2018.07.22

ظاهرة التكفير وعلاجها / الشيخ حسين الراضي

- Sayyed-alakwan | 2014.09.09

q9e8m9jm

ظاهرة التكفير:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (86)﴾ سورة البقرة.

أخذ الله العهود والمواثيق في الأمم السالفة وفي هذه الأمة على عدم سفك الدماء فيما بينهم، فإن المحافظة على بقاء النوع الإنساني من الأهداف الإلهية لهذه الخليقة، بل وعدم جواز إخراج الناس من ديارهم وقد وافقوا وأقروا على ذلك.

ولكنهم عصوا المولى سبحانه وباشروا بقتل بعضهم بعضاً، وعبر عن الأمة ككل بالأنفس فالأمة نفس واحدة والبشر نوع واحد فالاعتداء على واحد هو اعتداء على الأمة ككل كما هو اعتداء على أنفسهم.

وفي هذه الآيات يتعرض القرآن الكريم إلى نقض بني إسرائيل للميثاق المأخوذ عليهم، بعدم قتل بعضهم بعضاً وعدم تشريد بعضهم الآخر بينما هم على العكس: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ﴾. ويشير القرآن إلى تعاون بعضهم ضد البعض الآخر: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾.

ثم يشير إلى تناقض هؤلاء في مواقفهم، إذ يحاربون بعضهم بعضاً ويخرجونهم من ديارهم، ثم يفدونهم إن وقعوا في الأسر: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾.

فهم يفادونهم استنادا على بعض النصوص لديهم، بينما يشردونهم ويقتلونهم خلافا لما أخذ اللّه عليهم من ميثاق: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟!

إن هذا التناقض بين قتلهم وإخراجهم من جانب وبين يفادونهم في حالة الأسر إن هذا أمر عجيب، ومن الطبيعي أن يكون هذا الانحراف سببا لانحطاط الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ﴾.

وانحرافات أيّة أمة من الأمم لا بدّ أن تعطي مردودات عكسية وأن تعود عليها بالنتائج الوخيمة، ذلك لأن اللّه سبحانه وتعالى أحصاها عليهم بدقّة: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

الآية الأخيرة تشير إلى تخبط بني إسرائيل وتناقضهم في مواقفهم، والمصير الطبيعي الذي ينتظرهم نتيجة لذلك: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.

ومصير هذه الأمّة -بالتعبير القرآني- الخزي في الدنيا وأشدّ العذاب في الآخرة … ولا خزي أكبر من سقوط هذه الأمّة السائرة على خط الازدواجية بيد الغزاة الأجانب، وهبوطها في مستنقع الذلة على الساحة العالمية.

هذه السنّة الكونية لا تقتصر على بني إسرائيل، بل هي سارية في كل زمان ومكان، وتشملنا نحن المسلمين أيضا. وما أكثر الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض في مجتمعاتنا اليوم! وما أشقى هؤلاء في الدنيا والآخرة!

الخوارج وظاهرة التكفير:

إن هذه الآيات والسنة الكونية تنطبق اليوم على فرقة الخوارج بما قامت به من صدر الإسلام إلى يومنا هذا فلقد وردت الروايات الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن مواصفات الخوارج من مختلف الطوائف الإسلامية.

الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وحاربوه في النهروان واستباحوا دماء المسلمين وحكموا بكفر من خالفهم في عقائدهم بل حكموا بكفر كل من نقموا عليه ولم يرتضوا فعله بما فيهم كبار الصحابة والتابعين، الخوارج الفئة التي انشقت من جيش الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أثناء حربه مع معاوية وهي الفرقة التي كفرت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمّا اختلفت معه في قضية التحكيم في صفين فبعد أن أجبرته على التحكيم وبعد أن وقع رفضته وحملته المسؤولية وكفرته هو أولاده ولعلها أول فرقة قالت بالتكفير وفي ما يلي نقرأ النص التالي لأحد قدماء العلماء من علماء الشافعية وهو عبد القاهر بن طاهر التميمي الشافعي المتوفى 420 أو 429 هـ حيث يقول: (الخوارج قالوا بتكفير علي وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وأصحاب الجمل وبتكفير معاوية والحكمين وتكفير أصحاب الذنوب من هذه الأمة وما زادوا على ذلك)[1]

