2018.08.19

الفتن امتحان للإنسان لبناء دولة العدالة الكبرى

- Sayyed-alakwan | 2014.12.01

mohamad-reza-alsalman

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).
اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيّتنا خالصة لوجهك الكريم، يا رب العالمين.
قال الحكيم في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ‏ فِي‏ الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيْهَا مَعَايِشَ قَلِيْلاً مَا تَشْكُرُوْنَ﴾([2]).

الفتنة والتمحيص:

الأيام بين الناس دول، والحياة تشق طريقها شيئاً فشيئاً لتقترب من عوالم حياة أخرى. والليل والنهار لهما فينا ما لهما من الأثر، نمنا أم استيقظنا، سرنا أم توقفنا، فاليوم الآتي يطوي اليوم الذي قبله، ويهيِّئ الأسباب ليوم يأتي بعده. فما الذي اكتسبناه؟ وما الذي نؤمله؟.

يقول الحق تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْا شَيْئَاً وَيَجْعْلَ اللهُ فِيْهِ خَيْرَاً كثيراً﴾([3]). ويقول أيضاً: ﴿وَعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُوْنَ﴾([4]).

إن الفتن لا تُكرَه، لأنها لا تعدو مساحة الامتحان، ونحن نمر بها في كل يوم من أيام حياتنا، غاية ما في الأمر أن الزمان يفصلنا عنها أحياناً، أو المكان، أو هما معاً، لكن الفتنة موجودة في كل حين، منذ أن تعدى أحد ولدي آدم (ع) على أخيه وقتله، ثم تعذر عليه إخفاء معالم الجريمة، وإلى يومنا هذا، فلا زال أولاد المجرم وأولاد الضحية على طرفي المشهد.

ومهما اتسع المشهد أو ضاق، أو ضعف أو اشتد، أو اقترب أو ابتعد، فإن النتيجة واحدة، وهي أن الإنسان لا بد أن يمر بغربلة، لأن الدولة الموعودة الكبرى، دولة العدالة العالمية، لا تبنى على العواطف فقط، إنما تبنى على العاطفة والمعرفة، فالعاطفة إذا ما تزاوجت وترافقت وتواكبت مع المعرفة أعطت ثمرتها، أما إذا بقيت محدودة ومكبوتة ضمن هذا الإطار فإنها لا تستطيع أن تقدم شيئاً لمن أراد أن يستفيد منها، وهو المفترض.

كيف نقرأ الفتنة؟:

إذن لا بد من قراءة أبعاد ثلاثة لكي نستطيع أن نحلق ونستغل ونستثمر الأحداث التي تخلفها وراءها الفتن، وأحياناً ما يترافق مع تلك الفتن على نحو المزاملة والاستثمار:

1 ـ رواسب الماضي المرير: فمن حقنا أن نقرأ هذه المفردة قراءة صحيحة، لنتعرف الماضي الذي تصرمت أيامه، وطويت سنونه التي تَشكَّل منها وعُنون بها، بمرها وحلوها وصعبها وسهلها، فهل قرأناها قراءة صحيحة، أو لا زلنا نراوح مكاننا؟

كنت وما زلت أصر على هذه القضية: أننا أتباع مذهب أخذت العاطفة منه مأخذها، وألغيت الكثير من الروافد لصالح ذلك، والمفترض أن تكون العاطفة واحدة من تلك المشارب والروافد التي لا يُستغنى عنها، فيفترض أن نجمع بين العاطفة وبين تلك الروافد، حتى نصل إلى النتيجة التي أرادها من ضحى بنفسه من أجلها، وهو سيد الشهداء الإمام الحسين (ع).

