2018.12.15

إبراز صور الجمال والكمال وإغفال جوانب النقص / السيد محمد رضا السلمان

- Sayyed-alakwan | 2014.10.07

1408626686

بسم الله الرحمن الرحيم

يا من اظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر[1]

صور من الجمال الالهي

عندما اوجد الله سبحانه وتعالى هذا الكون أودعه من صور الجمال الشيء الكثير واعتبر ذلك الإيداع من الامانة والنعمة في وقت واحد، ائتمن الانسان على هذه الامانة وهي جمالية الكون، الانسان سار على هذه الارض، تقلب في جنباتها، استنطق مظاهر الجمال فيها، ثم بدت العادية منه على مكامن الجمال في هذا الكوكب حتى ظهر الفساد في البر والبحر وتطور الانسان وتطورت القدرات معه حتى بات الفساد يعم الفضاء ايضا، صور الجمال صورٌ متنوعة، لا تكاد تنظر الى زاوية من زوايا الجمال الا واستدعت الكثير من الصور، تعدد الألوان، تمازج الألوان، تكاثر الالوان، و… هي المادة الاولية التي منها تنبثق صور الجمال، قسم من صور الجمال لا يحتاج من الانسان ان يبذل جهدا ليراها، وانما بما اودعت السماء الطبيعة من عناصر التشكل بين عناصرها اللوحة ترتسم بين ناظري ذلك الانسان، لانها سخرت من اجله، الورود، الازهار، الاشجار، الانهار بل وحتى الاحجار فيها من الجمالية الشيء الكثير، لذلك صنفت الاحجار الى احجار كريمة، واحجار طبيعية، بل وحتى احجار خبيثة والعياذ بالله، لذلك يقال: «تباركوا بالنواصي والبقع»، الاحجار تتمايز فيما بينها، اما صفة الجمالية فهي موجودة، حتى الحجر الكريم العقيق في جودته، الياقوت في جودته، الفيروزج في جودته يتمايز اصلا بما هو هو يتماير، اما عندما تقع عينك على الحجر انت امام صورة من صور الجمال في هذا الكون ،الانسان ايضا في حد ذاته جميل اذا عرف الانسان نفسه وقيمته فهو جميل في قالبه، جميل في مظهره جميل، وفي باطنه ايضا هو جميل.

إبراز صور الجمال والكمال وإهمال جوانب النقص

ينقل ان احد الحكماء قال لاحد الغلمان الذين يعملون تحت سلطته، اذهب واذبح شاتا واتني باجمل ما فيها واخبث ما فيها، فعمد الى شاة وذبحها ثم انتزع منها اللسان والقلب واحظرهما بين يدي الحكيم، فقال له الحكيم هذان الاجملان، ام الاخبثان؟ قال هما الاجملان والاخبثان في آن واحد؛ فان صلحا فهم الاجملان وان خبثا فهم الاخبثان، اذن هذه الصورة موجودة، اصلا احد عمالقة الفن عندما قيل له لماذا لا نرى في غرفة الاستقبال الخاصة بك ما يدلل على امارة الفنان؟ لان الفنان التشكيلي بطبعه ميال لجمع الصور هنا وهناك سواءا كانت طبيعة كالورود الطبيعية او رسومات للورود او نحو ذلك، بالنتيجة الطبيعة تجره، فنّه يسوقه للطبيعة، قال لهم: اني وجدت ان اجمل ما في هذا الكون هو رأس الانسان فهل يحسن بان اضع رأسا على مزهرية! اذن الجمالية موجودة، الله سبحانه وتعالى اظهر صور الجمال وفجرها امام الانسان كي يستفيد منها، و هذا درس ودرس كبير، ان نعرف بان الله سبحانه وتعالى قد غطى صور القبح وابرز صور الجمال، نحن الصور التي نواجهها في الحيات تأخذ اشكالا وانماطا وتقلبات فمثلا في بيتك توجد مجموعة من الصور تبرز جمالا وربما تبرز العكس لكن هل من حقك ان تخرج وتظهر للشارع صورة القبح والخطأ والاخفاق! ام انت مسؤول ان تبرز الوجه الجميل، كتفوق الابناء، رشد المرأة، استقرار الاسرة هذه مسؤولية اما بعض الاخفاقات والاخطاء فالمفروض ان لا يبرز منه شيئا وانما يعمل على اصلاحه، ان تحول القبيح الى جميل، وان تحول السيئ الى حسن والناقص الى كامل هذا تكليفك اصلا، اذا وقعت عينك على معيبا عليك ان لا تبرز ذلك المعيب وانما تغطيه وتبرز الجانب الكامل الذي لا عيب فيه: يا من اظهر الجميل وستر القبيح هذه صفة ربوبية يفترض ان نتحلى بها، وقع الخطأ من اخي، هذا قبيح ينبغي ان استر ذلك الشيء واعمل على اصلاحه، صدر منه الحسن كمساعدته لضعيف، او وقف الى جانب اخيه او اهدى ضال، عليّ ان ابرز هذه الحسنة، دعم جمعية، ساعد في زواج جماعي، عليّ ان ابرز هذا الجانب هذه طلبة للسماء فهل نحققها نحن على الارض، هذا شيء مهم جداً، متى يصل الانسان الى هذه الحالة؟ يصل الى هذه الحالة اذا شعر بالكمال في داخل نفسه، اما اذا كان الانسان يعيش في داخلها الضعة والنقص والحقارة والعياذ بالله فلن يخطو خطوة واحدة في سبيل ان يقلب المعادلة من قبح الى جمال.

