2018.11.16

صلحُ الإمام الحسن (ع) فتحٌ مبينٌ / الشيخ محمد العبيدان القطيفي

- Sayyed-alakwan | 2014.11.30

الشيخ-محمد-العبيدان-القطيفي

أحتل موضوع صلح الإمام الحسن(ع) مع معاوية بن أبي سفيان، مساحة واسعة من سيرته، بل مساحة عظمى في الفكر الإسلامي، لما مثله من تغيير في المنهج والأسلوب المتبع في التعاطي مع الآخر، وقد تعددت النظريات والقراءات لهذا الموقف على اختلاف مضامينها وقراءتها للصلح.

والأنسب أن يسلط الضوء على ما تضمنته النصوص في هذا الجانب، فقد ورد على لسانه(ع) تبريراً لإقدامه على الصلح، فعن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته، فقال الحسن(ع): ويحكم ما تدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، بنص من رسول الله(ص) عليّ؟ قالوا: بلى. قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار، وقتل الغلام، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران(ع)، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً. أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم(ع)؟ فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيّب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون الأربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير[1].

فقد ذكر (ع) أن صلحه لمعاوية خير لشيعته مما طلعت عليه الشمس أو غربت، إلا أنه لم يبين الخيرية المشار إليها في كلامه، وهل أنها خير قريب، أو أنها خير بعيد، أو كلاهما. كما أنه(ع) قد ركز على أن منشأ رفضهم أو اعتراضهم على صلحه يعود لعدم إدراكهم وإحاطتهم بالمصلحة المترتبة على ذلك، وإلا لو أنهم يدركون المصلحة لما صدر ذلك منهم، واستشهد لذلك بما صدر من الخضر من أفعال، إذ أن اعتراض الكليم (ع) كان يعود لعدم الإحاطة بالمصالح المترتبة على ذلك والحكم التي في تلك الأفعال، وما قيام الخضر بذلك إلا لأنه كان مطلعاً على الحكم والمصالح المترتبة عليها.

كما تعرض الأئمة (ع) بعده إلى بيان العلة التي من أجلها صالح الإمام(ع) معاوية، فقد روى محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: والله الذي صنع الحسن ابن علي(ع) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، والله لقد نزلت هذه الآية (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، إنما هي طاعة الإمام، ولكنهم طلبوا القتال:- (فلما كتب عليهم القتال) مع الحسين(ع):- (قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) (نجب دعوتك ونتبع الرسل) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم(ع)[2].

ولا تختلف دلالة هذا النص عما تقدم، من الإشارة إلى بيان أن إقدامه(ع) على الصلح فيه مصلحة للأمة، وأنه خير لها مما طلعت عليه، إلا أنه أيضاً لم يتعرض لبيان الخيرية المشار إليها، فلاحظ.

وقد تضمنت بعض النصوص ربطه(ع) صلحه معاوية بصلح رسول الله(ص) في الحديبية، وأن الأسباب التي دعته إلى الإقدام على الصلح، هي نفس الأسباب التي دعت رسول الله(ص) على الإقدام على صلح الحديبية، وهو بهذا يشير إلى أن هناك نقطة اشتراك بين الصلحين، وأن بينهما مشابهة، فعن أبي سعيد عقيصا قال: قلت للحسن بن علي ابن أبي طالب(ع): يا ابن رسول الله(ص) لم داهنت معاوية وصالحته، وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي(ع)؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله(ص) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله(ص) لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنـزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره، لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً. ألا ترى الخضر(ع) لما خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الدار سخط موسى(ع) فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل[3].

والحاصل، إن ملاحظة النصوص يفيد تضمنها لبيان العلة والأسباب التي من أجلها أقدم(ع) على الصلح مع معاوية، إلا أن مزيد التأمل فيها، والنظر في مضامينها يشير إلى معنى أبعد، وهو التركيز على الآثار المترتبة على الصلح والأهداف التي كان يسعى الإمام الحسن(ع) إليها.

وبعبارة أخرى، إن مما لا ينكر أن النصوص المذكورة تحتوي على بيان الأسباب التي دعته إلى الصلح، إلا أن الظاهر أن هذه أسباب ظاهرية، قدمها(ع) إلى المجتمع الذي كان يعيش فيه مجاراة لهم وفقاً لما يملكوه من قابلية إدراكية للأحداث والتطورات، مع أن هناك أسباباً أرادها(ع) من قيامه بالصلح، لأنه كان يهدف إلى الوصول إلى مجموعة من النتائج والأثار أبعد مما كان يتصوره الوسط المحيط به، والذين كان يعيشون معه، ويظهر هذا من تنظيره لصلحه بصلح جده رسول الله(ص)، وحتى يحتاج الأمر أن يتضح، لابد وأن يعمد إلى دراسة صلح الحديبية، فإن ذلك يساعد على الإحاطة بما ذكرنا.

وكيف ما كان، فإنه يمكن تصنيف النصوص التي تضمنت الحديث عن بيان علة الصلح الصادر منه(ع)، إلى طائفتين بلحاظ الآثار المكتسبة من خلال الصلح:

الأولى: النصوص التي تتضمن الإشارة إلى الأهداف القريبة التي تكتسب من الصلح، كحصول الأمان لشيعته، بل لكافة النواحي الإسلامية من الغارات التي كان يشنها معاوية وكتائبه، وكذا منع سب أمير المؤمنين(ع) على المنابر، وما شابه ذلك.

