2018.09.18

رجال الدين و الحوزة العلمیة من منظار سماحة آية الله العظمی الخامنئي

- Sayyed-alakwan | 2014.08.17

6683_728

 

الفصل الأوّل: المنهج السلوكي لرجال الدين
ضروريّات عمل رجال الدين
إنَّ العلم و التقوى من ضروريات عمل رجال الدين. التقوى لرجل الدين تعني المراقبة و الحذر كي لا يخطأ و لا ينزلق و لا ينهمك في المفاسد، و مخافة أن يصيبه من البلايا ما يصيب بعض الناس و يجعلهم ينحرفون عن سواء السبيل. عالم الدين يطمح إلى انقاذ أمثال اولئك الناس و انتشالهم من المستنقع الذي غرقوا فيه. و هو يخشى أن يُبتلى بذلك البلاء. فالفقهاء أُمناء الله ما لم يدخلوا في الدنيا؛ و امّا إذا دخلوا في طلب الدنيا فهم بعدئذ ليسوا أُمناء الله.

عوامل نفوذ الكلام
يكون كلام رجل الدين نافذاً متى ما أثبت في العمل انّه لا يأبه لزخارف الدنيا. و ان ذلك الطمع المستحوذ على قلوب أهل الدنيا و طلاّبها، غير مستحوذ عليه. و هذا ما ينبغي أن يثبته للناس. لقد اكتسب رجال الدين هذه المنزلة و نالوا هذا الاعتبار على أثر ما كان منهم من ورعٍ و تقوى. و لهذا ينبغي أن يُستدام هذا الورع و هذا الزهد في الدنيا و زخرفها. و الزهد طبعاً لا يتنافى مع نيل الحدّ المتوسّط منها. أمّا اللهاث وراء الدنيا و التكالب من أجل نيل كلّ ما ينمّ عن مظاهر الرفاهية و الأُبّهة و العيش الرغيد، و السعي المحموم وراء ذلك ـ و هو ما يتراكض وراءه أهل الدنيا في كلّ لحظة من لحظات أعمارهم ـ فهو دون شأن أهل العلم و رجال الدين.

زيّ طلبة العلوم الدينية
أستطيع وصف زيّ طلبة العلوم الدينية في جملتين: الورع بعزّ، و النظم في الدراسة و في الحياة. فطالب العلوم الدينية يعيش حياة الزاهدين. يُضاف إلى ذلك النظم في دراسته، و يأتي تبعاً لذلك أيضاً النظم في حياته. إذ أنّ السمة التي تتصف بها دراسة العلوم الدينية هي النظم.

أرکان شريحة رجال الدين
القوام الأساسي لشريحة رجال الدين في شيئين: أحدهما العلم، و الآخر المعنوية. هذان الشيئان يمثّلان الركيزتين الأساسيّتين للروحانية. إنّ الروحانية في الإسلام ليست كغيرها في الأديان الأُخرى؛ إذ أنّ علم الدين هناك هو العلم بالنصوص الدينية فحسب ـ و هو أن يعرفوا الكتاب السماوي و بعضاً ممّا جاء حوله من المنقولات ـ بل بما ان الإسلام هو دين إدارة الحياة و دين الدنيا و الآخرة، فإن علم الروحانية أيضاً علم أوسع و أشمل. فهو من جهة يشمل العقائد و المعارف و الفلسفة و الاسس الاعتقادية، و من جهة أُخرى يغطّي مساحة شاسعة جدّاً من الفقاهة الدينية؛ ان علم الدين عند رجال الدين في الإسلام، علم حقيقي، و علم عويص و عملیة فنية و تخصّصية.
الركن الثاني ـ الذي هو بمنزلة الروح من الجسد هو ذلك الجانب المعنوي و التوجّه إلى الله و الإعراض عن الدنيا و الاستهانة بمتاعها و اعتباره شيئاً تافهاً. هذا هو العنصر الأساسي في رجال الدين. فرجال الدين ان شاءوا اداء واجباتهم و ان أرادوا أن تتكلّل مساعيهم على هذا الطريق بالنجاح، و ان شاءوا إدارة شأنهم و مسؤوليتهم البالغة الأهمية في إدارة البلد بالشكل الصحيح، عليهم أن يأخذوا هذا المعنى بنظر الاعتبار في ذاتهم. إنّ شأن رجال الدين لا يتناسب مع الاقبال على الدنيا و الانشداد إليها. فأساس عمل رجال الدين الإعراض عن المظاهر الدنيوية في الحدّ الممكن و المقدور و المُتصوّر لغير المعصوم. هذه هي ركيزة عمل رجال الدين.

