرية داخل الحدود الإسلامية، وتعد هذه الخطوة هي الأقوى في خطط الهدم والتجديد للواقع الاجتماعي الذي يتم التحفظ عليه بصفة شخصية أو جهوية !!

فقد كان عبد الله المأمون العباسي يقعد لاستقبال الوفود الصابئية، واليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والملاحدة، والمتكلمين المختلفين في نظرياتهم، وأصحاب المذاهب الفقهية المتنافرة…

وليس أسرع لقلب هوية المجتمع ذي الاتجاه الديني أو الثقافي المحدد وخلط أوراقه وتمزيق نسيجه الفكري ذي اللون الواحد من أن تدس فيه خيوط فكرية أخرى ولو تحت مسمى المناظرة والمحاججة سيما مع الضعف عن المواجهة وفي ظل انعدام الاستعداد للمواقفة العلمية مع كل تلك التيارات !

ومن غريب المصادفة أن عالمنا الإسلامي اليوم وقع رهينة هذه الأجواء، أي قد أعيد طبع النسخة العباسية في عصرنا، فلفتة بسيطة إلى معارض الكتاب ونشاطها الذي يستهدف الدول العربية اليوم سنجد فعاليات غير مسبوقة لضخ الكتب بمختلف التوجهات فهناك مثول تام غير مسبوق لكل الانتماءات الفكرية ولئن كنا في السابق نبحث عن الصوفية أو الفلسفات الغربية فلا نجد إلا العناوين المعدودة فأنت اليوم تجد في المعارض السنوية زاوية حصرية على كل عقيدة فكرية تتمتع بمساحتها دون مزاحمة .. ولم يعد الأثر السلبي خافيا على شبابنا اليوم فالجدليات قد حمّت وعمّت في كل مكان وسؤال الأصل أصبح أصل السؤال!![1] لأن الشك والتذبذب من طبيعة هذه الموجات الفكرية العاتية ..

لسنا نرفض الانفتاح الثقافي لو كان لدى الغرب نفس الاهتمام بترجمة الكتاب العربي والفلسفة والعلم الإسلامي، أو لو كان يخصص له أركانا في معارضه وأسواق الكتب!!

ولسنا ضد التنور والتبحر لو كان شبابنا المتأثر قد قرأ المنطق قبل المتمنطق من الثقافة، وقرأ الفلسفة قبل المُفلسف من الفكر، أو استوعب النظريات العقلية التحليلية لعلم الأصول قبل الخوض في مقالات العقل وحدوده ومدى تعارضه او مزاحمته لأوامر السماء إن كان هناك معارضة..

فهل من يقرأ ويتابع بالطريقة العشوائية لا يعلم ببواعث الماكنة السياسية التي تضخ كل هذا الكم من الكتب .. أم أن من فجر أنهارها على أرضنا يعلم بأننا سنعب ونشرب مع كل مسيل لأنها طبيعة دواب السواد تضع مشافرها في كل مجرى ؟!

طريقة ومتطلبات التصدي عند علي بن موسى الهاشمي:

في حوار وقع بينه وبين بعض أجلاء ذلك العصر وهو الدورقي المعروف بـ(ابن السكيت)سأل الامام قائلا:

“” فما الحجة على الخلق اليوم؟

فأجابه الامام عليه السلام: العقلُ.. يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على الله فيكذبه “”.

ولك أن تتعرف على نباهة هذا السؤال بمطالعة تفاصيل الحوار الذي حكم أجواء المجلس إذ كان قد سأل عن العلة لاختصاص كل نبي بلون من المعجزة لا تتكرر مع من يليه؟

ولما أوضح له الامام أن الرسول يؤتى من قبل الله بالمعجز الذي يتصاغر أمامه أهل عصره فيرون سابقهم لاحق، و مسمعهم سامع، وناطقهم صامت..

هنا تفاعل الفضول وأحب أن يعرف أي معجز يمكن أن يصيب الهدف في هذا العصر الذي ازدحم فيه الخطاب الفلسفي بالخطاب الكلامي والخطاب القطبي بالخطاب التعددي..

فأجابه الامام أنه العقل لا شيء آخر..

وبما أن الأمر بالشيء أمر بأسبابه فلا بد من اتخاذ سبل بناء العقل، وتقويته، وتحصينه، وهو ما أراد الامام أن يكون ملهما لدروسه من خلال دخوله مجلس المأمون..

ونحن بعد أن نتابع النقولات التي روت بعض المناظرات بين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وبين رجال الأيديولوجيات المتفرقة ، كالجاثليق كبير النصارى، ورأس الجالوت كبير اليهود، والهربذ الأكبر الممثل عن المجوسية، وعمران الزعيم لطائفة الصابئة، والعديد العديد يتضح لنا الطاقة العلمية الهائلة والمتانة المنطقية و العقلية الكاملة لدى هذا السيد الهاشمي المتفرد صلوات الله عليه..

