2017.12.14

الحسين ( ع ) السبط الوارث / السيد حسن النمر

- Sayyed-alakwan | 2014.11.13

dfawef

عاشوراء وجميع ما يرتبط بالإمام الحسين ( عليه السلام ) شأنٌ يمكن النظر إليه من زوايا متعددةٍ ، ولكل زاوية قواعدها وآلياتها ومناهجها وثمراتها .

وهذا لا يعني أن هذه الزوايا ؛ في الوقت الذي تأخذ طابع التعدد والتنوع ، هي تلتقي كثيراً أو قليلاً ، وأحياناً إلى حد التطابق التام ؛ في القواعد والآليات والمناهج والثمرات .

ومن ثم ، فإننا إذا نظرنا إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ونهضته من زاوية دينيةٍ صرفةٍ ؛ وهي زاوية مهمةٌ جداًّ ، بل هي – عندنا – الأهم على الإطلاق ، لا يعني ذلك إهمال النظر إليه من زاوية دنيوية ؛ بمعنى : المعالجة الفكرية لهذه النهضة المباركة باعتبار انعكاساتها على معيشة الإنسان الدنيوية ؛ في أبعادها المختلفة ؛ الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية .

فلا شك بأن النهضة الحسينية كان لها تأثيرٌ ؛ مباشرٌ وغيرِ مباشرٍ ، على الواقع الإنساني عموماً ، والإسلامي منه خصوصاً . وقد تناول بعض تلك الآثار فريقٌ ممن تناول النهضة بالبحث والتحليل . وكنموذج على ذلك ما خطته يراع المفكر الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، وكذلك الكاتب المتألق الشيخ عبد الله العلايلي .

وعلى عجالةٍ ، فإن من أهم تلك الآثار هو عرقلة مشروع التقويض المكشوف للإسلام من الداخل ، فقد اضطر قادةُ هذا المشروع أن يتراجعوا عن كثيرٍ مما كانوا على وشك القيام به لولا هذه النهضة المباركة ، فقد بلغ الانحراف مستوى كبيراً .

فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه [ ج 7 / ص 481 – 482 ] بسنده عن حذيفة ، قال : المنافقون الذين فيكم اليوم شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ) . قال : قلت : يا أبا عبد الله , وكيف ذاك ؟ قال : إن أولئك كانوا يسِرُّون نفاقهم , وإن هؤلاء أعلنوه ) .

ولك أن تتصور ماذا بلغه انحراف هؤلاء حتى قال فيهم حذيفةُ ما قال .

ولو أضفتُ نصاًّ آخر ؛ رواه في المصنف أيضاً [ ج 7 / ص 482 ] ، عن حذيفة أنه قال : ما أبالي بعد سبعين سنة لو دهدهت حجراً من فوق مسجدكم هذا فقتلت منكم عشرةً ) . فيا تُرى ما هذا الوضع البائس الذي حدا بصحابيٍّ جليلٍ مثل حذيفةَ أن يصدر منه هذا الموقف الذي يكشف عن انتكاسةٍ عن ما كان عليه المسلمون زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وقد كان دأب حذيفة أن ينبه مَن يختلف إليه ويتواصل معه إلى هذه الانتكاسة ، والتي دفعت بالإمام الحسين ( عليه السلام ) أن ينهض ويخرج ثائراً طالباً للإصلاح في أمة جده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن تنبيهاته ما رواه في المصنف أيضاً [ ج 7 / ص 482 ] عن أحدهم ، أنه قال : كنا مع حذيفة فأخذ حصى فوضع بعضه فوق بعض , ثم قال لنا : انظروا ما ترون من الضوء ؟! قلنا : نرى شيئاً خفياًّ . [ قال : واللهِ ! ليركبنَّ الباطلُ على الحقِّ حتى لا ترون من الحق إلا ما ترون من هذا ) .