فرواسب الماضي لا زالت تجلدنا، وأحياناً نحن نجلد أنفسنا بها، لا لشيء إلا لأننا اتكأنا على جانب واحد، وأبينا إلا أن نشرب من رافد أو مشرب واحد. فيما يفترض أن نكون قد تخطينا هذه المرحلة ووقفنا على أقدامنا، ويفترض أن يكون المستوى العلمي والمعرفي قد تقدم في وسط أبناء الأمة، كما يفترض أن يكون رجالات الدين قد تقدموا، ولا أقل فيما يتوازى وما استطاع أن يصل إليه شباب اليوم من القراءة والانفتاح والتقبل للرأي الآخر.

2 ـ تحديات الحاضر الصعب: فلأننا لم نقرأ الرافد الأول قراءة صحيحة، وهو الماضي المرير، فإن الحظ لا يسعفنا في قراءة الواقع الصعب الذي نعيشه، فالأحداث اليوم من الكثرة بمكان، وهي تلبس في كل يوم لباساً جديداً، فحاضرنا نعيشه، وهو يعيشنا أيضاً، وغيرنا أعدَّ عدته، وجمع الأجندة، وهيأ جميع أسباب الشياطين، فما الذي أعددناه نحن لتلك المرحلة؟ وعلى الأقل في حفظ النوع. فالآليات التي سرنا بها قبل عقود من الزمن، لا يمكن أن تصل بنا إلى مرحلة نرضاها لأنفسنا ومجتمعنا ووطننا وديننا. فالماضي هو الماضي، والحاضر هو الحاضر الذي فيه يتميز بقوة الحركة الآنية والمرأى المستقبلي، لذلك يفرق النحاة في تقسيم الفعل إلى الأزمنة الثلاثة، فالفعل المضارع له القابلية في الحركة الآن وفي المستقبل. فيفترض أن يكون للفعل المضارع في واقعنا ما يتناسب وخصوصية المرحلة والحاضر الذي نعيشه.

3 ـ استشراف المستقبل: فالأنشودة التي تتغنى بها الشعوب المتحضرة المتقدمة، التي أحسنت القراءة لماضيها، وتعاطت المشهد مع حاضرها بالآليات التي تناسبه، هي إعداد العدة لاستشراف المستقبل بناء على أجندة مفترضة. وهذه تحتاج إلى قراءة دقيقة ودراسة شاملة وواعية وحمالة للمسؤولية.

فإذا اكتملت هذه الروافد والعناصر الثلاثة عندئذٍ يمكن أن نقول: إن الفتنة يمكن أن نتعامل معها بروح خاصة. أما إذا اشتبهت علينا تلك الروافد الثلاثة، أو اشتبكت فيما بينها، أو أخطأنا في قراءة واحد منها، فالبناء سوف يتداعى على بعضه وينهدّ، وسوف نخرج وليس بين أيدينا ما نُشكر ونُحمد عليه.

الحمل على الصحة:

والأمر الثاني الذي نحن بصدده هو أن هنالك قاعدة يتعاطاها العلماء فيما بينهم، وهي الأصالة في الشيء، كأصالة الطهارة والحلّية والصحة وغيرها، وهذه القاعدة يمكن أن نستدعيها لواقعنا المسلم كأفراد، والإسلام كدين، بأن الأصل في المسلم السلامة، وإن بدا منه من القول أو الفعل ما هو خلاف ذلك الأصل.

فنحن عندما نقرأ الأحداث فيما بيننا نجد أن المجمتع مسلم، والأفراد مسلمون، ولكن المشكلة في ما وراء ذلك. وهي كيفية التعامل مع المسلم، فهل أننا نتعامل بناء على أن فعل المسلم وقوله يحمل على الصحة؟ أو أننا لا نملك إلا عصا الجلد، والحمل على أسوأ المحامل، والتسقيط والحذف، والتصفية أحياناً؟

أيها الإخوة: مما يلف الساحة حراك الفكر في وسط الأمة، الذي يخلف وراءه مسارين: إما تقبُّل حالة الحراك، أو الاصطدام معها.

أما التقبل فربما لم يتأتَّ على إطلاقه للأنبياء والرسل والأولياء، فقد جابهوا وواجهوا وتصدَّوا للكثير من النكسات والمصائب. وأما المسار الثاني فأمره واضح وبين.