ثم يواصل كلامه حول تشعب فرقهم فقال:

(حتى ظهرت الأزارقة منهم، فزعموا أن مخالفيهم مشركون وكذلك أهل الكبائر من مرافقيهم، واستحلوا قتل النساء والأطفال من مخالفيهم، وزعموا أنهم مخلدون في النار، وكفروا القعدة منهم عن الهجرة إليهم.

وزعم النجدات منهم أن مخالفيهم كفرة غير مشركين وعذروا بالجهالة في الفروع وأسقطوا حد الخمر ….. وأباحت الميمونية بنات البنات دون بنات الصلب، وأنكروا سورة يوسف …..) [2]

وما التكفيريون اليوم بمختلف فئاتهم إلا نسخة طبق الأصل عن أولئك.

ابن عربي موطدُ الحكمِ الأموي في نجد:

هذا العنوان لكتاب ألفه الكاتب الأديب والمحقق الكبير: حمد الجاسر. طبع الرياض 1414 هـ

تحدث فيه عن أحد ولاة بني أمية وهو:

إبراهيم بن عربي أحد ولاة بني أمية على نجد من سنة 73 هـ إلى 105 هـ أي قرابة 32 سنة تخللها عزله خلالها فترة زمنية قصيرة [3].

قال حمد الجاسر في المقدمة: وكان ذا صلة بالحجاج بن يوسف المعروف بشدته، وصرامته أثناء ولايته في الحجاز ثم في العراق فتأثر به ابن عربي وسار أثناء ولايته بسيرته.

ويتحدث الجاسر عن ظلم وفتك ابن عربي في ولايته على نجد وتوطيد حكم بني أمية هناك وما قام به من أفعال مشينة من السجون التعسفية مثل سجن (دوّار).

ومنها الحروب التي شنها ووصلت إلى هجر والقطيف وتكفير من خالفه وحاربه.[4]

في هذه المنطقة (نجد) والتي تسمى قديما (اليمامة) قد خرج فيها جماعة من الخوارج التكفيريين في تلك الحقبة منهم:

نجدة بن عامر الحنفي.

قال حمد الجاسر عنه: (إذ يكاد يجمع المؤرخون على أنه خارجي، وأنه ينسب إليه فرقة من الخوارج تدعى (النَّجْدِيَّة) كما تنسب إلى أتباعه فرقة تسمى (العَطَوِيَّة) نسبة إلى عطية بن الأسود اليمامي الحنفي من فرق الضلال) [5]

وقال حول نجدة واختلاف أصحابه عليه: (فبايعوا نجدة وسموه (أمير المؤمنين) ثم إنهم اختلفوا على نجدة فأكفره قوم منهم لأمور نقموها منه) [6]

أما حول ابن عربي موطد الحكم الأموي في نجد فيقول عنه حمد الجاسر بعد ربطه بينه وبين الحجاج بن يوسف: (وها هو ابن عربي، وقد عاش الدولة منذ نشأتها وشارك في رسم سياستها، وعرف الحجاج وأسلوبه في تصريف أمور البلاد التي أسندت له ولايتها، ومع قداستها فقد فعل فيها الأفاعيل، فماذا ينتظر من هذا الرجل الذي قُلِّدَ ولاية اليمامة، ويُعْنَى بها في ذلك العهد كل بلاد نجد؟.

