2017.12.17

فن المشاركة في المناقشة / سماحة السيد فاضل علوي آل درويش

- Sayyed-alakwan | 2014.08.19

13920231145253774557603

هل تستحق آلية و طريقة إدارة التداولات الكلامية حول حدث تحليلاً و استقراءاً أن يتم تناولها بالحديث في مقالة أو أكثر من ذلك ؟

ندّعي أنها أرقى من كتابة مقال , بل هي فنّ قلّ من يجيده و إن أُوتي أسباب القوة في المعلومة أو البرهنة على أفكاره و ضرب الأمثلة عليها , إذ المعلومة في الذهن تحتاج إلى وسيلة توصلها للطرف الآخر بكل شفافية و وضوح و بدون أن يعتريها أي لبْس .

وطريقة النقاش بشكل إيجابي و بعيد عن أي استفزاز أو تلظّي خلف أكمات الكلمات العائمة أو المناوراتية هو ما يوصلك بأقصى سرعة و أقصر مسافة للمعلومة لتنطلق إلى عقل الآخر , بغض النظر عن قناعته أو لا , فالمهم أن يكون رأيك قد تم عرضه بكل وضوح و سلاسة و لم يكتنفه أي غموض يمكن أن يكون عائقا أمام وصول الفكرة التي تريدها .

و هل يمكننا أن نمايز بين الأفراد و نسبر غور شخصية الفرد من خلال طريق أدائه في نقاشاته و مدى نيله لإعجاب الآخرين في أسلوب عرضه ؟

نعم , هناك مبتنيان مهمان للشخصية : المحتوى و الأداء , فالمحتوى هو ما يحمله الفرد من معارف متنوعة , تكفل له مشاركة فاعلة في أي من دوائر الحوارات و الندوات , و الجانب الآخر هو طريقة إيصال الفكرة بشكل جيد , و هذا ما نفتقده في كثير من الندوات و الجلسات التي تعقد و يصول خلالها فارس أو أكثر , و بقية الحضور يمارسون دور المتفرج السلبي الصامت أو المتمتم ببضع من الكلمات المحفوظة : أحسنت – لا يوجد ما أضيفه فقد كفى و وفى المحاضر أو المتحدث !!!

و نجاح الفرد في إدارة نقاش يعبر فيه عن فكرته أو يحاور حول نقطة خلافية هو من دلائل القوة في شخصيته , فهناك من تراه في نقاشه كلاعب سيرك تتهاوى يداه و رجلاه يمنة و شمالاً , أي يخوض في موضوع ما دون أن يحدّد اتجاهاً يريد أو يعرف طريق الوصول إليه , بل لا تستطيع أن توجز ما قاله أو تخرج بفكرة محددة من حديثه ؛ لأنه كان مشتّتاً في فكرته , و لذا لم يستطع أن يضعها في قالب الكلمات المناسبة لها , فالوقت المناسب و الكلمات المحكمة و المؤدية للمعنى هي أساس الفكرة المعروضة للنقاش و التي يمكن البناء عليها , و تداولها نفياً أو إثباتاً بنحو كلي أو جزئي .

ويفتقد الكثير منّا هذه الآلية في عرض الأفكار في النقاشات الفردية أو الجماعية , و السبب هو افتقاد هذه الأجواء في عالم الأسرة و المدرسة , فالقاعدة في البيت تقول : نفّذ و لا تناقش ؛ لأن النقاش علامة على التمرّد و قلة الاحترام عند البعض – و للأسف – , و نغفل عن حاجة ملحّة عند أبنائنا و بناتنا و هي : الاستماع لرأيه المخالف , فهناك صرخة مكتومة عنده بأن لا يوجد من يستمع إليه , و يتجادل معه حول أي سلوك أو تصرّف صادر منه أو فكرة يتبنّاها , و أما مؤسساتنا التعليمية فعنوانها البارز : التلقين و الحفظ , و السؤال الموصل إلى النتيجة المبتغاة هو : لماذا لا يستطيع أبناؤنا الطلبة – و حتى في المرحلة الجامعية – أن يناقش فكرة ما بإيجابية و طلاقة , و قد تخلّى عن الخجل الشديد و التلعثم في الكلام ؟