الثانية: النصوص التي تتضمن الإشارة إلى الأهداف البعيدة التي كان يسعى الإمام الحسن(ع) للوصول إليها، ونيلها، ويمكن أن تكون هي الأساس في إقدامه على الصلح، وما كان يصبو الإمام(ع) للوصول إليه.

ولا نقصد بالأهداف البعيدة يعني التي تطول لسنين عديدة، وإنما نقصد أنها تحتاج مدة من الزمن حتى تتهيأ الظروف الموضوعية في عرضها، ومن ثمّ في تحصيلها، فلاحظ.

وينبغي الانتباه إلى أن بعض النصوص التي تعرضت لبيان أسباب الصلح، لم تخرج عن عرض ما يتداول في مصادر العامة، ومجرد كونها نصوصاً واردة في مصادرنا لا يوجب انتفاء ذلك عنها، إذ أن مصدرها الأصل هو كتبهم، وقد نقلها أعلامنا في مصادرنا عنهم، وهذا يستوجب أن يتأنى في القبول بما تضمنته من تفسير، وأن يتأمل، لأنه قد يشكك في حصول أصالة الجد فيها، وتحمل على أنها صدرت من باب المجاراة مع الناس، ومخاطبتهم على وفق ما يملك من عقل وقدرة، فلاحظ.

بين صلحين:

وعلى أي حال، حتى يمكن الإحاطة بالأهداف المنشودة التي كان يسعى أبو محمد الزكي(ع) إليها من خلال صلحه، يلزم أن يسلط الضوء على صلح الحديبية الذي جعله الإمام(ع) ميزاناً لما أقدم عليه من مصالحة، وأنه سار على وفق ما سار عليه جده المصطفى(ص)، وهذا يعني أن هناك نقاط التقاء ومشابهة، وأن النتائج المترتبة على صلح الحديبية، لابد وأن تكون محصلة من خلال صلح الحسن(ع)، وأن الأسباب التي أدت إلى إقدام النبي(ص) هي عينها ما دعت الحسن(ع) أن يقدم على ذلك.

ولا يذهب عليك أن هناك قراءتين لاستناده(ع) لصلح الحديبية، وحمل صلحه على صلح رسول الله(ص):

الأولى: أنه(ع) لم يكن له من قصد وغاية في الاستدلال بصلح رسول الله(ص) يوم الحديبية، إلا من أجل عرض الدافع للصلح، والتبرير ليس إلا.

الثانية: أنه(ع) كان يود أن يشير إلى النتائج والمكتسبات التي سوف تجنى جراء الإقدام على هذا الصلح، كما ذلك في صلح رسول الله(ص) يوم الحديبية.

ومن الطبيعي جداً أنه لا يمكن لجميع العقول أن تستوعب القراءة الثانية، بل إن الأعم الأغلب ربما يذهب تفكيره وذهنه إلى خصوص القراءة الأولى، ولا يكون متوجهاً للثانية منهما.

صلح الحديبية:

بعد مجموعة من المعارك الدامية التي دارت بين رسول الله(ص) وقريش، وكان آخرها معركة الأحزاب، أو الخندق، أمر الله تعالى نبيه الكريم(ص) أن يغير الأسلوب والطريقة المتبعة مع قريش، فعوضاً عن المواجهة المسلحة التي كانت بين الطرفين، دعاه سبحانه وتعالى أن يتخذ الطريق السلمي من خلال السعي لإيجاد صلح بينه وبين قريش، ولهذا خرج النبي الأكرم محمد(ص) قاصداً مكة المكرمة من أجل أداء العمرة، وأخذ معه الهدي.

الأهداف المتوخاة من صلح الحديبية:

لقد كانت هناك مجموعة من الأهداف الرئيسة التي كانت يتوخاه رسول الله(ص) من خلال خروجه إلى مكة معتمراً قبل حصول صلح الحديبية، ويمكن تلخيص تلك الأهداف في التالي:

أحدها: لقد كانت القبائل العربية تعتقد أنه لا يوجد بينها وبين رسول الله(ص) أي نقطة التقاء ولو في بعد عبادي، لهذا سعى رسول الله(ص) من خلال خروجه إلى مكة لأداء العمرة، أن يعرفهم أنه يلتقي وإياهم في نسك الحج والعمرة الذي كانت العرب تعتقد به، لأنه من مواريث الأسلاف وذكرياتهم.

وقد استطاع الرسول(ص) بخروجه إلى مكة لأداء نسك العمرة أن يخفف حالة الخوف والتوجس التي كانت تعيشها القبائل العربية تجاهه، وأنه لا يعارض زيارة البيت الحرام، وأداء النسك العربي الذي كان يعدّ أحد طقوسهم.

وقد أدى هذا العمل أن تنفتح قلوب القبائل العربية على رسول الله(ص)، وأن تختلف نظرتها إليه، وتخف، بل ربما تنعدم حالة الخوف والاستيحاش منه(ص).