لذا فإن أي فكر يطرح لا ينبغي أن نضع عليه من الخطوط المتقاطعة ما يشكل شبكة لا يمكن التخلص منها، بل علينا أن نقف أمامها وقفة التوافق مع القاعدة المذكورة، وهي أن الأصل في المسلم السلامة فيما يقول ويفعل، ثم نقرأ الحدث بروح شفافة هادئة مطمئنة.

إن الكثير من الأحداث لا يمكن قراءتها ساعة حدوثها، إنما يحتاج بعضها إلى ساعات وبعضها إلى أيام أو أسابيع أو سنوات، بل هنالك أحداث في تاريخ البشرية لا زالت إلى اليوم خاضعة لدراسة أسبابها ودوافعها، بسبب قوة الحدث وشدة الصدمة.

فعلينا أن نكون واقعيين حذرين يقظين مدركين لما يجري من حولنا، فالعالم اليوم مضطرب بأسره، فهذه الكلاب المسعورة لا تفغر أفواهها قبال جماعة دون جماعة، ولا في زمان دون زمان، ولا مكان دون آخر، فمتى ما أمكنها أن تنهش نهشت، بل حتى المراهنة على مسألة الشيعة والسنة أصبحت خاسرة والحمد لله، وقد عرّتهم الأحداث، والخير فيما وقع، حيث ثبت بشكل واضح أن القضية لا علاقة لها بتشيع أو تسنن، فالصوت الذي يبرز خارج هاتين الدائرتين إنما هو صوتٌ نشاز، من أي طرف كان، فهؤلاء وصلوا إلى حافة الإفلاس.

إن الفتن وإن أحدثت الكثير من الأضرار، إلا أن فيها الكثير من الانعكاسات الإيجابية، ومنها هلاك الظلمة، فليعملوا ما يعملوا، وليصنعوا ما شاؤوا، فذلك لن يقدم ولن يؤخر ولن يقلل من مسيرة الأمة في التعاطي مع شعائرها وأخوّتها ومحبتها ووطنيتها ومذهبيتها ودينها وانتمائها الإنساني.

إن الحكمة والصبر أمران ضروريان، فإن اجتمعا فلن تستطيع أية جماعة أن تقف أمام المسيرة البشرية بأي عنوان اتصفت.

هنالك أفكار تطرح، فهل نتعاطاها أم نضع عليها الخطوط المتقاطعة؟ الجواب: أننا ينبغي أن نتعاطاها، وبكل شفافية. ومع شديد الأسف، أن هناك بعض المنابر استغلت في شهر محرم ضد الجماعة من الداخل، وأصبح البيت يأكل أبناءه.

من حق البنت أو الابن أن يتساءلوا عن الأمور، فقد كان طلبة العلم يبحثون في المعاهد والحوزات العلمية أن الباري هل له شريك أو لا؟ ولم يكن هناك من ينعتهم بالكفر أو الشرك، أما اليوم فهناك من يسأل تساؤلاً بسيطاً عما جرى في كربلاء وما جرى على الزهراء، فيواجه بالإنكار، ويتهم بالخروج من التشيع. أو يناقش في مفردة ذات بعد ديني مباشر فيتهم بالارتداد والخروج من الدين.

لقد صار بعض الشباب اليوم يُنعتون بأنهم من أهل الردة، سواء من أهل الشيعة أم من أهل السنة، ولا ندري من وراء وهذا المشروع القذر، ولماذا لا تترفع العمامة وتقرأ بعين البصيرة؟ ولماذا تخدع ببعض العناوين العريضة في بعض المجلات؟ ولماذا لا تكون حذرة واعية مدركة؟

والله، إن الثقة في شبابنا اليوم هي أكبر مما كانت عليه في الماضي أضعافاً مضاعفة، وهذا لم يأت اعتباطاً، إنما هو بسبب حجور طابت وطهرت، وتغذية شريفة مدركة واعية، لعلماء بررة، مضى من مضى منهم، وبقي من بقي، فلا مجال للمزايدة على شبابنا وتنفيرهم وإخراجهم من الدائرة.

