2018.05.23

الثورة الحسينية.. وتجديد الخطاب / الشيخ حسن الصفار

- Sayyed-alakwan | 2014.12.18

0

مقدمة

      يمسك الإعلام ـ بمختلف وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية ـ بزمام الثقافة العامة، فغالباً ما تتشكل الرؤى والأفكار والتصورات لعامة الناس من خلال تأثير الإعلام وتركيزه على مفردات وعبارات وصور يكررها ليؤثر من خلالها على منطقة اللاوعي في ذهن المتلقي وتفكيره، سعياً لتشكيل (الرأي العام).

     إن الإنسان بطبيعته يتأثر بالمعلومات التي تصله، ومع تكراراها تتحول إلى قناعات تؤثر في تفكيره، وتحدد موقفه من الأحداث والأشخاص، ولهذا تخصص الدول ميزانيات ضخمة لماكنتها الإعلامية، مستهدفة كسب الرأي العام لصالح ما تتبنى من مواقف وتوجهات، خصوصاً في هذا العصر الذي يتفاعل الناس فيه مع معتقداتهم و آرائهم ويعبرون عن ذلك بمختلف الوسائل المتاحة، بل يتعدون ذلك بالنـزول إلى الشارع، لتغيير الواقع السياسي، وهو ما وجدناه في حركات (الربيع العربي) التي أطاحت بعدة أنظمة عربية، وهزَّت أنظمة أخرى، وما أعقب ذلك من محاولات محمومة  لتشويه هذه الثورات تارة، ومحاولة سرقتها تارة أخرى.

     إن من يراقب حركة الإعلام اليوم ويفهم أهدافه، يدرك بوضوح ما حصل لثورة الإمام الحسين من محاولات تشويه وتحجيم، ويدرك أيضاً ما وقع فيه محبو الإمام الحسين من أخطاء، جعلت التفاعل مع الثورة العظيمة مبتوراً ناقصاً، يتمحور جزء كبير منه في إظهار الحزن والأسى على قرابين الثورة، بل ويسهم من حيث لا يدري في عملية التشويه.

المنبر الحسيني باعتباره وسيلة إعلامية ثقافية، ينطلق من ثورة الإمام الحسين ويبشر بمبادئها، يحتاج إلى تطوير وتجديد، بحيث يتمكن من مواكبة الأحداث المعاصرة ومعالجة القضايا المصيرية في واقع الأمة.

وهذه الوريقات المتواضعة إطلالة على منطلقات الثورة الحسينية وأهدافها، وعرض للمدارس الخطابية المعاصرة وأبرز ملامحها وسماتها.

عظمة الحدث

     ثورة الإمام الحسين بعظمة أهدافها، وما جرى فيها من أحداث مأساوية دامية على صعيد كربلاء، تعتبر من أعظم ثورات التاريخ تأثيراً وامتداداً، منذ حدوثها و إلى أن تقوم الساعة.

وقد عبر عن هذه الأهمية سماحة العلامة الشيخ حسن الصفار بقوله: قضية كربلاء ليست قضية بسيطة أو عادية، ففي التاريخ الإسلامي والإنساني كثير من الأحداث، لكنّه يمكن القول ـ بضرس قاطع ـ إنه ليست هناك حادثة وقضية توازي حادثة كربلاء) عاشوراء خطاب التنمية والإصلاح ص176

فالحدث ليس عادياً، والمعركة ليست كبقية المعارك و الغزوات التي حدثت في التأريخ الإسلامي، يظهر ذلك من خلال المؤشرات والدلائل التالية:

أولاً: العناية الإلهية

فقد أهبط الله تعالى أبرز ملائكته المقربين إلى الأرض، في مهمة خاصة، تثير التساؤل!!

 الأمين جبريل يأخذ قبضة من تراب كربلاء وقدمها للنبي الأكرم،ويخبره بما سيجري على الإمام الحسين بعد خمسين سنة!!

وهو أمر له دلالاته العظيمة، التي تحتاج إلى تأمل وتفكر.

 ففي المستدرك على الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث ، إنها دخلت على رسول اللّه

فقالت : يا رسول اللّه إني رأيت حلماً منكراً الليلة

قال : وما هو؟ قالت : إنه شديد

قال : وما هو؟

قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري!