ثانيها: إن تمكن المسلمين من أداء مناسك العمرة يعدّ خير وسيلة يمكنهم من خلالها تبيلغ الإسلام وتعاليمه، لأن من الطبيعي أن ينتشر أداء نسكهم العمرة بواسطة المتواجدين في مكة لأداء العمرة عندما يعودون إلى بلادهم، فيكون ذلك عاملاً إعلامياً لتبيلغ الإسلام إلى أبعد نقطة ممكنة.

ثالثها: استقطاب عواطف العرب بصورة عامة من خلال ما قام به(ص) من أمر أصحابه بالاقتصار على حمل السيوف فقط مراعاة لحرمة الأشهر الحرم، وقد أدى هذا إلى تغيـير نظرة كثيرين حول الإسلام، وتحول عواطفهم السلبية تجاهه إلى إيجابية[4].

ولا يخفى أن هناك عملاً إعلامياً كبيراً جداً كانت تقوم به قريش في أوساط القبائل العربية، ومن كان يفد منهم إلى مكة، حيث كانت تبحث صورة سلبية عن رسول الله(ص)، إذ كانت تخبر عنه تارة بأنه شخصية صراعية تنزع للحرب والقتال، ولا تحب السلم، وأخرى أنه كان يعبث بالأمن، ويقوم بالتصدي للقوافل التجارية لنهبها، وثالثة أنه كان يصدّ القاصدين بيت الله الحرام لزيارته، وغير ذلك.

وقد كونت هذه الإشاعات التي بثت في الوسط القبلي من قبل القرشيـين صورة سلبية عن رسول الله(ص) عندهم، ورسمت عنه صورة قاتمة لديهم.

وقد جعل هذا الإقدام المحمدي من المصطفى(ص) نحو مكة بأصحابه، قريشاً أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول: القيام بصدّ رسول الله(ص) وأصحابه عن زيارة البيت الحرام، ورفض طلبه للصلح، وهذا سوف يجعل القبائل تعرف أن قريشاً هي التي كانت تصرّ على الحرب وليس النبي(ص)، وأنها التي تصدّ الناس عن البيت الحرام وزيارته، وليس النبي الأكرم(ص).

وهذا ما لم تكن قريش ترغب فيه، لأنه سوف يفقدها مكانتها في وسط القبائل العربية، فضلاً عن أنه سوف يجعل الناس تميل إلى الرسول(ص)، وربما يقوموا باتباعه.

الثاني: أن تقبل قريش بالصلح الذي جاء يطلبه النبي(ص) من خلال إقدامه على قصد الكعبة المعظمة معتمراً.

وهذا الخيار أيضاً لن يكون في مصلحة قريش بصورة كلية، لأن من اللازم أن يكون لهذا الصلح مجموعة من الشروط، وعندها قد وجدت قريش نفسها في مأزق جديد لو قبلت بهذا الخيار أيضاً، لأنها إما أن تتعنت في الشروط التي تطرحها، بأن تكون شروطاً تعجيزية، وضعتها من أجل حميتها وجاهليتها، وهذا يجعلها كما لو رفضت الصلح، فيكون الحال كما لو استخدمت الخيار الأول. لأن القبائل العربية ستعرف من الذي يصد الناس عن زيارة البيت الحرام، ومن الذي يحول بين القاصدين له عن الوصول إليه. لأن النبي(ص) قد جاء وأصحابه محرمين يسوقون الهدي، ولم يكن لهم من غاية إلا أداء العمرة، فلم يكن وضعهم كما عرفت وضع حرب ولا قتال، وقد قامت قريش بردهم عما كان قاصدين إليه.

وسيؤدي هذا إلى أن تنفتح القبائل العربية على دعوة محمد(ص)، وتسعى للتعرف عليها عن قرب، لأنها ستصل إلى أنها كانت مضللة من قبل قريش، ولم تكن قريش صادقة في ما نقلته إليها حول هذه الدعوة، وهذا ما لم تكن قريش ترغب فيه.

أو أن تعمد قريش إلى القبول بالصلح، لكن بشروط محمد(ص)، أو بشروطها دون أن يكون في ذلك تعنت أو عصبية جاهلية وقبلية، حتى لا تفقد مكانتها الاجتماعية وسط القبائل العربية.

وهذا ما تحقق في النهاية، حيث رضخت قريش لأن يعقد صلح بين الطرفين بشروط عادية لا تتضمن تعنتاً وجاهلية أو عصبية.

نتائج صلح الحديبية:

وقد ظن بعض الصحابة في ذلك الوقت تفوق قريش على رسول الله(ص)، حتى علت الصيحات وصدرت الكلمات النابية التي لا تصدر عن مسلم في حق رسول الله(ص) وفي حق رسالته، إلا أن الأيام أثبتت مقدار ما لرسول الله(ص) من حنكة ودراية سياسية واسعة، حيث كان هذا الصلح البوابة التي تم من خلالها النفوذ إلى أواسط القبائل العربية، وأوجب ذلك كسر الطوق الذي وضعته قريش على رسول الله(ص)، وتم اختراق تلك الأوساط، وبدأ الناس يتعرفون على دعوة رسول الله(ص) عن قرب، وأخذوا يعرفون شخصية محمد(ص) حقاً وحقيقة، وقد أثمر هذا الصلح نصراً مؤزاً.