ومكث ابن عربي والياً لليمامة في عهد عبد الملك وعهد ابنه الوليد قرابة ربع قرن من الزمن (من سنة 73 إلى سنة 96 هـ) فوطد دعائم الحكم الأموي وأخذ الناس بالعسف والشدة) [7]

استمرار التكفير على مر التاريخ:

ظهر ابن تيمية في القرن السابع الهجري وأحدث ضجة كبرى بما طرح من أفكار تصطدم مع ما هو متعارف عليه من التوسل وزيارة القبور وغيرهما مما هي موجودة من صدر الإسلام إلى يومنا وانقسم الناس في زمانه إلى قسمين منهم من هو مؤيد لأفكاره وقسم: من المعرضين بل والمكفرين له والمشهرين به حتى مات في السجن. ومن بعده وفي القرن الثاني عشر جاء من بعده محمد بن عبد الوهاب (1111- 1207 هـ) الذي سلك نفس المنهج الذي اتخذه ابن تيمية. وقد تساهلا في رمي مخالفيهم بالكفر والتبديع والتضليل.

الخوارج الجدد:

فرقة الخوارج التاريخية بادت لم يبق منها إلا القليل ممن ينتسب إليها إلا أن عقائدها وأفكارها وثقافتها وإجرامها لا تزال تسيطر على عدد من الفرق الإسلامية وهي تكفير من خالفها في المسائل العقدية أو الفقهية أو التاريخية وقتلهم بكل قسوة فهم خوارج القرن الحالي وإن لم ينتسبوا إليها.

إن (داعش) اليوم هي المصداق الحقيقي للخوارج التاريخيين كما أن مواصفاتهم تنطبق عليها فاستحلالهم لدماء المسلمين من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ فضلا عن بقية الديانات الأخرى التي قتلوها وأخرجوها من ديارها هي نفس أولئك بل إن هؤلاء زادوا في إجرامهم على الماضين بمختلف وسائل القتل والترهيب وزرع الخوف في العالم كله.

التكفير بالجملة:

التكفير لم يكد يختص بفئة دون أخرى بل أصبحت فتاوى التكفير تعمم على أكثرية الأمة فيحكم بكفر الفئة الفلانية وهي تضم مئات الملايين من المصلين الصائمين الخاشعين لله.

المتضررون من التكفير هم الجميع:

لقد أثبت التجارب أن ضرر التكفير لا يختص بفئة من الفئات أو مذهب من المذاهب بل إن جميع الأمة هي المتضررة فلم يعد أي مجتمع بمنأى عنه.

أهل السنة في مقدمة المتضررين:

تصور الكثير من الناس أن ضرر التكفير ينصب على من كُفر وأن أهل السنة مثلا بعيدون عنه أما في الأحداث المعاصرة وبالأخص ما وقع من (داعش) قد ثبت أن أهل السنة في مقدمة المتضررين وقد دفعوا ثمناً باهضاً في القتل والتهجير وهتك الأعراض وغيرها.

كتاب كفى تفريقاً للأمة باسم السلف:

كتاب صدر في رد من كتب ضد الأشاعرة وأخرجهم عن أهل السنة والجماعة وهم أكثرية المسلمين على الإطلاق.

وقد كتب عليه: مناقشة علمية لكتاب الدكتور سفر الحوالي.

(نقد مذهب الأشاعرة في العقيدة)

الخطبة الثانية

علاج التكفير:

الأمر الأول: تحقيق الكرامة للإنسان.

الأصل القرآني في الإنسان الكرامة:

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾. سورة الإسراء

الكرامة للإنسان بما هو إنسان؛ فقد جعل له العقل والتمييز دون بقية المخلوقات وهي على حد قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سورة التين/4، سواء كان مؤمناً أو كافراً مطيعاً كان أو عاصياً وبغض النظر عن هذه العناوين التي يتفاوت الناس فيما بينهم من حيث الإيمان والعلم ومكارم الأخلاق ويشير إلى ذلك كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ‏ لَكَ‏ فِي‏ الدِّينِ‏ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق) ‏[8]

فالنظارة في الخلق ميزة يستحق بها الإنسان الكرامة والعدالة والإنصاف وبسط القانون بالمواساة.

فالإنسانية مورد تكريم واحترام على بقية الموجودات.

الإنسان بما هو إنسان هو خيفة الله في أرضه لأجل إعمارها.