فقال رسول اللّه : رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء اللّه غلاماً فيكون في حجرك ، فولدت فاطمة سلام اللّه عليها الحسين فكان فى حجري كما قال رسول اللّه ، فدخلت يوما على رسول اللّه فوضعته فى حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول اللّه تهريقان من الدموع!

فقلت : يا نبي اللّه ـ بأبي أنت وأمي ـ مالك؟

قال : أتاني جبريل فأخبرني إن أمتي ستقتل ابني هذا

فقلت : هذا؟

فقال : نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء.

ومن دلائل العناية الإلهية أيضاً، ما نشهده اليوم من تفاعل كبير في إحياء أيام عاشوراء، يندر أن تجد له مثيلاً على مستوى العالم، وهو لطف إلهي خاص بهذه الثورة ومفجرها، حيث جعل له هذه الخاصية على مر العصور والأزمان. عن رسول الله (إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِيْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لاتَبْرَدُ أَبَدَاً(جامع أحاديث الشيعة 556:12

ثانياً: العناية النبوية

وقد اهتم النبي الأكرم بحادثة عاشوراء اهتماماً بالغاً وأشار لها في مناسبات ومواقف متعددة، كي ينبه الأمة إلى أهمية التفاعل مع هذا الحدث العظيم، ويطالب المسلمين برفض الظلم المتمثل في رأس السلطة الأموية آنذاك.

ومن أمثلة عناية رسول الله بحادثة كربلاء:

1/ الأحاديث التي صرح فيها بالارتباط الوثيق بينه وبين سبطه الشهيد، والإشادة به وتأكيد إمامته،

كقوله : ( حسين مني و أنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط) صحيح الترمذي : 2 / 307

(مكتوب على ساق العرش: إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة)، (الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا)

2/ البكاء على الحسين يوم ولادته.

روى الخوارزمي  بإسناده عن أسماء قالت: «فلما كان بعد حول من مولد الحسن ولدت الحسين فجاءني النبي ، فقال: يا أسماء هاتي ابني فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى قالت أسماء: فقلت: فداك أبي وأمي، مم بكاؤك؟ قال: على ابني هذا، قلت: انه ولد الساعة، قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي ثم قال: يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا فإنها قريبة عهد بولادته…) مقتل الحسين للخوارزمي

كربلاء نبوءة الروح

3/ إيداع تربة كربلاء عند زوجته أم سلمة.

عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول اللّه في بيتي فنزل جبريل فقال : يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، وأوما بيده إلى الحسين ، فبكى رسول اللّه وضمه إلى صدره ثم قال رسول اللّه : وضعت عندك هذه التربة فشمها رسول اللّه   وقال : ريح كرب وبلاء ، وقال : يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أن ابني قد قتل فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر اليها كل يوم وتقول : إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم.

ويتبع هذه العناية الإلماح لها من قبل الإمام علي وهو في طريقه إلى حرب صفين، أي قبل عشر سنين من حادثة كربلاء، فقد  أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، حديث رقم 648، بسنده عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، أنه سار مع علي، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات، قلت وماذا؟ قال : دخلت على النبي ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك إلى أن أُشِمَّكَ من تربته؟ قال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.

هذه العناية الإلهية الخاصة، ومن بعدها اهتمام النبي وأهل البيت، تجعلنا ندرك عظمة الحدث، وتدعونا لتفاعل يتجاوز حدود البكاء إلى آفاق الإصلاح والتغيير والتضحية من أجل الأهداف الكبرى للدين.

بيانات  الثورة .. أهداف الثورة

لا يحتاج الباحث في الثورة الحسينية إلى كثير عناء لمعرفة منطلقاتها وأهدافها، فقد كان الإمام الحسين يعلن  أهداف ثورته في كل محطة من محطاتها، ويستثمر الفرص لتوعية أصحابه وتذكيرهم بمبادئ الثورة وأخلاقياتها.