ويظهر هذا المعنى بملاحظة عدد الذين جاء بهم النبي(ص) يوم صلح الحديبية، وعدد الذين جاء بهم بعد سنتين ونصف تقريباً لما نقضت قريش الصلح، وما هذا إلا لأن العديد من العرب قد دخلوا في الإسلام.

كما تبين للعرب أن قريشاً هي التي تصد عن البيت زواره، وليس النبي(ص)، كما كانت تشيع بينهم.

والحاصل، لقد كان صلح الحديبية فتحاً مبيناً كما عبر عنه القرآن الكريم، وعبر عنه الرسول الكريم(ص)، وذلك لأنها أثمرت نتائج عظيمة جداً، كرفع الحصار الإعلامي الفاسد والمضلل والحقيقة المغلوطة والإشاعات عن الإسلام ورسول الإسلام(ص)[5].

صلح الإمام الحسن(ع):

لم يختلف حال معاوية بن أبي سفيان عن أسلافه، فكما كان أسلافه يعمدون إلى التضليل الإعلامي، واستخدام الاشاعات الكاذبة، وتقديم الحقائق المغلوطة، فقد كان معاوية يستخدم ذلك وبنفس الأسلوب في حق أمير المؤمنين(ع)، وقد تمكن من إنشاء إعلام كاذب يفسر حرب الجمل وصفين لجنده، والناس حوله، يظهر أمير المؤمنين(ع) علياً أنه سبب الحروب، وأنه رجل يطلب الدنيا، ويسعى للملك، وأنه الذي قام بقتل عثمان، وأنه مفسد في دين النبي(ص).

وليس لمعاوية من همّ ولا غاية إلا أن يقتص من قتلة عثمان، وأن يعمل بسيرة الشيخين التي رفض علي(ع) العمل بها.

وقد استفاد معاوية كثيراً من هذا الإعلام، وكما تمكن أبوه أن يوجد عزلة بين رسول الله(ص) والقبائل العربية، تمكن معاوية أيضاً أن يوجد عزلة بين أهل الشام ومن تابعه وأمير المؤمنين(ع).

وقد كان مشروع أمير المؤمنين(ع) الإصلاحي هو رفع مستوى وعي الأمة المعرفي، ببيان أن المنهج الذي يتبع هو سيرة رسول الله(ص) وليس سيرة الشيخين، لما تضمنته سيرتهما من مخالفات واجتهادات عددية بعيدة عما جاء به المصطفى(ص)، وقد كانت له مواقف واضحة في هذا المجال حتى في أيام الرجل الثالث.

وبسبب جريمة القتل التي وقعت على أمير المؤمنين(ع)، لم يكتب لمشروعه الإصلاحي الاستمرار، حيث توقف بخروجه من عالم الدنيا.

ومن المعلوم أن الذي يقوم بكمال هذا المشروع، من يكون خليفة له، المنصوب من قبل الله تعالى، فكيف إذا كان ابنه أيضاً، ولهذا كان أحد الاهتمامات التي أولاها الإمام الحسن(ع) عناية خاصة السعي لإكمال مشروع أمير المؤمنين(ع)، ومن هنا بدأ التفكير الجدي في كيفية التمكن من تحقيق ذلك.

وقد كان أمام الإمام(ع) عقبتين كؤود تمنعان من تحقيق هذا المشروع:

الأولى: حالة الانشقاق التي أصبحت فيها الأمة، بعد بيعة أمير المؤمنين(ع)، لأن معاوية قد تسلط على الشام، ثم قام أصحابه واقتطعوا البصرة، وسيطروا على أرض مصر، وبعض مدن أفريقيا.

الثانية: الإعلام الفاسد الذي كان يبثه معاوية وجلاوزته في أوساط الأمة والذي لم يكن يهدف إلا لتشويه صورة أمير المؤمنين(ع)، وعرضها بصورة سلبية كما سمعت.

مضافاً لما كانت تقوم به كتائب معاوية من غارات على المناطق الخاضعة لحكم أمير المؤمنين(ع) بين فينة وأخرى، توجب زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد بين العباد.

وبعدما بويع الإمام الحسن(ع) بالخلافة بعد أبيه(ع)، عرض عليه معاوية أن يبقى كل طرف على البلاد التي بايعته.

وقد كان يقصد من هذا العمل جعل الإمام(ع) أمام إحراجين:

الأول: أن يقبل الإمام(ع) بهذا الصلح الذي جاء يسوقه له معاوية. وعليه، سوف يؤدي ذلك إلى استمرار الانشقاق الذي كان موجوداً في جسد الأمة الإسلامية، وتكريس الإعلام المضاد الذي يزيف الحقائق بين المسلمين.

الثاني: أن يرفض الإمام الحسن(ع) الصلح المعروض عليه، وعندها سوف يضاف للأمرين السابقين، أن الحسن بن علي(ع) يسير على خطى والده، وأنه لا يختلف عنه أبداً، فكما كان أبوه رجلاً يحب الحروب، ويسعى للقتل، فهذا ولده أيضاً يسير على نفس المنهج.