فالفكر المطروح ينبغي أن يناقش برحابة صدر، أما أن نقبل أو لا نقبل فهذا أمر آخر. فقد واجه أحدُهم النبي (ص) بقوله: اعدل يا محمد، وكان النبي (ص) بين ثلة من أصحابه. فكانت هنالك قراءتان: إحداهما سطحية معوجّة، وهي التي أراد صاحبها أن يقتل السائل، ويفصل بين رأسه وجسده، وهي قراءة لا زالت موجودة إلى يومنا هذا، وأتباع هذا الخط كثر، ولو تسنى لهم ذلك لما توانوا في إجرائه.

أما الأذن الواعية، أمير المؤمنين (ع) ، فله قراءة أخرى، حيث أخذ الأعرابي السائل، وأشرف به على فم الوادي، وقال له: خذ حاجتك، بهذا أمرني رسول الله (ص).

فعلينا أن نحسن الظن في الفكر المطروح، والحراك المستجد، بل وصلت بنا الأمور أن نسيء الظن حتى في صلاة الجنازة، وكأن هذه الأمة لا تتردد على المساجد ولا تسمع الخطباء. فصلاة الجنازة لا تحتاج إلى فلان أو فلان لأدائها، إنما يصليها حتى البدوي العامي، ولا يشترط فيها الطهارة، ناهيك عن غيرها من الأمور، وهي ليست صلاة في الحقيقة، إنما تسمى صلاة مسامحةً، إنما هي دعاء. ولكن انظر إلى ما يحصل من المزايدات في هذا المجال. وانظر إلى من غاية طموحه أن يصلي على جنازة، فهل تؤمّل في مثله شيئاً في المستقبل أو تراهن عليه أو تثق فيه؟

لقد سئل النبي (ص) عن الشهادة فقال للسائل: هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع([5]).

قبل يومين أشيع كلام عني بأنني كتبته ونشرته، في حين أنني لم أكتبه ولم أقله، بل إنني لا أكتب في (الوتسب) مطلقاً، اللهم إلا في رد السلام، أو الإجابة عن مسألة شرعية، أما البيانات فلا أكتبها في (الوتسب)، إنما أقول ما أريد قوله من خلال هذا المنبر. فما يقال في هذا المنبر، ويكتب في موقع جامع الإمام الحسين (ع) فأنا مسؤول عنه، أما خارج هذه الدائرة فلا أتحمل المسؤولية عنه مطلقاً، بأي شكل من أشكال النشر الأخرى. بغض النظر عن كوني أتفق أو أختلف مع المضمون.

إن القاعدة التي سبق الحديث عنها، وهي أن الأصل في المسلم السلامة إنما نتعاطاها من قانون ومشرب معين، وهو أن الحكم على الشيء فرع تصوره. فلا يمكن أن نحكم على فلان بالعدل، إن لم نتصوره ونتصور العدل، ثم نقرر النسبة بينهما، وكذا الحال في الجماعات والتيارات وغيرها.

والقرآن الكريم يحدد لنا المسار في هذه القاعدة حيث يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾([6]).

فلا بد أن يكون التصور مبنياً على أسس علمية، مؤلفة من مقدمات مرتبة ونتائج وافية.

إن هذه الحالة تنجر ـ مع شديد الأسف ـ على وضعنا العام ووضعنا الخاص، فنذهب ضحيتها، سواء كنا في مجتمع صغير أم كبير، لأننا لا نحكم إلا على ما هو المتصور، بعيداً عن المرتكزات، لذا تكون الخسارة التي ندفعها كبيرة جداً.