وهذه مقتطفات من كلماته وبياناته الواضحة الجلية:

1/أهل البيت أحق بقيادة الأمة

 بدأت أولى كلماته في رده على والي المدينة الوليد بن عتبة عندما دعاه لبيعة يزيد، حيث قال: (إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ، ومَعدَنِ الرسالَةِ،ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ،وَمَهبطُ الرَّحمَةِ، بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ،ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ، شاربٌ للخَمْرِ، قاتلٌ للنَّفسِ،ومُعْلِنٌ للفِسقِ،فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ)

وفي هذه الكلمة تأكيد على مبدأ الكفاءة في الإدارة والحكم.

2/ وضوح الهدف

في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية:(… وإنِّي‌ لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً وَلاَ مُفْسِداً وَلاَظَالِماً؛ وَإنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاَحِ فِي‌ أُمَّةِ جَدِّي‌ مُحَمَّدٍ أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى‌ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي‌ وَسِيرَةِ أَبِي‌ عَلِي‌ِّ بْنِ أَبِي‌ طَالِبٍ …)البحارج44ص329 ـ 330

فالثورة ضد الظلم والظالمين تستهدف الإصلاح، بعيداً عن المصالح الشخصية، أو طلب الرئاسة والحكم.

3/وضوح الرؤية

 رسالته إلى أخيه محمد بن الحنفية وبني هاشم:

(أمّا بعدُ: فإنّ من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يُدرك الفتح والسلام) كامل الزيارات 75باب24

فالشهادة انتصار وعزة وكرامة في نظر الإمام، ومن لم يوفق للمشاركة في هذه الثورة خسر خسارة كبيرة.

4/الاستعداد للتضحية

خطبته الأولى في مكة المكرمة لإعلان الثورة (… خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وخِيرَ لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن منّي أكرُشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجر الصابرين…) كشف الغمة ج2 ص29

فمهما كانت التضحيات، فالإمام موطن نفسه على الجهاد في سبيل الله.

5/الزهد في الدنيا مصدر قوة

 حين‌ اعترضه‌ الحرُّ بن‌ يزيد الرياحيّ في‌ منطقة ذي‌ حُسُم (… وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَاسْتَمَرَّتْ حَذَّاءَ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَي‌ الْوَبِيلِ .

 أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لاَيُعْمَلُ بِهِ ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لاَيُتَنَاهَي‌ عَنْهُ ؟! لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي‌ لِقَاءِ اللَهِ مُحِقّاً ؛ فَإنِّي‌ لاَ أَرَي‌ الْمَوتَ إلاَّ سَعَادَةً ، وَلاَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إلاَّبَرَماً)

ومع وضوح الرؤية و المنطلقات، يكون التهيؤ والاستعداد للعطاء حاضراً مهما بلغت التضحيات، فالقتل عند الإمام الحسين سعادة، والخنوع للظالمين تعاسة وشقاء.

6/وجوب الثورة على الظالمين

قال لأصحابه وأصحاب الحر بمنطقة البيضة:( أيُّهَا النّاسُ ! إنَّ رَسولَ اللّهِ قالَ : «مَن رَأى سُلطانا جائِرا ، مُستَحِلّاً لِحُرَم اللّهِ ، ناكِثا لِعَهدِ اللّهِ ، مُخالِفا لِسُنَّةِ رَسولِ اللّهِ ، يَعمَلُ في عِبادِ اللّهِ بِالإِثمِ وَالعُدوانِ ، فَلَم يُغَيِّر عَلَيهِ بِفِعلٍ ولا قَولٍ ، كانَ حَقّا عَلَى اللّهِ أن يُدخِلَهُ مُدخَلَهُ» . ألا وإنَّ هؤُلاءِ قَد لَزِموا طاعَةَ الشَّيطانِ ، وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحمنِ ، وأظهَرُوا الفَسادَ ، وعَطَّلُوا الحُدودَ ، وَاستَأثَروا بِالفَيءِ ، وأحَلّوا حَرامَ اللّهِ ، وحَرَّموا حَلالَهُ ، وأنا أحَقُّ مَن غَيَّرَ)

فهو ينطلق من واجبه الشرعي، التزاماً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا يمكن أن نقرأ الروح المتوقدة ، والشجاعة النادرة، والاستعداد اللامتناهي للتضحية و العطاء في سبيل الله.