إشادة بكتاب الاحتجاج:

ومن عارض القول الإشارة إلى أن مناظرات ومحاججات الأئمة اللهاميم وبالأخص علي بن موسى الرضا سلام الله عليه تكاد تؤلف الكتاب الرابع من كتب أهل البيت عليه السلام تاليا لنهج البلاغة، والصحيفة السجادية المباركة، ورسالة الحقوق، بيد أن علماء الشيعة عاشوا فوق عواصف تنقلهم في الاتجاهات العلمية بغير اختيار، وطالما ركنت بهم في الزاوية العقدية والفقهية أكثر من أي جانب آخر، فلم يتم الالتفات إلى أهمية الاحتجاج عند أهل البيت عليهم والسلام وأنه الأسلوب الإبداعي الثالث لديهم بعد الخطب، والدعاء، إلا في زمن العلامة الطبرسي (من أعلام المائة السادسة)الذي جمع ما أمكنه جمعه في كتاب يحمل اسم ” الاحتجاج “[2]، وتناهى إلى سمعي قعود بعض الأعلام لشرحه والتعليق عليه وهذه واحدة من أنفس البشارات.

اعترافات مُـنتـصفة غير مُنـْصِفة !

وعلاوة على ما تقدم مع البيهقي يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: “” وابنه ــ أي ابن موسى الكاظم ــ علي بن موسى كبير الشأن له علم وبيان ووقع في النفوس صيره المأمون ولي عهده لجلالته “” [3].

وهذه من بين الكثير من الإشادات بعلوم أهل البيت عليهم السلام وعلو منزلتهم بين الأقران، فيظن في قائليها الانصاف لأهل البيت عليهم السلام وما ارتأيه أنها قد تكون لدى الكثير منهم دليلا ظاهريا على المحبة في بالدرجة العامة ولكنها تحسب بنصف شهادة ولا تكون شهادة تامة لإنها معرفة عقيمة لا يتبعها أي أثر في الخارج فلا تجد المراكز والمعاهد التي تحمل اسم أهل البيت عليهم السلام ولا تجد المعادلة بينهم وبين غيرهم من أئمة الحديث ولا تجد إلا النزر اليسير من فتاواهم، فليس لديهم من علي بن موسى سوى فتوى واحدة ولم يعمل بها الكثير منهم وهي الجهر بالبسملة في الصلاة !!

شهيد العلم:

تزايد الخوف على علي بن موسى في نفوس أوليائه من عشيرته و مواليه وقاموا بفضح شعورهم و هواجسهم أمامه فهذا محمد بن جعفر عمه لأبيه يقول للحسن بن محمد النوفلي: قل له إن عمك قد كره هذا الباب وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى..[4]

وقد قال ذلك بعد أن حضر المجلس ورأى تغلب بن أخيه على عمران الصابئي..

وإن النوفلي الذي لم يكد يقنع بالانطباع السيء لمحمد بن جعفر عاد بعد حين يحذر الإمام الرضا عليه السلام فأمن الامام الرضا على كلامه حين بين له أن المأمون سيندم عندما يراه يحتج على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الانجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى أهل المقالات بلغاتهم …ثم أشعر الامام صاحبه النوفلي أن ذلك شيء لا مناص ولا بد منه فهم النوفلي ذلك من قول السيد الهاشمي العظيم: “” … ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم””[5].

 

 

——————————————————————–

[1] أن الأسئلة والتشكيكات في أصل كل شيء، وتجب الإشارة إلى عدم حساسيتنا من البحث حتى في المسلمات مادام منضبطا بالأصول والأسس العلمية بل يسعني القول أن هذا ليس بدعا في وقتنا فقد سبقنا إليه العلماء ففي البحوث الفلسفية والكلامية والأصولية هناك منا يسمى بالبحث الثبوتي والنظر الأولي أي النقاش في إمكان الشيء وأصله ولكن شتان بين ما يبحث بحسب القواعد والأصول وبين ما يضرب أو يطلب بكلام ذوقي شاعري خطابي فضفاض !

[2] ولا يذهب بك الرأي إلى أننا نصحح جميع ما حواه هذا الكتاب كما أننا لا نصحح كافة ما تضمنه نهج البلاغة من جمع الشريف الرضي ” قد سره “.

[3] سير أعلام النبلاء:13/ 119.

[4] الإمام علي بن موسى الرضا. باقر شريف.ج1/ 157.

[5] التوحيد. الشيخ الصدوق. 419.

تعليق