فمن باب المثال البسيط أن يرى أحدنا رجلاً يمشي أمام امرأة، فالبعض لا يعجبه أن تمشي المرأة إلى جانبه، لأنه يرى نفسه شيئاً آخر، وهذا من الجاهلية. ولكنني كنت أتساءل عن السر في ذلك، وقد أدركت اليوم أن أحد الأسباب الداعية لذلك هو انتشار سوء الظن في المجتمع. في حين أن القاعدة التي ذكرناها تدعونا إلى حمل الفعل على الصحة، وعدم إساءة الظن، سواء مشت المرأة إلى جانبه، أم ركبت معه في السيارة.

أقول: إن أحد الأسباب التي تجعل المرء يسيء الظن بالآخرين، هو عدم الثقة والاطمئنان لسلامة واقعه الأسري، فلو كان مطمئناً لذلك لما أساء الظن، ولو لم يكن يعيش حالة الشك في زوجته وبنته وأخته وأهله لما تفوه بإساءة الظن، فالشريف لا يصدر عنه إلا الشريف من القول والفعل. وسوء الظن مرض خطير، لذلك نرى أن المكونات الفردية أو الاجتماعية تنهدّ بسبب سوء الظن، إذ لا أحد يحسن الظن بالآخر.

ثم هناك ما هو أسوأ من ذلك، بل هو الأسوأ على الإطلاق، وهو الحكم على النوايا، حال أن النية محلها القلب، وليس هناك من يعطي مفاتيح قلبه لغيره، اللهم إلا في واحدة من حالتين: إما أن يكون نائماً مسلوب الإرادة، يتكلم بما يشاء، أو أن يكون سكران يهذي، وفي الحالتين رفع القلم عنهما. أما السليم الرشيد فلا نتصور أنه يسلم مفاتيح نواياه لغيره، فلا معنى لأن نحكم على نوايا الآخرين.

والأسوأ من ذلك أن من يُحكم على نيته، ثم ينكر أن تكون نيته كذلك، لا يُقبل منه! وهذا من العجائب التي لا تنتهي، وكأن الحاكم على النية أعلم بها من صاحبها، ولم يبق له إلا أن يقول كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾([7]).

يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾([8])، فلا يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد أن ينازع الله تعالى في سلطانه.

العدالة هدف إلهي:

إن هذا المبدأ في أصل السلامة، وحسن الظن بالآخر، يجب أن يكون هو الحاكم، وبالتالي فإن الأمة متى ما رتبت أوراقها ستعيش العدالة، وهي مطلب إلهي، ولا تبحث عنها في دولة من الدول الوضعية، أياً كانت تلك الدولة، فليست هنالك دولة على وجه الأرض اليوم تستطيع أن تطبق العدالة بحذافيرها، إلا دولة واحدة منتظرة، هي دولة الخلف الباقي من آل محمد (عج).

صحيح أنه مطلب إلهي، وهناك رغبة لدى العديد من الدول في تطبيقه، إلا أنها لا تطبقه إلا نسبياً، فهناك من تطبقه بنسبة عشرين في المئة، وأخرى بنسبة أكثر أو أقل، وأخرى ظالمة بالمطلق، وهكذا.

إن العدل مطلب إلهي، يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾([9]). وحركة الأنبياء والرسل إنما قامت من أجل تحقيق العدالة، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ‏ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيْزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط﴾([10]).

كما أنها مطلب اقتصادي واضح، يقول تعالى: ﴿وَأَوْفُوْا الْكَيْلَ وَالْمِيْزَانَ بِالقِسْطِ﴾([11]).

وهنالك عدالة في الحكم، وهي أصل العدالة على وجه الأرض، فإذا عدل الحاكم في حكمه بين الناس استقامت الأمور، وإذا ظلم وجار وغابت العدالة انتشرت المشاكل، فالعدالة أساسها الحكم بين الناس، فإن انتظم الحكم، وشاعت العدالة بين أبناء الأمة استقامت الأمور.

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوْا بِالْعَدْلِ﴾([12]). ويقول عز وجل: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ‏﴾([13]).