أهداف الثورة

من خلال بيانات الإمام، يمكن أن نتعرف على أهداف نهضته المباركة.

أولاً : إعلان الرفض للواقع الفاسد.

ثانياً: السعي للإصلاح والتغيير.

ثالثاً: تأكيد القيم الحقة في واقع الأمة.

فهي ثورة أصيلة في منطلقاتها وأهدافها، أخلاقية في وسائلها، أنموذج في كل تفاصيلها.

ولتأكيد هذه الأهداف وتعزيزها كان الإمام الحسين يلقي البيان تلو البيان من بدء حركته في المدينة المنورة، مروراً بمكة المكرمة وانتهاء بأرض المواجهة في كربلاء.

مدارس الخطابة الحسينية

يعتبر المنبر الحسيني صوت الثورة للجماهير، فهو الوسيلة الإعلامية الثقافية التي توصل رسالة الإمام الحسين وأهداف ثورته للمستمعين، فمن خلاله يستعرض الخطيب سيرة الحسين الثائر المضحي من أجل إحياء الدين وإنقاذ الأمة، كما يستعرض مبادئه وأفكاره ورؤاه.

والمتتبع لواقع المنبر الحسيني المعاصر يلحظ تفاوتاً في مناهج الخطباء وأساليب عرضهم للسيرة الحسينية، تبعاً لما يحملون من فكر وما يقرؤونه من السيرة الحسينية ويفسرونه من أحداثها.

هناك مدارس مختلفة في استعراض الثورة الحسينية والحديث عنها، يمكن أن نجملها في ثلاث مدارس.

الأولى: مدرسة الحزن والبكاء

وفيها يسعى الخطيب لاستدرار الدمعة والتحفيز على البكاء، إضافة إلى شيء من المواعظ الدينية التربوية، وتنطلق هذه المدرسة من الأحاديث الصحيحة التي وردت في ثواب البكاء على الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، فهي مدرسة أصيلة في  منطلقاتها وأهدافها، لكن المبالغة في إبراز جانب المأساة والسعي الحثيث لاستدرار الدمعة أوقع هذا الاتجاه في سلبيات وأخطاء غير مقصودة :

1/ عدم التحقق من الروايات، والقبول بالضعيف والمرسل.

2/ إظهار الإمام الحسين والسيدة زينب في حالة من الضعف والانكسار.

3/الاستغراق في وصف المصيبة بما يخرجها عن الحالة الثورية النهضوية.

نعم .. إن الحزن والبكاء على مصاب الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه له أجر كبير وثواب عظيم، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة، لكن المشكلة تكمن في جعل البكاء والمأساة تغلب على المجلس الحسيني، بما يظهر الثورة العظيمة في هيئة الفاجعة التي وقعت على أناس مساكين لا حول لهم و لا قوة، مما يؤدي إلى إفراغ الحدث من التأسي المطلوب.

الثانية: مدرسة العلم و الثقافة

وهي المدرسة التي استثمرت المنبر لرفع المستوى العلمي والثقافي للمستمعين، وأبرز أعلامها عميد المنبر الحسيني الدكتور الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله، وهي مدرسة رائدة تستحق الإشادة والثناء، بما قدمت وتقدم للأمة من دروس تربوية و أخلاقية ومعرفية.

ومن مميزات هذه المدرسة :

1/ استنطاق الآيات القرآنية في الجوانب التربوية والأخلاقية والاجتماعية، ففيها جانب رائع من تفسير القرآن الكريم.

2/ بيان المفاهيم الدينية من خلال النصوص الدينية، ومن خلالها تتشكل ثقافة راقية في التعامل والسلوك مع الآخرين.

3/تقديم صورة مشرقة عن الخطبة الدينية الحضارية، في قبال الخطاب التقليدي المنتشر في العالم الإسلامي.

4/ دراسة التاريخ وتقديم النظريات العلمية في تفسير الأحداث ومسبباتها وآقارها على المجتمعات.

وقد سار على هذا النهج أكثر خطباء المنبر الحسيني في التاريخ المعاصر.