قصة قصيرة هادفة

قضية تذكر وفيها درس وعبرة لمن ينشد الجمال ويعيش صوره؛ لا يوجد منا احد لا يخطئ لكن من المعيب ان نتمسك بالاخطاء في الوقت الذي يوجد الى جانب الخطأ الشيء الصحيح، ايهما افضل في ميزان المفاضلة ان نأخذ بصورة الخطأ ام بصورة الصحيح؟ اسأل من أي عاقل ما عسى ان يجيب ذلك العاقل الا بالاخذ بصورة الصحيح، احد السلاطين في الازمنة الغابرة تولى امور الامة اصبح سلطانا على البشر تجبى له الخيرات وكان في قصر عامر، الانهار تشقه طولا وعرضا والازهار والورود مترامية في جميع جنباته وله الشرفة منها يقرأ المشهد الا ان الله سبحانه وتعالى ابتلاه في تكوينه الجسدي وفي شكله الظاهري، حال انه يحمل الحكمة والادب والذوق والمعرفة، واما الابتلاء والاعاقة الذي كان يعاني منها فهو كان اعور يعني فاقد لاحدى عينيه، واعرج (فاقد لاحدى رجليه) وكان هذا المشهد يؤلمه يؤرقه على انه لم يحدث في نفسه نقصا، وانما كان يتسامى ويرتفع يغطي النقص بكمال روحي لذلك كان محبوبا، قرب العلماء والحكماء والادباء والفنانين من حوله وصار يغدق عليهم ولا يتكلم الا بمنطق الحكمة والادب والفكر والفن. في يوم من الايام خطرت له سانحة وهو يسرح خياله في الطبيعة من حوله، والطبيعة تفجر الملكات في داخل الانسان لذلك انظر الى السفر واثره على الانسان، في يوم من الايام سنحت له هذه الخاطرة ان يرسم لنفسه تمثالا او صورة على ان لا يبدوا العيب المنغص فيها، فجمع الفنانين التشكيلين باصطلاح اليوم قال لهم انا اريد صورة على ان تكون غير حاكية لمظاهر النقص في جسدي، اريد وجه خالي من هذا العيب ما اريد ان يبرز هذا العور في وجهي وما اريد ايضا قدمي المقطوعة ان تظهر، فجمع كبير الفنانين من حوله اجمعت كلمتهم على انه قد نتمكن بان نغطي القدم، لكن لا نتمكن ان نغطي الوجه وهذا غير ممكن ولابد وان يكون الوجه باديا، قام الفنان الصغير النكرة بين المجموع الذي لا يضرب له حساب، وفي هذا درس وهو انه لا تستصغرن احدا، لا تحتقرن احدا ربما كانت فيه من المواهب ما لا تحمله انت اللهم لم تفجر لم تترك لها المساحة الكافية كي تبرز وتأخذ موقعها الطبيعي، وقف الفنان الصغير بين يدي الملك قال انا اتكفل بهذا الامر على ان تمهلني سواد هذه الليل حتى افكر، فامرهم بالانصراف قضى الشاب ليلته وهو يجمع ويعتصر جميع صور الجمالية من حوله في الكون ليخلص الى نتيجة يبلورها على اللوح مستفيدا من الالوان والفرشات اصبح الصباح مد البساط بين يدي السلطان اجتمع الفنانون التشكيليون بين يديه ينتظرون المعجزة المعجزة الفنية فجاء ذلك الفنان الصغير النكرة الذي لا يحمل اسما وتوقيعا استمهل السلطان دقائق صار ينظر الى وجه السلطان ويحرك فرشاته والصور الخيالية التي كانت تحضره طوال الليل تتابع الواحدة تلوى الأخرى رفع يده عن صورة في منتهى الروعة والجمال وتخفي جميع العيوب ثم تقدم بين يدي الملك وقدم له تحية الملك والسلطنة ثم قدم اللوح بين يديه اخذ الملك او السلطان ينظر اليها، الفنانون في حالة ذهول السلطان ابتسامته تتسع شيئا فشيئا سأل من الغلام: انى لك هذا؟ كيف خلصت الى هذه النتيجة؟ قال له: منك واليك استفدتها واستوحيتها منك واليك طبعا هذه العبارة كانت اجمل من اللوحة وكانت معبرة ومؤثرة جداً، فاستحسنها الملك اكثر استحساناً من اللوحة، فلذلك ازدادت الابتسامة على وجهه، ثم أدارها السلطان لمحفل الفنانين فصاروا يحدقون فيها ويمعنون النظر ما هو واقع هذه الصورة الذي تحكيه؟ تحكي السلطان وقد خرج للصيد ممسكا ببندقية في يديه ثنا رجله فأخفى العيب ليسند البندقية وأغمض عينه ليدقق النظر وابقى الأخرى مفتوحة. وهكذا اخفى الفنان الشاب العيوب بأجمل الأمور. عيّنه السلطان رئيس الفنانين وهو الأصغر.

أيها الأحبة كم نحن في مسيس الحاجة ان نحمل مثل هذه الصور الجمالية في الكون لابناءنا، لأهلنا، لأصحابنا، لماذا لا نسافر بالجمال في كل مكان؟ لماذا نصر على ان الجمال يفترض ان يحنط كما تحنط المومياء عند الفراعنة ولا نقبل الا كشف الجيف ونقل العبائر السوقية! أدب أهل البيت أسمى وارفع وأكمل واشمل وأجمل، لان منطلقه في السماء. وفقنا الله وإياكم لكل خير وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، والحمد لله رب العالمين.
[1] . راجع: بحار الانوار، ج 84، ص 81.

تعليق