وقد تسأل ، وتقول : أليس في القول باختلاط الحق بالباطل ؛ على هذا النحو ، مبالغةٌ ؟

وأجيبك بالقول : كلا . وإن شئت اختبار ذلك فاعطف نظرك إلى ما حولك في زماننا وسترى من لا يستطيع التفرقة بين الناقة والجمل ، ومن يخلط بين الحرام البيِّن والحلال البيِّن . ولولا ذلك لاحتفلت المسلمون جميعاً ، بل الإنسانية جمعاء ؛ وليس الشيعة فقط ، بالحسين شهيداً مصلحاً ؛ لأنه ( صلوات الله عليه ) بنهضته تلك هو من حافظ على البقية الباقية من إرث الأنبياء ( عليهم السلام ) . ولذلك ، صح وصفه بأنه وارثهم ، وهو ما جاءت الزيارة به .

وفي هذا السياق ، يمكن أن نقرأ ما أخرجه ابن حبان في صحيحه ؛ في باب ( ذكر إثبات محبة الله جل وعلا لمحبي الحسين بن علي ) ، بإسناده عن يعلى العامري ، أنه خرج مع رسول الله ( صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ) إلى طعامٍ دُعُوا له ، فإذا حسينٌ مع الصبيان يلعب ، فاستقبل أمام القوم ثم بسط يده ، فجعل الصبيُّ يفر ها هنا مرة ، وها هنا مرة ، وجعل رسول الله ( صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ) يضاحكه ، حتى أخذه رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ) ، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه ، ثم قنَّع رأسه ، فوضع فاه على فيه فقبَّله ، وقال : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسينٌ سبطٌ من الأسباط ) .

وهذا التعبير – بفقراته الثلاث – يكشف عن أمور ثلاثة :

الأمر الأول – مكانة الإمام الحسين ( عليه السلام ) عند الله تعالى ؛ بقوله ( أحب الله من أحب حسيناً ) ، فإذا كان محبُّ الحسينِ محبوباً عند الله فلك أن تتصور مقدار محبة الله سبحانه للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وبطبيعة الحال ما تحلى به (ع) من صفات جعلته محبوباً بالمقدار الذي يحب اللهُ مَن يحبه .

الأمر الثاني – مكانة الإمام الحسين ( عليه السلام ) عند رسول الله ( صلى الله عليه آله وسلم ) . وذلك بقوله ( ص ) : حسين مني ، وأنا من حسين ) . وهذا يعني – في ما يعني – الترابط العضوي بينهما ؛ بحيث لا ينفك ذكر رسول الله ( صلى الله عليه آله وسلم ) عن ذكر الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

ومن أراد فعلَ ذلك فسيحصل على نتائج لا تمثل الإسلام الأصيل تمثيلاً صحيحاً ، مهما بالغ في وصف حاله بالنقاء والصفاء .

الأمر الثالث – مكانة الإمام الحسين ( عليه السلام ) في الأمة ، ولها . وذلك بقوله : حسينٌ سبطٌ من الأسباط ) ومصطلح ( السبط ) لم يحظَ بما يجب أن يحظى به من التفكيك والتحليل ؛ حتى حمله كثيرون على أنه مجرد ابن البنت ! وهذا من الأوهام .

فمفردة ( سبط ) من المفردات القرآنية العميقة ؛ التي يمكن تلخيصها في : الخير التام والعميم . قال الأزهري في تهذيب اللغة [ ج 12 / ص 240 ] في تفسير السبط : … يقال : الشجرة لها قبائل ، وكذلك الأسباط من السبط ، كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة ، وجعل إسماعيل بمنزلة شجرة أخرى . وكذلك يفعل النسابون في النسب ، يجعلون الولد بمنزلة الشجرة ، والأولاد بمنزلة أغصانها . فيقال : طوبى لفرع فلان ، وفلان من شجرة مباركة . فهذا – والله أعلم – معنى الأسباط ، والسبط ) .

وهذا التحليل للسبط يؤكد أن الحسين ( ع ) فرعٌ رباني من الشجرة الطيبة للأنبياء ( عليهم السلام ) ؛ فهو – إذن – ( وارث الأنبياء ) يحمل مشروع ، وهو بابُ خيرٍ للأمة إن هي أحيت ذكراه ، وحييت به .

تعليق