الثالثة: مدرسة إنهاض الأمة

وهي المدرسة التي جعلت من المنبر الحسيني منطلقاً لإنهاض الأمة، وتتسم بالعلمية و الموضوعية، ففيها حسنات مدرسة العلم والمعرفة، لكنها تتميز بمطالبة الجماهير بالنهوض لتغيير واقعها، ففيها من المعالجات الواقعية للمشاكل المعاصرة بأسلوب عملي نهضوي، يتضمن مشاريع وبرامج مدروسة، وليست مجرد أفكار ومواعظ نظرية.

العلامة الصفار نموذجاً

ينتمي العلامة الشيخ حسن موسى الصفار إلى مدرسة إنهاض الأمة في عرض الثورة الحسينية، ويعتبر من أكثر الخطباء الحسينيين تمكناً في إبراز الجوانب الحضارية لهذه الثورة المباركة، ساعده على ذلك سعة اطلاعه، وبعد نظره، ومعايشته للواقع، فهو موسوعي الثقافة، بعيد النظر والتأمل، متفاعل مع قضايا الأمة المعاصرة، يمتلك رؤية واضحة عن ضرورة تطوير الخطاب الديني، ويرى أن هذا الخطاب يواجه تحديات مهمة في مستقبل الإسلام والأمة، ويحددها فيما يلي:

1/ إنتاج ثقافة التنمية والبناء.

2/ العلاقة الإيجابية مع الآخر.

3/ ترشيد التوجهات والممارسات الدينية.(القيادات الدينية .. الخطاب والأداء الاجتماعي ص83)

وقد مكنته هذه الرؤية من اعتماد منهج متقدم في الخطابة، تميز به وأبدع فيه.

ولاستعراض منهج سماحته في الخطابة نحتاج إلى دراسة متكاملة، ليس هنا محلها، لكننا نشير إلى ملامح مختصرة.

أولاً: العرض العلمي

فهو يحدد موضوع بحثه تحديداً دقيقاً، ويضع له إطاراً لا يخرج عنه، ويقدم للمستمع عنوان البحث ومحاوره، ويبدأ عرضه بمقدمة موجزة، تجعل المستمع يتابع المحاضرة بصورة متسلسلة لا تشتت تفكيره.

ثانياً : الدراسة المتكاملة

     قدم الشيخ الصفار دراسة متكاملة لشخصية الإمام الحسين وثورته، عالج فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والأخلاقية و التربوية، ففي كل محاضرة يتناول جانباً من حياة الإمام الحسين ويربطه بالواقع المعاصر ليقدم بذلك ثقافة متجددة ترتبط بحياة الناس واحتياجاتهم الملحة.

وقد كتب عن ثورة الإمام الحسين عدة كتب تظهر الأبعاد المختلفة لشخصية الإمام الحسين، بعضها تحرير لمحاضرات ألقاها في مواسم عاشوراء.

1/ الإمام الحسين رمز التضحية و الفداء.

2/ الحسين ومسؤولية الثورة.

3/ الحسين في وجدان الأمة.

4/ الإمام الحسين .. الشخصية و القضية.

5/ الحسين منهج الإصلاح والتغيير.

6/ عاشوراء .. خطاب التنمية والإصلاح.

7/ عاشوراء.. ثقافة النهضة والبناء.

ثالثاً : المشروع النهضوي

لأن سماحته يحمل مشروعاً إصلاحياً تغييرياً في الأمة، انعكس ذلك على اختياره للمواضيع والأبحاث، فهو يحمل هم الأمة الإسلامية بشكل عام،ويوجه خطابه إلى جميع المسلمين، ويستحثهم على إنشاء المؤسسات الثقافية والجمعيات الخيرية والحقوقية، ويُنَظِّر لذلك بشكل منهجي، فهو يستحث المستمع تحت منبره على العمل والفاعلية والإنجاز.

رابعاً : الدعوة إلى الوحدة

ليست الوحدة الإسلامية مجرد موضوع عابر  يتطرق له سماحة الشيخ الصفار، بل هو محور يدور حوله في أغلب مواسم عاشوراء، ففي كل موسم، بل في كل محاضرة يشير إلى هذا العنصر الأساس في حياة الأمة، فهو ـ كما يقال ـ مسكون بهم الوحدة، متحرك في سبيل تحقيقها، والعمل على إرساء مقدماتها.