وكذلك العدالة في المنطق والحوار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوْا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾([14]). فيجب أن يقال الحق دون النظر إلى من قيل في حقه، قريباً كان أم بعيداً.

وكذا العدالة في الأسرة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تَعْدِلُوْا فَوَاحِدَةٌ﴾([15]).

وكذا العدالة مع الكافر، وما أعظم هذا الدين! وما أعظم ذلك النبي الذي أكرم البشرية بهذا الدين! يقول تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ‏ يُقاتِلُوكُمْ‏ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ﴾([16]). فهؤلاء ليسوا بمسلمين، لم يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولم يؤمنوا بالقرآن الكريم، ولم يتوجهوا للكعبة، ولم يصلوا ولم يصوموا ولم يحجوا ولم يجاهدوا، إلا أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نبرهم ونقسط إليهم.

ولو أننا أردنا مقارنة هذه الآية بما يفعله هؤلاء الذين يستبيحون دماء المسلمين، لرأينا العجب العجاب، ولأدركنا حجم الكارثة. ومن المؤسف أن نسمع في بعض وسائل الإعلام إلى يومنا هذا من يسميهم: (الدولة الإسلامية)، فإن كانت هذه الدولة هي الدولة الإسلامية فماذا يكون سائر المسلمين؟ وإن صار البغدادي ومن لف لفه أمير المؤمنين، ودولته القائمة على الاغتصاب والقتل والنهب والتنكيل هي الدولة الإسلامية، فأين الإسلام والمسلمون إذن؟

إن بعض وسائل الإعلام اليوم لا تجرؤ أن تقول: إن هذه الجماعة مارقة، ولكن لو حدث أمر آخر في جهة ثانية لرأيت الويلات تصب على رؤوسهم، بل تستحضر حتى القرون الخوالي، وتدفع ضريبة ضرب الإمام علي (ع) لمرحب، وقتله لفلان وفلان من أجل الإسلام، وما إلى ذلك.

إن العدالة أقصر الطرق لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، فلو تحققت العدالة تحقق الأمن والاستقرار والمحبة والتعليم والرشد الاقتصادي والنمو والتطور، أما إذا غابت فلا شك أن كل شيء يغيب معها.

يقول تعالى في هذا الصدد أيضاً: ﴿اعْدِلُوْا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾([17]). فالتقوى سلاح يقودنا إلى العدالة، فإن أصبح الحاكم تقياً ورعاً انتشرت العدالة على يديه، وإن تحول إلى ظالم جائر غابت العدالة، وانتشر الإجرام.

إن طريقنا إلى جميع هذه الأمور هو الصداقة الصادقة، لا صداقة المصالح والمكاسب، يقول الإمام الصادق من آل محمد (ص): «الصداقة محدودة، فمن لم تكن فيه تلك الحدود فلا تنسبه إلى كمال الصداقة: أولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة. والثانية أن يرى زينك زينه وشينك شينه. والثالثة لا يغيره عنك مال ولا ولاية، والرابعة أن لا يمنعك مما تصل إليه مقدرته، والخامسة لا يسلمك عند النكبات»([18]).

وفقنا الله وإياكم لكل خير، والحمد لله رب العالمين.

——————————————————————————
([1]) طه: 25 ـ 28.

([2]) الأعراف: 10.

([3]) النساء: 19.

([4]) البقرة: 216.

([5]) وسائل الشيعة، الحر العاملي27: 342.

([6]) الإسراء: 36.

([7]) النازعات: 24.

([8]) غافر: 19.

([9]) النحل: 90.

([10]) الحديد: 25.

([11]) الأنعام: 152.

([12]) النساء: 58.

([13]) المائدة: 42.

([14]) الأنعام: 152.

([15]) النساء: 3.

([16]) الممتحنة: 8.

([17]) المائدة : 8.

([18]) الأمالي، الشيخ الصدوق: 669.

تعليق