وفي ظل هذا الظرف، يعمد الإمام الحسن(ع) إلى استثمار الموقف كما صنع جده المصطفى(ص) يوم الحديبية، فيقوم بقلب الموقف على معاوية كما قلب جده المصطفى الموقف بالأمس على أبي سفيان، ليجعل معاوية في زاوية ضيقة كما جعل النبي(ص) أبا سفيان فيها، حيث بادر(ع) بأطروحة صلح استمدها من صلح الحديبية، وهي تستهدف أمرين أساسين:

أحدهما: فضح معاوية بن أبي سفيان في أوساط الأمة الإسلامية، وخصوصاً في الأوساط المحيطة به، بتعريفهم حقيقته التي كان مخفية عليهم.

ثانيهما: اختراق طوق الإعلام الفاسد والمضلل للأمة، وكسره وتجاوزه، والوصول إلى الشام والشاميـين وتعريفهم الحقائق الخفية عليهم، والمخفية عنهم.

أطروحة الصلح الحسنية:

وقد تضمنت أطروحة الإمام الحسن(ع) أن يسلم ملك العراق إلى معاوية بشروط يضعها هو(ع)، ولا مجال للمساومة عليها، ويوجد أمام معاوية خياران لا ثالث لهما:

الأول: أن يقبل معاوية الشروط ويتسلم الملك، فيتحقق الأمن والأمان للناس، ويتحد المجتمع الإسلامي بكافة أطيافه، من دون فرق بين عراقي وشامي، وحجازي، وغير ذلك، ويفهم المسلمون بعدها الحقائق كما هي.

الثاني: أن يعمد معاوية إلى رفض الصلح الذي جاء يعرضه الإمام الحسن(ع)، وعندها تنكشف حقيقته عند الأمة الإسلامية، وبين جنده وصحبه، وأنه هو طالب الحرب والقتال، والساعي إلى الانشقاق، وليس الحسن بن علي(ع).

ولم يجد معاوية بداً من أن يقبل بما عرضه عليه الإمام الحسن(ع) بل بادر إلى ذلك مهرولاً مسرعاً ظناً منه أنه قد حقق ما يصبو إليه، وقد فاته أنه قد وقع في شرك كبير، كما وقع أبوه قبله يوم الحديبية.، وعندما أفاق معاوية من سكرة النصر المزيف، ووجد نفسه وقع في حبال صعبة، طوقها بها الإمام الحسن(ع) وانتصر عليه، وأظهر إليه أنه أقوى من حنكة ودراية في السياسة.

وقد تبين من خلال العرض أن الموجب الذي دعى الإمام الحسن(ع) أن ينهج منهج صلح الحديبية وجود نقاط مشتركة بين الطرف المقابل، فكما كانت قريش تستخدم الكذب والتضليل الإعلامي الفاسد، كان معاوية يستخدم الأسلوب ذاته، وكما كان الرسول(ص) يسعى لكسر الطوق الذي فرض عليه ليتمكن من تعريف الناس دعوته وحقيقته، كان الإمام الحسن(ع) يسعى لذلك حتى يتمكن من أداء مشروع أمير المؤمنين(ع) في توعية الأمة، واختراق الشام وتعريفها من هو علي بن أبي طالب(ع)، وإقامة الحجة على أهلها، فمن أراد أن يتبع طريق الهداية، اتخذه، ومن أراد أن يبقى على غيه وضلاله، فذلك شأنه، فقد قامت الحجة عليه[6].

الأهداف الحسنية من الصلح:

مع أنه قد تبين ولو إجمالاً من خلال العرض السابق ما كان يصبو إلى تحقيقه الإمام الحسن(ع) من الصلح، وأنه لا يخرج عما كان يسعى إليه رسول الله(ص)، إلا أنه لا مانع من تسليط الضوء على ذلك وبصورة أوضح ليزداد الأمر وضوحاً خصوصاً وأن الرؤى في هذا الموضع تتعدد وتتكثر، إذ يجد القارئ رؤيتين أساسيتين في داعيه(ع) إلى الإقدام على الصلح:

إحداهما الرؤية التي يذكرها المستشرقون، وهي واهية جداً، لا يمكن القبول بها أبداً، لأنها تصور الإمام(ع) شخصية ضعيفة لا حول لها ولا قوة، بل ترسم عنه(ع) صورة مشوهة جداً.

والرؤية الثانية، وهي الرؤى المشهورة الموجودة في كلمات الإسلاميـين، من دون فرق بين الفريقين، إلا أن المشكلة في هذه الرؤية أنها تعرض أسباب تنازله عن السلطة بصورة واهية وسطحية جداً، ويتمثل ذلك في ثلاثة اتجاهات:

أحدها: ما يطرحه الإعلام الأموي، من أن الحسن(ع) قد تنازل عن السلطة بخطة من معاوية، وهذا الطرح يوحي للقارئ أن الإمام(ع)، قد خدع من قبل معاوية، وأنه تمكن من التغلب عليه، ما جعله يتنازل عن السلطة بهذه الكيفية.

ثانيها: ما يطرحه الإعلام العباسي، عندما أراد أن يحدّ من الثورات الحسنية التي كان يقوم بها الحسنيون أيام حكومة بني العباس، وقد حاولوا من خلالها تشويه صورة القادة، بتشويه صورة الإمام الحسن(ع)، من أن الداعي للإمام الحسن(ع) أن يتنازل عن السلطة، حبه في المال والترف والحياة، وهذا الاتجاه يعرض الإمام(ع) على أنه رجل دنيا يسعى إليها، ويرغب فيها.