خامساً: معالجة قضايا الساعة

يلاحظ المستمع تحت منبر سماحة الشيخ الصفار مواكبته الواضحة لقضايا الساعة المعاصرة، سواء على المستوى الوطني أو العالمي، فهو متابع مستوعب للأحداث العالمية و المحلية، متمكن من تقديم رؤية إسلامية واقعية.

وكنموذج من معالجاته للقضايا المعاصرة، تحدث سماحته عن ضرورة تجنب الصراعات في العالم الإسلامي، في محاضرة بعنوان(الصراعات والتزام الأخلاق) ضمن محاور ثلاثة:

 تجنب الصراعات ، التزام الأخلاق في الصراع ، عاشوراء أنموذجاً. وذلك سنة 1428هـ

ففي المحور الأول بين سماحته أن حالة الصراع والنزاع تؤدي إلى آثار سلبية، منها:

1) تخلق حالة من التشاحن بين الأفراد، وتستهلك جهودهم في النواحي السلبية.

2) تجعل الخصم يعيش حالة من الاضطراب والتوتّر النفسي تجاه عدوّه وخصمه.

3) خلق أجواء الرعب والخوف وعدم الاطمئنان.

4) تقحم الإنسان في المحرّمات.

أما في المحور الثاني فقد عالج مسألة التزام الأخلاق عندما يضطر الإنسان للدخول في صراع ما، وذكر في ذلك نماذج من السيرة النبوية:

1) في إحدى المعارك وجد امرأة مقتولة، فغضب، وسأل: «من قتل هذه المرأة؟ ولماذا تقتل امرأة في الحرب؟».

2) وفي إحدى المعارك مَرَّ بلال بامرأتين مسبيتين على المعركة، ونظرتا إلى جثث القتلى من اليهود، فغضب رسول الله ونادى بلالاً، وقال له: «أنزعت الرحمة من قلبك، تمر بامرأتين على جثث قتلاهما؟!»

3) وفي بعض المواقف كان المسلمون يفرقون في الأسر بين الأمهات وأولادهنَّ، فكان رسول الله يغضب من مثل هذه الحالات والمعاملة غير الإنسانية.

أما في المحور الثالث فقدم  بعض المواقف من أحداث ثورة الإمام الحسين كنماذج أخلاقية يجب أن تكون حاضرة عند القيادات الدينية في التعامل مع الأتباع و الأعداء.

أ) تعامل الإمام الحسين مع أنصاره وصحبه

1. الشفافية والوضوح وعدم الخديعة

2. الحرية في المشاركة والنصرة

ب) تعامل الإمام الحسين مع أعدائه

1/ تعامله مع الجيش الذي كان يقوده الحر بن يزيد الرياحي.

2) امتناع مسلم بن عقيل عن قتل ابن زياد في الكوفة غيلة.

3) إجابة شمر بن ذي الجوشن  حين نادى العباس وإخوته، حيث التفت إليهم الإمام الحسين، وقال: «أجيبوه، فإن له بكم خؤولة».

4) تجنب البدء بالقتال في مواقف متعددة.

وهكذا نجد أن سماحة الشيخ الصفار يقرأ أحداث عاشوراء قراءة واعية، يستلهم منها الدروس والعبر، ويستفيد منها في معالجة قضايا الأمة المعاصرة.

ونستعرض في ختام هذا البحث عناوين محاضرات سماحة الشيخ الصفار لسنتي1428هـ ، 1430هـ

  • محاضرات سنة 1428هـ والتي جمعت في كتاب تحت عنوان: عاشوراء .. خطاب التنمية والإصلاح

1

عاشوراء من أيام اللّه

8

الإمام الحسين مدرسة العطاء

التذكير بأيّام الله

من هدي الإمام الحسين

عاشوراء نموذجًا

السعي للثروة و القدرة

2

حب أهل البيت في نفوس المسلمين

مجالات الإنفاق ونماذج مشرقة

الأصل الديني لحب أهل البيت

9

الانفتاح على الشباب

مكانة أهل البيت في الأمة

قابلية الشباب للفكر والسلوك الجيد

مسؤولية التعريف بأهل البيت

الشباب مجرمون أم ضحايا؟

3

الإمام الحسين ونهجه في الدعوة و الحوار

المسؤولية تجاه الشباب

سبيل التأثير على الآخرين.