لو أجرينا مقابلة مع الشباب في حوار إعلامي بسيط , سنجد أن أكثرهم يميل إلى الصمت أو النطق بكلمات بعيدة عن صلب الموضوع المطروح , و هذا واقع لا يمكننا إنكاره , و السبب الحقيقي هو أن الشاب لم يمر بتجارب تمرّنه و تدرّبه على طريقة عرض الآراء و الاستماع للآخر ( الطاولة المستديرة ) , و من ثم إبداء الرأي الموافق بما يختزله من أمثلة أو استدلال أو نفي أمر و عدم قبوله ؛ لاصطدام هذا الرأي بما يحمله من أفكار تخالفه , فيبدأ في عرضها .

ومن الحقائق المهمة أن آلية النقاش الصحيحة هي ما ينضج فكر الإنسان و يكسبه المعارف المتنوعة , فأي فكرة يستمع إليها أو يعرضها على الآخرين , تعلّمه كيفية صبّ القوالب الكلماتية المناسبة , و هذا ما يكسبه خبرة في الحديث الملائم و اللائق , و النقاش يحتاج إلى مستمع ناجح , يتنبّه إلى ما يُقال و يحاول أن يعيد صياغته في ذهنه , و في عملية تفكيرية سريعة يبدأ في تحليل عناصر الفكرة التي استمع إليها , و يدمجها مع ما يحمله من أفكار , ليبدأ بعد انتهاء الآخر في مناقشته في ما تم طرحه .

إذاً النقاش الناجح يكتنف مجموعة من المهارات التي تساعده على المشاركة الإيجابية , و هي آليات مهمة في نسج العلاقات الأسرية و الاجتماعية الناجحة , فالنقاش حاجة ملحّة في الوصول إلى التعاون المثمر و الأداء الحياتي الجماعي البعيد عن أي منغّصات , إذ البديل عنه : إما التفرّد بالرأي الواحد و فرضه على الآخرين , أو الدخول في مهاترات و خلافات مزعجة و علاقات متهرّية تصل إلى درجة القطيعة ,  كان يمكنه أن يتلافاها بما يمتلكه من حنكة و فهم لواقع الحياة التشاركية , و الذي يستوجب التشاور و الخروج بآراء تصويتية تنال أغلبية الآراء , و ما لم يحمل الفرد القدرة على النقاش الناجح فسيواجه مشاكل عديدة بسبب ذلك

إن التآزر الفكري و الانفعالي الجيد في النقاش هو أولى الثمار , فإن التركيز على ما يقوله الآخر و تركه ليعرض فكرته دون مقاطعة أو تجاهل و تأفّف هو منطلق أي مناقشة جيدة , فالظرف النفسي للطرف المقابل و ما تطلبه منه من الاستماع  إليك بعد أن يتحدّث يترتّب على أدائك الجيد في الاستماع إليه , و بعد أن يتم كلامه تعرض عليه ملخّص ما قاله , و تستفسر عن بعض ما خفي عليك إن وُجد , هو دليل على أنك مستمع ناجح و تتقبّل الرأي الآخر دون أن تستحثّ حالة العداء الفكري له و إن لم تتقبّل رأيه , فالحفاظ على الهدفية في النقاش و الوصول إلى معطيات و نتائج معينة هي بوصلة لا ينبغي الحياد عنها لصالح الحالة الانفعالية الشديدة , و التي تبرز على شكل كلمات حادّة يُراد منها تسجيل انتصار وهمي على الآخر و كأنهما في ساحة معركة , أو تؤدّي إلى طمع بإقناع الآخر بفكرتك مهما كان , فالإقرار بما تراه لا يأتي بالصراخ أو التهويل أو اختراق الحالة النفسية للآخر بالتوهين أو الاستفزاز , فالاختلاف في وجهات النظر أمر بدهي لا ينبغي التوقّف عنده ليشكل حاجزاً يمنع من التواصل النقاش , بل لنجعل نصب أعيننا الحصول على المعرفة الشاملة و التي تحتوي على الآراء المختلفة , و من ثم الموازنة و الإثبات و التفنيد لها , فالنقاش الناجح صولة ميدان فكرية لا ينبغي أن نحرم أنفسنا منها .

تعليق