ثالثها: ما يطرحه بعض المحللين، من أن السبب يعود إلى فقدانه القوة العسكرية التي كانت تكفل له الاستمرار في المقاومة ومناهضة عسكر معاوية، وخوض الحرب ضده، لذا فعمد إلى التنازل والصلح[7].

وقد حاول أصحاب الاتجاه الثالث، أن يستدلوا على مختارهم بما صدر عنه(ع) من تنظير صلحه بصلح جده المصطفى(ص) يوم الحديبية.

الصلح حل للأزمات:

وقد فات هؤلاء أن صلح الحديبية الذي عقده رسول الله(ص) ونظرّ به الإمام الحسن(ع) كان يؤسس لقاعدة أعمق هي التي كان يقصدها الإمام(ع) من تنظيره به، وتلك القاعدة هي أن الحرب ليست هي القاعدة العامة التي يعتمد عليها دائماً في علاج المشكلات وحل الأزمات، بل قد يكون الحل وعلاج الأزمة من خلال تقديم بعض التنازلات والقيام بالصلح المشروط، لأنه لا يمكن أن يحقق الشخص أهدافه إلا من خلال ذلك.

وهذا ما وقفنا عليه عند عرض النتائج التي تحققت للمسلمين بعد صلح الحديبية، فلاحظ.

والذي يستفاد من خلال التأمل في النصوص، أن الأهداف الحسنية من الصلح، هو ما جاء يؤسس له صلح الحديبية من قاعدة، من أن العلاج الأنجع في بعض الأزمات والمشكلات لبلوغ الهدف هو التنازل والإقدام على الصلح المشروط، لذلك عمد الإمام(ع) للصلح، لأنه كان يسعى إلى تحقيق هدف، وكان يود الوصول إليه، وقد عرفت أن هدفه كان يتمثل في المشروع الإصلاحي الذي ابتدأه أمير المؤمنين(ع)، وكان عليه أن يتمه لا لكونه ابن علي بن أبي طالب(ع)، بل لأنه خليفته بالحق، وأنه الإمام المفترض الطاعة من الله تعالى.

فقد عمد الإمام الحسن(ع) من خلال إقدامه على الصلح إلى علاج الانشقاق الذي كانت تعانيه الأمة، كما فتح الطريق لأهل الشام للهداية لو أرادوها.

وقد عرفت أن المانع للإمام(ع) من تحقيق هذه الأهداف عقبتان، أشرنا إليهما:

الأولى: انشقاق الشام عن الأمة الإسلامية، وقد نتجت عن ذلك آثاراً سلبية، تمثلت في:

1-فقدان الأمان في الطرق الخارجية بين ولايات الدولة الإسلامية، بسبب الغارات التي كانت تشنها كتائب معاوية.

2-ثقافة العداء لأمير المؤمنين(ع) عند أهل الشام، لما زرع في أذهانهم نتيجة الإعلام الفاسد وتزيـيف الحقائق كما سمعت.

3-الخطر الخارجي الذي يتهدد الأمة الإسلامية، وكان يتمثل في الروم البيزنطيـين، فقد كانوا على الجبهة الشرقية للشام.

4-وهي مشكلة موجودة تحت الرماد، قد يعمد لها معاوية إذا استدعى وذلك بأن يحول القبلة من الكعبة المعظمة إلى بيت المقدس، لتجريد الإمام الحسن(ع) من سلاح القبلة العامة لكافة المسلمين، وليتمكن من إحكام عزلة كاملة على الشاميـين، فيحول بينهم وبين الانفتاح على الحقائق والاطلاع على الأمور[8].

الثانية: وجود الخوارج، وما كان يرفعونه من شعار التكفير لأمير المؤمنين(ع)، وقد تحولوا إلى خلايا ومجموعات إرهابية تغير على الأبرياء، وتقتلهم، لأنهم يسالمون السلطة، وقد نجم عن هذا فقدان الأمان داخلياً خصوصاً في الناحية الشرقية من البلاد[9].

وبإقدام الإمام الحسن(ع) على الصلح، تسنى له أن يتغلب على هاتين العقبتين، فتمكن من توحيد شقي الأمة، وتحقيق الأمان إليها، وبثه في أوساط الدولة الإسلامية، لأن الصلح جعل معاوية يحبس كتائبه أن تغير على الولايات التي كانت تخضع لحكم الإمام الحسن(ع).

كما تسنى للإمام(ع) أن يوصل مشروع أمير المؤمنين(ع) إلى الشام وأهلها، حيث تمكن أصحاب أمير المؤمنين(ع) من التعريف به من خلال نشر فضائله التي وردت في أحاديث النبي الأكرم(ص)، ما أدى إلى إقامة الحجة عليهم.

فبلغهم حديث الغدير، وقول رسول الله(ص): من كنت مولاه فهذا علي مولاه. الله والِ من والاه وعادِ من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. كما بلغهم حديث المنـزلة، وحديث الكساء، ووصلهم حديث حج التمتع الذي وصفهم الإعلام الأموي بإفساد علي(ع) في الدين، فعرف الشاميون أن علياً(ع) أحيا ما جاء به النبي(ص) من سنة، ووغير ذلك من الأمور التي يجدها المتتبع للمصادر التاريخية.