10

رسالة عاشوراء

أزمة الحوار في المجتمع الإسلامي.

الحسين يسيطر على القلوب

قبسات من رؤية الإمام الحسين وسيرته

مدرستان في التعامل مع عاشوراء

4

الإمام الحسين وحركته السلمية

ماذا نستفيد من عاشوراء؟

ثقافة السلم وثقافة العنف

11

الصراعات والتزام الأخلاق

العنف وتهديد الأمن الاجتماعي

تجنب الصراعات

التزام الإمام الحسين بالسلم في نهضته

التزام الأخلاق في الصراع

5

التنافس الإيجابي وتقدم المجتمع

عاشوراء أنموذجاً

طموح التفوق

12

الإمام الحسين مدرسة الأخلاق

مشروعية التنافس

 الأخلاق قيمة عليا

بين الصراع السلبي و التنافس الإيجابي

صور و مشاهد من الأخلاق الحسينية

6

التواصل الاجتماعي

13

العلاقات الزوجية وظاهرة العنف

التواصل بين الشكل والمضمون

خصوصية العلاقات الزوجية

نحو أطر جديدة للتواصل الاجتماعي

ظاهرة العنف الأسري

الجانب الاجتماعي في العبادات

دور المجتمع في حماية الأسرة

7

التأثير المتبادل بين القيادة الدينية و الجمهور

واقع التأثير المتبادل

ضغوط الجمهور والموقف الشرعي

نماذج من سيرة الرسول وأهل بيته

  • محاضرات سنة 1430هـ والتي جمعت في كتاب تحت عنوان: عاشوراء .. ثقافة النهضة و البناء 

1

المظالم الكبرى في ذاكرة التاريخ

8

نقد الحالة الدينية

الموقف من ظلامات التاريخ

بين الدين والحالة الدينية

ضحايا الرأي

النقد الذاتي في الحالة الدينية

فاجعة كربلاء في التاريخ الإسلامي

كيف نتعامل مع النقد؟

2

علي نفس الرسول

9

الرحمة تصنع السعادة

 قيمة القرب من رسول الله

الرحمة صفة ونعمة إلهية

خصائص الإمام علي

الحضارة المادية تنشر العنف

علي حاجة العصر

العنف شقاء المجتمع

3

صناعة الإحسان

10

رسالة عاشوراء

الإحسان شريعة أخلاقية

فلسفة الشهادة

مجالات الإحسان وآلياته

لماذا قتل الحسين؟

ثقافة الإحسان وتنميته

في مواجهة خطر الطائفية

4

تجربة في البناء والتغيير: الإمام الصدر نموذجاً

11

الجماعات الشبابية والدور المطلوب

القراءة الواعية لتجارب الآخرين

دور الأصدقاء في حياة الإنسان

الحالة الشيعية في لبنان

اختيار ثلة الأقران

دور الإمام موسى الصدر

الانفتاح على الجماعات الشبابية

5

مواجهة أهل البيت لسياسة العزل والتهميش

12

المبتعثون للدراسة .. طموح التنمية والتقدم

العزل والتهميش سياسة الظلم

الهجرة للعلم ظاهرة إنسانية عالمية

برنامج أهل البيت لمواجهة هذه السياسة

بالكفاءات تبنى الأوطان

6

عالم الدين وشجاعة الرأي

 الإمام كاشف الغطاء نموذجاً

إنجاح برنامج الابتعاث

التعبير عن الرأي بين الحق والواجب

13

شخصية الإنسان بين الفطنة والسذاجة

العوائق والتحديات

الفطنة إدراك وانتباه

الإمام كاشف الغطاء نموذجاً

تنمية الفطنة في المجتمع

7

شخصية الفرد

بين الفردية والجمعية

استقلالية الفرد ومحورية القيم

الفرد الأمة

تعليق