(وأعلم أن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغَيْرة في الله … فالغرض من هذه الحكاية مراعات هذه النشأة الإنسانية وأن إقامتها أولى من هدمها. ألا ترى عدو الدين قد فرض الله في حقهم الجزية والصلح إبقاء عليهم وقال: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ الأنفال/61، ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شُرِّع لو الدم أخذ الفدية أو العفو، فإن أبى حينئذ يقتل؟ …. وما يُذَمُّ الإنسانُ لعينه وإنما يُذم الفعل منه، وفعله ليس عينه، وكلامنا في عينه ….. وإذا علمت أن الله راعى هذه النشأة وإقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذْ لك بذلك السعادة فإنه مادام الإنسان حيا يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له. ومن سعى في منع وصوله لما خلق له) [9]

والآية تشير إلى النعم التي حبى الله الإنسان بها:

1- وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.

2- وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ.

3- وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً.

الأمر الثاني: لا إكراه على العقيدة:

قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (100)﴾ يونس

الآية الأولى تثبت أن الله سبحانه قادر أن يجبر الناس على الإيمان على نحو الإرادة التكوينية ويصبح جميع الناس وفي أي زمان ومكان مؤمنين بالله ويسمعونه ويطيعونه ولا يعصونه ولكن الله لم يفعل ذلك وأعطى الناس الحرية التكوينية فهم قادرون على الفعل وعلى الترك ومن ناحية تشريعية أمرهم بالإيمان ولكن ربما يتصور البعض أن الآية التي بعدها القائلة ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [10] تتنافى معها فبينما الآية الأولى تقرر أنه لا إكراه في الإيمان بينما الثانية توضح أن الإيمان لا بد أن يكون بإذن من الله ولكن عند التعمق في كلا الآيتين يتضح عدم التنافي بينهما وهو أن الآية الأولى تتحدث من أن الله سبحانه أعطى العبد حرية الإرادة والاختيار وأن الناس ليسوا مجبورين على أفعالهم كما أنهم ليسوا متروكين ومفوضين في أفعالهم وفي نفس الوقت أعطاهم العقل المميز لمصلحتهم على مضرتهم، وأمرهم بالإيمان ولكن الإيمان الاختياري الناشئ من إرادتهم واختيارهم وتعقلهم وليس الإيمان الإكراهي والإجباري والدليل على ذلك آخر الآية الثانية ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ فإن الذين يعقلون يختارون الإيمان، أما الذين لا يعقلون أي الذين لا يستعملون عقولهم في النظر في الحجج والآيات أو في دلائلها فلن يختاروا الإيمان والنتيجة يجعل اللهُ الرجسَ عليهم، وقد فسر هنا الرجس: بالعذاب أو الخذلان لأنه سببهما.

الأمر الثالث: الرسول الأعظم يرفض الإكراه على الإسلام:

عندما تصور بعض الصحابة أن كثرتهم من ناحية عددية وقوتهم من جهة معنوية تتطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يجبر غير المسلمين ويكرههم على الإيمان بالله حتى يكثر عددهم وتقوى شوكتهم جاء الجواب من الرسول:

1- أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله اعتبر إكراه الغير على الاعتناق لمفاهيم معينة أو ثقافة خاصة بدعة في الدين لا يجوز ممارستها بدون ترخيص من قبل الله سبحانه.

2- أن هذا تَكَلّف بلا داع له .

3- أن الأسباب التي دعت الصحابة أن يطالبوا بمثل هذا الإجراء ليس لها واقع ولا فائدة في مقابل الخسارة الكبرى التي تترتب على إكراه الآخرين.

فلهذا خاطب المولى سبحانه رسوله النبي الكريم محمداً صلى الله عليه وآله في جوابه لقومه أن الله قادر على إكراه الناس جميعاً على الإيمان ولكنه لم يشأ ولم يفعل فكيف بك وأنت غير قادر وأصحابك يطلبون منك أن تجبر الناس وهذا ما لا يكون أبداً.

