2018.06.19

الحسين عليه السلام يرسم الحضارة خطا وخطة / الشيخ عبدالجليل البن سعد

- Sayyed-alakwan | 2014.09.07

1328473091

الولادة الاجتماعية (الحضارية) الجديدة تبدأ بعنصرين هما الأهم من بين عناصر الرقي المدني:-

أ – وسائل فكرية متكاملة تحقق منهجا يمتلك من الخطط ما يتحدى به الخطاب السياسي المشكل، والخطاب الاقتصادي المتخلف، والاجتماعي المتدني، ولم نقل ما يتحدى به قوة المشكلة المادية لان النجاح والفشل في حدود الظروف الخارجية ليس معيارا لكسب الجولة أو خسران الساحة إذ رب مقتول لم يلامس أهدافه شخصيا ولكنه يورث أهدافه لمختلف الأجيال وتتشكل نيابة شعبية في المطالبة بأهدافه فهذا هو النصر الحقيقي النابع من التحدي الخطابي القوي، وبهذا نتنبه إلى التعبير القاصر لدى البعض حينما يعبر عن حركة قيادة إلهية ما بأنها نجحت أو فشلت.. فبحسب ما تقدم عرفنا أن الواقع بحدوده الضيقه ليس هو مجال التحدي لدى القيادة الالهية فحسب ولكن ذلك يأتي تبعا للتحدي الخطابي في الخندق السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي من المعركة الحضارية !

ب – الواقع الموضوعي الذي يصادف حركة متفجرة وتيارا متحركا .

سأعود للتبسيط والتوضيح مع هذين العنصرين إن شاء الله، لكن هنا نظرية بخصوصهما نريد أن نتفق عليها أولا وبدءا..

لا تبنى الحضارة إلا بوجود هاتين المفردتين وحصول التلاقح والتزاوج بينهما:

أي لا حركة ولا نهضة ولا حضارة ولا مجتمع إلا ما ينتج عن التفاعل والتلاقح بين هذين العنصرين وهما: الفكر الناضج، والواقع الناضح !!

أين مكانهما من حركة الحسين عليه السلام؟

سنمتلك الاجابة على هذا السؤال بعد إلقاء المزيد من الأضواء حول العاملين المعرف بهما ..

– الفكر: وهو تسمية لفعاليتين إحداهما أكبر من الأخرى:

1 الفكر المثال: وهذا لا يتجاوز في المعنى الحديث والنظريات في الكتاب أو في المدونة التي تـُنـَـظرُ للحضارة والمدنية الاجتماعية وعليه نشاط غالب الفلاسفة، ولكن هذا اللون قد يفعل وقد لا يفعل في الواقع الاجتماعي!

فالحضارة كحديث قد تربع له افلاطون، واستوى له سقراط، ودرسه في الوقت القريب من وقتنا ” هوبز “، والعديد المديد ولكنهم لم يغيروا الكثير، ومن غير منهم لا يعود نجاحه إلى كونه فكرا فحسب بل لابد أنه قد صادف الواقع الموضوعي في حالة خصوبته فتولد عنهما التغيير!

2 الفكر المتمثل (المتجسد): وهذا فكر حي متحرك بطبيعته لا ينفك عن وجود داعية أو نشاط وتفاعل دعوي واسع قادر على توصيل كهرباء التغيير بالواقع فتتفجر منه الثورة !

بلى لقد كان الحسين الامام، والحسين السبط ، والحسين السيد في الناس، داعية بالفكر النابض و الفاعل الذي تتأجج له العقول و يتعاطف معه واقع الأمة، وهنا علامة القوة التي امتاز بها على من تربع لحديث الحضارة والبناء داخل الأروقة المدرسية فقط ، فإن صاحب الكتاب والنقش على الورق كالنجار الذي يكتب عن طريقة قطع الخشب، ونحته، وتركيبه، بهندسة لا يستطيع أحد تقليدها، فإذا مات مات الفن معه !!

وأما المتمثل والمتجسد الذي يعمل بنشاطه على مرأى ومسمع من الناس فإنه إن حيا أو مات سوف يورث خطابه و طريقته و سيرته لمن يليه كالنجار الذي يقف عليه الصناع و يدققون في لمساته و مهاراته حيث لا يمضي زمن قصير إلا ورأيت العشرات ممن يوفر نفس الطلب !

وإن الشكل الثاني هو الذي يحاكي صورة الحسين عليه السلام في دعوته و نهضته !