أصحاب علي (ع) في الشام:

ولا بأس أن نذكر بعض المواقف التي جرت لأصحاب أمير المؤمنين(ع) في الشام معقل معاوية وعاصمة ملكه، والتي كانت تتضمن الحديث عن فضائل أمير المؤمنين(ع):

منها: خبر دارمية الحجونية، فقد بعث إليها معاوية فلما جاءت، دار بينهما حديث، جاء فيه: قال معاوية: بعثت أسألك علام أحببت علياً وأبغضتني، وعلام واليته وعاديتني؟

قالت: أو ما تعفيني يا أمير المؤمنين من ذلك؟

قال: ما كنت بفاعل، ولا أعفيك!

قال: أما إذا أبيت عليّ: فإني أحببت علياً على عدله في الرعية وقسمته بالسوية، وأبغضتك على قتالك من أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك، وواليت علياً على حبه المساكين وإعطائه أهل السبيل وفقهه في الدين وبذله الحق من نفسه، وما عقد له رسول الله(ص) من الولاية. وعاديتك على إرادتك الدنيا، وسفكك الدماء، وشقك العصا.

ثم قال لها معاوية: هل رأيت علياً قط؟

قالت: إي والله لقد رأيته.

قال: كيف رأيته؟

قالت: رأيته شَثِنَ القدم والكف، لم يعب بالملك، ولم تشغله النعمة.

قال: فهل سمعت كلامه؟

قالت: نعم؟

قال: كيف سمعته؟

قالت: كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ[10].

ومنها: حديث ضرار بن ضمرة، فقد طلب منه معاوية أن يصف أمير المؤمنين(ع) فاستعفاه، ولم يعفه، وألح عليه في ذلك، فقال: فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله، وأشهد أني لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ويقول يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلى تشوفت، هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك قليل.

آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق. فبكى معاوية، وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.

ومنها: وصف الأحنف بن قيس طعام أمير المؤمنين(ع)، وقد قدم إليه معاوية ألواناً من الطعام، الحار والبارد والحلو والحامض، وكان بينها طعام لم يعرفه، فسأل عنه، فأجيب: أنه مصارين البط، محشوة بالمخ، قد قلي بدهن الفستق، وذر عليه بالطبرزد، فبكى عندها الأحنف، فقال له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت علياً، بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام، وإفطاره وسألني المقام فجئ له بجراب مختوم، فقلت: ما في هذا الجراب؟

قال: سويق شعير.

قلت: خفت عليه أن يؤخذ؟ أم بخلت به؟

فقال: لا، ولا أحدهما، ولكن خفت أن يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت.

فقلت: محرم هو يا أمير المؤمنين؟

فقال: لا، ولكن يجب على أئمة الحق أن يعدوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغى الفقير فقره.

فقال معاوية: ذكرت ما لا ينكر فضله.

ومنها: وصف ابن عباس إلى أمير المؤمنين(ع)، وقد سأله معاوية، فقال له: ما تقول في علي بن أبي طالب(ع)؟

قال: أبو الحسن(ع) علي، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجى، ومحتد الندا، وطود النهى، وعلم الورى، ونوراً في ظلمة الدجى، وداعياً إلى المحجة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، وسامياً إلى المجد والعلا، وقائد الدين والتقى، وسيد من تقمس وارتدى، بعل بنت المصطفى، وأفضل من صام وصلى، وأفخر من ضحك وبكى، صاحب القبلتين، فهل يساويه كان أو يكون.

كان والله كالأسد مقاتلاً ولهم في الحروب حاملاً على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد[11].

ولم ينحصر الإبلاغ في بلاد الشام على عرض فضائل أمير المؤمنين(ع)، وبيان مناقبه، بل تعدى ذلك حيث كان الرواة الكوفيون يحدثون بفضائل أهل البيت(ع)، قاطبة، ولهذا تعدد نقل الأحاديث التي وردت عن النبي(ص) في شأن الإمامين الهمامين الحسنين(ع).

ما بعد الصلح:

ويبقى بعدما تحقق الصلح، وفقاً للأطروحة التي عرضها الإمام الحسن(ع)، وقبل بها معاوية، فهل بقي معاوية وفياً بما صالح عليه الحسن(ع)، أم أنه عمد إلى خيانة الصلح كما صدر ذلك من أبيه أبي سفيان وأهل مكة يوم الحديبية؟

تعتبر الفترة الزمنية التي أعقبت الصلح من الفترات المهمة التي تحتاج تركيزاً وإعطاء أهمية، خصوصاً وأننا نجد أن فيها رؤيتين متباينتين:

الأولى: الرؤية التي تقول، أن معاوية وبمجرد أن استتب له الأمر، وصالحه الإمام الحسن(ع)، دخل الكوفة وأخذ البيعة من الناس، ثم خطبهم بحضور الإمامين الحسنين(ع)، ووجوه أصحاب الإمام علي(ع)، وأعلن نقضه لكل شرط اشترطه للحسن(ع)، وقال كلمته المشهور: أن كل شرط اشترطه للحسن بن علي، فهو تحت قدم هذه. ثم تناول علياً(ع) بالطعن وأمر ولاته بذلك، وبعد ذلك تتابعت سياسة ترويع الشيعة وتهجيرهم وسجنهم.