كما أن هذه الآية تؤكد أن الدين الإسلامي لم يقم على الإكراه والإجبار بالسيف حتى يخضع غير المسلمين لقوانين الإسلام وأحكامه وعقائده كُرهاً! بل الحروب التي دارت هي دفاع عن الإسلام والمسلمين ومعتقداتهم وعن الأخطار المحدقة بهم وعن الحرية التي يجب أن يتمتع بها الجميع.

وإليك قصة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا المجال:

فعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لَوْ أَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وَقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ‏ يُحْدِثْ‏ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئاً ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ‏﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا مُحَمَّدُ ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْجَاءِ وَالِاضْطِرَارِ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ وَرُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنِّي ثَوَاباً وَلَا مَدْحاً، لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا مُخْتَارِينَ غَيْرَ مُضْطَرِّينَ لِيَسْتَحِقُّوا مِنِّيَ الزُّلْفَى وَالْكَرَامَةَ وَدَوَامَ الْخُلُودِ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏﴾؟.

وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَحْرِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِيمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وَإِلْجَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ عَنْهَا [11]

والخلاصة أن هذه الرواية أشارت إلى عدة نقاط وهي كما يلي:

1- أن الإيمان يجب أن يكون بالاختيار من غير إكراه على المستوى الديني والمذهبي.

2- إن الإكراه في الدين مرفوض رفضاً تاماً لا في الجانب العقائدي ولا في الجوانب الأخرى.

3- وإذا كان الإكراه مرفوضاً على المستوى الديني فمن باب أولى أن يكون مرفوضاً على المستوى المذهبي.

بقية الآيات:

العبرة في النظر في الآيات:

﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)﴾ يونس

الحوار المبني على الحرية الدينية:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)﴾ يونس.

لا إكراه في الدين:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)﴾ يونس.

هذه الآيات وغيرها كفيلة من أن من له أدنى معرفة بالإسلام والإطلاع على الكتاب والسنة بل سائر أحكامه يشعر أن الإسلام بريء من التكفير والتضليل والتشدد والإرهاب الفكري بل أعطى المساحة الكافية لحرية العقيدة والفكر والاختيار بل إن العبادة والعقيد لا تصحان بالإكراه.

——————————————————————————-
[1] أصول الإيمان لعبد القاهر التميمي ص 261 .

[2] أصول الإيمان ص 261- 262 .

[3] ابن عربي هذا غير الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي المتوفى سنة 638 هـ صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرها وإمام أهل التصوف والعرفان . وغير ابن العربي المنحرف عن أهل بيت النبوة صاحب العواصم والقواصم .

[4] ابن عربي ص 189 .

[5] ابن عربي موطد الحكم الأموي في نجد ص 32

[6] نفس المصدر ص 36 .

[7] المصدر السابق ص 146. وانظر : ص 148 و 154 و159

[8] نهج البلاغة (بتحقيق صبحي الصالح) ؛ ص427

[9] فصوص الحكم فص 18 .

[10] سورة يونس آية (100)

[11] التوحيد (للصدوق)، ص: 342 باب 55 باب المشيئة والإرادة، عيون أخبار الرضا عليه السلام ج‏1 ص 135 11 باب ما جاء عن الرضا علي بن موسى ع من الأخبار في التوحيد، الإحتجاج على أهل اللجاج (للطبرسي) ج‏2ص 412 احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا ع في التوحيد والعدل وغيرهما، البرهان في تفسير القرآن ج‏3 ص 65 [سورة يونس (10): الآيات 99 الى 100] ، بحار الأنوار (ط – بيروت) ج‏5 ص49 باب 1 نفي الظلم والجور عنه تعالى وإبطال الجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين وإثبات الاختيار والاستطاعة، بحار الأنوار (ط – بيروت) ج‏10 ص 343 باب 19 مناظرات الرضا علي بن موسى صلوات الله عليه واحتجاجه على أرباب الملل المختلفة والأديان المتشتتة في مجلس المأمون وغيره .

تعليق