فكر الحسين عليه السلام:

إن الفكرة أو الفكر الذي وظف له الحسين طقاته هو الخطاب العالمي والشمولي، فلم يضع مطالبه في حلقات ضيقة كالحلقة القبلية، أو القومية مثلا وإلا لاستجاب له خصومه ولأسكتوه بالرشوة كما فعلوا مع غيره ؟!!

ولكن الحسين النوراني دعا إلى : التوحيد..العدالة..الاستقامة..الموازين الانسانية..وغير هذه المعاني التي هي تطريزات الثوب الاسلامي الواسع .. ولهذا قال: “” إن يزيد رجل يشرب الخمر ويلاعب القردة فاسق معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله “”..

وهذا النهج الحسيني يصلح أن نأخذه تعريضا بالليبرالية بل ويعد تصحيحا مبكرا للفكر البشري الذي سيخطو بخطوات الليبرالية لاحقا، فالمعهود لديهم أن دور الحكم والسلطة في خصوص حفظ مسؤولية الأمن والرفاهية وعدم اشتغال السلطة بالارشاد، و لا بالهداية الفكرية أو الاخلاقية، وحددوا الديمقراطية بهذه الحدود..

بينما اليوم تكشـَـفت الخسارة الجسيمة لبعض منظريهم أمثال ” فوكو ياما ” الذي دعى إلى تجديد الديمقراطية وتحدث عن خطأ إهمال مسؤولية الارشاد والتوجيه الاجتماعي من قبل السلطة مباشرة و تنبأ بما يسميه التعفن الأخلاقي وان هذا سيفقد أوربا وأمريكا قوتها بل يهدد أمنها بالتدريج ؟!!

– الــواقــــع:

وهو هو ما قد عرفناه سابقا، ولكن على سبيل التبسيط نقول أننا نقصد به الواقع الموضوعي الذي بلغ بأهله درجة التهيؤ العام أو القناعة الجمعية بالتغيير، والاعلان الجمعي بالرفض للمشكل سياسيا، أو اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو جميعها.. فالواقع الذي يطلبه القائد المفكر له صورتان:

1 ما يكشف عنه بطريقة المشورة أو (الاستفتاء) حسب التعبير اليوم.

2 ما يبرز معها الناس في حركة مطالبة واسعة .

وإن الحسين عليه السلام قد استخدم الطريقة الأولى وتحرى آراء الناس ولكنه لم يستفت الرأي وهو ينظر إليه كحجة غير قابلة للابعاد والنقد الشرعي أو الاجتماعي، بل استفتى ليستطلع أحوال الناس وليعرف من يتجنب منهم، ومن يقربه إلى نفسه .. فحينما أراد أن يبرم العقد الاجتماعي بين الفكرة و الواقع اختار الواقع في ظرفه الثاني.

ولكن لما الواقع في ظرفه الثاني؟

نقول لأن الأمة أصيبت في نظامها وإدارتها وهي بعد لم تفق من صدمة ولادتها على يد الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ..

ونريد أن نلقي بعبارة في توضيح العقد الاجتماعي الذي يبرم بين الفكر والواقع فنقول: إن العقد الاجتماعي يعني إنشاء المعاهدة من طرفي الفكر المخطِط ، والوفاء من طرف أبناء الواقع، ويبقى السؤال عندما تحصل مخالفة أو خيانة من طرف من الطرفين كيف سيكون الموقف؟

و بما أننا نتحدث عن قيادة إلهية تنصيبية ــ قائمة بالحسين عليه السلام ــ وليست قيادة انتخابية، فإن التعامل مع خيانة الأمة (التي تملك الواقع ويملكها أحيانا) لن يكون إلا في الاطار اللائق بمدرسة القيادة الالهية التي يجب أن تبقى حاضرة على مر الأجيال، فليس عليها أن تستسلم أو تتراجع (وإن كانت تستطيع أن تفعل ذلك رخصة أحيانا)، ولكن يمكنها أن تمضي و تضحي حتى الاستشهاد، او حتى الأذية كما كان مع الرسول صل الله عليه واله في أحد، فإنه انصاع للواقع وسرعان ما تبدل رأي أهله وصناعه، ولكنه رفض أن يخلع لامة ً قد لبسها فمضى بهم ورأوا مغبة تسرعهم وعدم استماع رأيه ؟!!

تعليق