وقد استند أصحاب هذه الرؤية لروايات أبي الفرج الأصفهاني، التي وقع في أسناد أغلبها من لا يعول عليه، ومع رفع اليد عن ذلك، فإن البحث في تحديد زمان هذا النقض، إذ أنها لا تشير إلى أنه كان بعد الصلح مباشرة، أم أن ذلك كان بعد شهادة الإمام الحسن(ع)، ومضي عشر سنوات على الصلح، فلاحظ.

كما تمسك أصحاب هذه الرؤية، بمجموعة من الحوادث التاريخية، مثل تهجير خمس وعشرين ألف من الكوفة، ومثلهم من البصرة، وقتل حجر بن عدي وأصحابه، وإعادة لعن أمير المؤمنين(ع).

الثانية: التـزام معاوية بالشروط التي قطعها على نفسه طيلة حياة الإمام الحسن(ع)، وقد بلغت عشر سنين، نعم قد كان راغباً في التخلص من ذلك، ولهذا حاول غير مرة أن يغتال الإمام الحسن(ع) من خلال سمه مكرراً حتى تسنى له ذلك.

ويشهد لهذه الرؤية مجموعة من الشواهد التاريخية، منها ما تضمنته المصادر التاريخية من استضافة معاوية للعديد من الشخصيات التي كانت حول أمير المؤمنين(ع)، وكانت معروفة بعدائها لمعاوية، ولها مواقف بارزة ضده يوم صفين، ومن الطبيعي أن هذا لا ينسجم مع وجود حالة الإعلام السلبي والمشوه التي كان يقوم بها معاوية قبل الصلح.

كما أن المؤرخين، نقل موقفاً لمعاوية مع ابنة عثمان عندما دخل دارها، فصاحت في وجهه تذكره الشعار الذي كان يحمله من أخذ ثار أبيها من قتلته، وكان جواب معاوية على خلاف ذلك[12].

وأما ما ذكر من التغيرات التي وقعت في المجتمع الإسلامي مما ذكر شاهداً على الرؤية الأولى، فإن التاريخ ينقل أنه لم يقع إلا بعد مضي عشر سنين من وقوع الصلح، وهذا يعني أن ذلك كان بعد شهادة الإمام الحسن(ع)، ما يفيد أن معاوية قد ألتـزم بالشروط التي تضمنها الصلح مدة عشر سنين، فلاحظ.

ويشهد لما ذكرنا، أن ما وقع في العراقيـين، أعني البصرة والكوفة كان في عهد زياد بن أبيه، والمنقول تاريخيا أن زياداً لم يلهما إلا في سنة إحدى وخمسين، وهذا بعد شهادة الإمام الحسن(ع)، كما أن شهادة حجر وأصحابه، كانت بعد شهادة أبي محمد الزكي(ع)، كما نص على ذلك المترجمون لحجر(رض). وكذلك إعادة لعن أمير المؤمنين(ع) على المنابر.

وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن الإمام الحسن(ع) قد حقق نصراً مؤزراً وفتحاً مبيناً من خلال قيامه بالصلح، وأنه قد جنى من ذلك ثمرات كثيرة، وليس الأمر منحصراً فقط في حفظ الشيعة، وحماية أصحابه، كما يصور ذلك[13].

ــــــــــــــــــــــ

[1] بحار الأنوار ج 44 باب العلة التيم ن أجلها صالح الحسن(ع) معاوية ص 19 ح 3.

[2] بحار الأنوار ج 44 باب العلة التي من أجلها صالح الحسن(ع) معاوية ح 9 ص 25.ولا يذهب عليك أن ما جاء في النص من استشهاد قرآني، جمع بين عدة آيات بتطبيقها على الخارج، وجعل مصداقها من ذكر، فلاحظ.

[3] بحار الأنوار ج 44 باب العلة التي من أجلها صالح الحسن(ع) معاوية ح 2 ص 1.

[4] سيد المرسلين ج 2 ص 324-326(بتصرف).

[5] سيد المرسلين ج 2 ص 326-337(بتصرف)

[6] الإمام الحسن(ع) في مواجهة الانشقاق الأموي ص 281-288(بتصرف)

[7] تجد هذه الرؤية في كتاب صلح الإمام الحسن(ع) للشيخ راضي آل ياسين. وحكاها الأستاذ السيد الحائري (حفظه الله) عن أستاذه الشهيد الصدر(قده)، وتستفاد من كلمات الأستاذ الشيخ الوحيد(دام ظله) أيضاً.

[8] الإمام الحسن(ع) في مواجهة الانشقاق الأموي ص 96-97.

[9] المصدر السابق.

[10] بلاغات النساء ص 88.

[11] يمكن للقارئ العزيز أن يجد نماذج أخرى من أخبار أصحاب أمير المؤمنين(ع) في الشام وفي مجلس معاوية، فقد جمع أغلبها في كتاب الإمام الحسن(ع) في مواجهة الانشقاق الأموي ص 124-162.

[12] نقل الحوار بينهما ابن عبد ربه في العقد الفريد ج 4 ص 158، ابن كثير في البداية والنهاية ج 8 ص 120.

[13] الإمام الحسن(ع) في مواجهة الانشقاق الأموي(بتصرف).

تعليق