2018.08.19

الإمام الحسين والتصحيح العقدي / الشيخ حسين العايش

- Sayyed-alakwan | 2014.11.01

1414757780

ضمن السلسلة الأسبوعية لتغطية خطب الجمعة في الأحساء توقفت رحلتنا عند مسجد الإمام علي في حي الخرس بالمبرز مع سماحة العلامة الشيخ حسين العايش ظهرا يوم الجمعة 6-1-1436هـ .ودار موضوع الخطبة حول الإمام الحسين والتصحيح العقدي وبدأ حديثه بالآية المباركة..

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(السجدة:2).

وقال الإمام الحسين (ع): أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة، ثم خرج عليه السلام). (بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 44 – ص 325).

للإمامة في الإسلام أهمية فائقة فهي المحور الأساس الذي تدور عليه رحى الأحكام بل مفاهيم وعقائد الإسلام، لذا أكد الذكر الحكيم بأنها غير خاضعة للجعل وغير قابلة للوضع من لدن أفراد الأمة بل هي منصب إلهي كالنبوة تماماً، وقد وردت آيات في الذكر الحكيم تفصح عن عمق معناها وعن أهميتها الكبيرة تناولها علماء الكلام والمفسرون بالإيضاح والشرح، غير أنّ الأئمة من أهل البيت (ع) ما فتئوا يربطون جميع الأحكام والعقائد بها، ولعل من أوضح مصاديق الربط بين الإمامة والتوحيد ما قاله الإمام الرضا (ع) عندما تحدث بحديث سلسلة الذهب ثم بيّن أنّ الحصانة الحاصلة من الإيمان بالتوحيد شرطها الإيمان بالإمامة، فقال (ع) بسنده عن آبائه وأجداده عن الله تعالى: (لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي) قال فلما مرت الراحلة نادانا: (بشروطها وأنا من شروطها)(عيون أخبار الرضا (ع) الشيخ الصدوق ج1 ص145)، وما قاله الإمام الباقر (ع): (بني الاسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية)(الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص18).

وهذه الأحاديث والروايات ما جاءت إلاّ لتبين الارتباط الوثيق بين الإمامة والفرائض الإسلامية من جهة وبين الإمامة والعقائد من جهة أخرى، وأنّ التكامل للأمة كأفراد ولها كمجتمع لن يتحقق إلاّ من خلال الفهم السليم لمعنى الإمامة، وكلام إمامنا الحسين (ع) جاء لتبيان أنّ الإمامة هي الحصانة للأمة عن الانحراف، ونشير هنا إلى بعض المعاني التي أكدها الإمام (ع)، قوله (ع): (إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة) يربط فيه بين النبوة والإمامة مبيناً بأنّ مصطلح أهل البيت القرآني لا ينبغي أن يغيب عن الناس في مسألة إدارة شؤونهم لأنّ كل مفردة من مفردات الحياة لها حكم يختص بها يعرف من خلال المصدر السليم لأحكام الله كما أنّ كل مفهوم عقدي ينطوي عليه الضمير ويذعن به العقل ويصدقه القلب لابد أن يرتبط بالإمامة.

قوله (ع) : (وبنا فتح الله، وبنا ختم الله)، لعله إشارة إلى ارتباط التشريع بالتكوين، أي أن الله تبارك وتعالى فتح الخيرات بمحمد وآله كما دلت على ذلك نصوص، منها: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)، وكذلك يختم الله الخير بالمهدي (ع)، فتصل البشرية إلى كمالها وسعادتها وسؤددها، وأن ما يخالف ذلك مرده إلى التضاد بين التشريع والتكوين المؤدي إلى الفساد، من هنا جاء بقية كلامه (ع) ليكون كنتيجة لذلك، في قوله (ع): (ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق)، أي لا ينبغي أن يتولى أمور المسلمين من يضاد أحكام الإسلام وينشر الفساد في الأرض بقتل النفس المحرمة، وإفشاء المنكر بإعلانه الفسق.

قوله (ع): (ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة، ثم خرج عليه السلام)، يتعلق هذا المقطع بالواقع المعاش زمان الإمام (ع)، إذ توافر للإمام البيعة الشرعية حسب ما تؤمن به مدرسة الصحابة، بعد إبرام الصلح مع الإمام الحسن (ع)، إذ كان أحد بنود الصلح التنصيص على أن الخلافة إن حدث لمعاوية حدث فهي للإمام الحسن من بعده، وإن حدث بالحسن حدث فهي للإمام الحسين (ع) من بعده، من هنا كان الإمام الحسين (ع) خليفة من الناحية الشرعية لكونه إماماً إن قام وإن قعد حسب ما جاء في النص النبوي، وهو خليفة بعد موت معاوية طبقاً لبنود الصلح، لذا قال (ع): (ومثلي لا يبايع مثله) لأمرين: الأول، لكون يزيد يظهر الكفر البواح، والثاني، أن الإمام (ع) هو الخليفة الشرعي وفقاً لرأي المدرستين، غير أن الإمام (ع) وبالرغم من وضوح الأمر إلا أنه يدعو إلى الحوار وحسم أمر الخلافة طبقاً لما تقتضيه مصلحة الأمة، وقد كان ذلك قبل مجيء الكتب إليه، وقبل وضوح رفضه البيعة ليزيد، لكنه (ع) تمم ما تقدم بخطبته في مكة والتي أعلن فيها بوضوح وقال (ع): (الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده، من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا إني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى)( أعيان الشيعة – السيد محسن الأمين ج1 ص593).

إن الإمام (ع) في هذا النص يبلور المعنى الحقيقي للإمامة من خلال مفهوم (رضا الله رضانا أهل البيت)، ويترتب  عليه أن سخط الله تعالى سخطه، وقد جاء هذا المعنى في الروايات بتعبيرات مختلفة، منها ما جاء في حق الصديقة (ع): (يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها)، ومنها ما جاء في حق علي (ع): (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار)، وجميع الروايات تنبئ عن مطلب واحد هو أن من أراد أن يصل إلى الله بعباداته ومعاملاته وأن يصحح جميع ما يعتقد به فلن يتمكن من ذلك إلا من خلال رضا الله رضانا أهل البيت، ثم يشير الإمام (ع) إلى مسألة الابتلاء، وهي قانون عام أوضحه القرآن الكريم يرتبط بمسار الإنسان كفرد وبمساره كأمة، إذا أراد أن يكون مؤمناً، قال تعالى: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3))(العنكبوت:1-3)

فيقول (ع): (نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين)، ويرتب على ذلك ما يصل إليه المكلف إذا سار على هدي ذلك، من خلال فهم العمق لقوله (ع): (لن تشذ عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده، من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا إني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى).

تعليق