طبيعة عمل رجال الدين
من طباع رجل الدين انّه لا يسعى من أجل بطنه و طعامه و تأمين حياته. فهذه هي طبيعة عمله. و هذا الكلام لا يعني طبعاً ان رجل الدين لا بطن له و لا يحتاج إلى الطعام، و لا يريد داراً. فهو يحتاج إلى كلّ هذه الامور. غير أن الفارق بين الكاسب و رجل الدين هو أنّ الكاسب لو سُئِل: لماذا اخترت هذه المهنة؟ لقال: لأنّها تدرّ عليَّ ربحاً أوفر. و لا أحد يلومه على هذا طبعاً. و لو قيل لتاجرٍ: ما الذي دعاك إلى اختيار عمل التجارة؟ لقال: نظرت فرأيت ان عملي في التجارة يعود عليَّ بدخل يفوق مداخيل الأعمال الأُخرى. بمعنى ان الجهد هنا يدور حول محور الدخل المادّي. بينما طالب العلوم الدينية لا يقول: «انّني حضرت درس فلان؛ لأنّ فيه مردوداً مادياً أكثر»، بل إن مثل هذا التفكير لا معنى له أصلاً و غير مقبول و لا معقول. من المحتمل طبعاً أن يحضر طالب درس شخص، أو يذهب إلى دار شخص أو يقصد شخصاً من أجل نيل مردود مادي؛ غير أن عمله هذا خرق للقواعد. و هو عمل ممنوع. فلو علم آخرون أن أحد أصحاب العمائم يدرس الدرس الفلاني، أو يسافر إلى كذا مكان، أو يقوم بكذا عمل، أو يسلّم على شخص، من أجل المال، فهم يتوجّهون إليه باللوم. لماذا؟ لأن عمل رجل الدين عمل روحاني.
البعض يظن أنّنا عندما نقول: «نحن رجال الدين»؛ فذلك يعني أنّنا مجرّدون من الأجسام المادية، و اننا قد طلّقنا الدنيا و نحّيناها جانباً. و الأمر ليس كذلك طبعاً؛ فنحن مثل سائر الناس. و حتّى بالنسبة إلى رسول الله الذي يتصدر سلسلة جميع رجال الدين على امتداد التاريخ، فقد وصفه الله تبارك و تعالى بقوله: {يَأْكُلُ الطَّعَامَ و يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}. إذا كان الشخص رجل دين فذلك لا يعني أنه يهمل جسمه و يعتني بروحه فقط. كلا طبعاً، بل يعني أنّ لكلّ شغل هدف. و شغل عالم الدين هدفه تهذيب نفوس الناس. و نحن رجالُ دينٍ بهذا المعنى. و لهذا فإنَّ الانخراط في سلك دراسة العلوم الدينية، شغل إلهي و معنوي.

طبيعة سلك رجال الدين الشيعة
على رجل الدين أن يسير على ذلك النهج الروحي، و على ذلك الشكل الروحي الموجود في العالم الشيعي. و هذه الحالة طبعاً غير منتفية كلياً في المذاهب و الأديان الأُخرى؛ بل موجودة في مواطن منها. و هو شيء جيّد جداً بالنسبة إليهم طبعاً. و لكن بين الشيعة هناك سُنّة سارية. هذه الحالة التي كانت سارية عند رجال الدين الشيعة في التواصل مع الناس، و أن تكون أرزاقهم من الناس، و الإشفاق على الناس، و استشعار آلامهم و التألّم لها، هذه السُنّة السارية ينبغي الحفاظ عليها. هذا شيء مهم جدّاً.

الفصل الثاني: وظائف رجال الدين
الوظيفة الأساسية لرجال الدين
الواجب الأساسي و التحدّي المهم لرجال الدين ـ و هو ما كانت تواجهه الحوزات و علماء الإسلام في الأدوار المختلفة ـ هو تبيين و تعليم الدين بالمعنى الواسع للكلمة؛ تعليم فقه الله، فقه الدين. إنّ الفقه لا ينحصر في فروع الدين فقط؛ بل الفقه الأكبر هو التوحيد و المعارف؛ و هو ما ينبغي التوصّل إليه و فهمه من خلال الغَوْر في المسائل العقلية، و صقلها عن طريق تهذيب النفس. إذ كانوا شغوفين بتعلّم الدين و تعليمه للمتلقين. ثم إنّ تعليم الدين له جوانب عدّة، فمن جوانبه تنمية أفكار الناس و عقولهم «ويثيروا لهم دفائن العقول». و من جوانبه الأُخرى درء الشبهات. فالشبهات كانت موجودة على الدوام، إلا أنّ أنماطها متفاوتة. و قد كان العلماء الكبار في الأدوار المختلفة يرون أن احدى مسؤولياتهم هي الرد على الشبهات. و المواجهة إمّا أن تكون عن طريق الوقاية أو عن طريق العلاج. و الوقاية خير من العلاج. و ما كانوا يقومون به من تعليم الكلام و الفلسفة، و ما كان يقوم به شخصية کالعلاّمة الحلّي و هو فقيه جليل القدر، و له كتاب في الكلام، و له كتاب في الفلسفة أيضاً هو أن يستطيعوا من خلال تنمية (ترسيخ الإيمان في) عقول المتلقّين، وقايتها من تغلغل الشبهات إلى الأذهان أو رسوخها فيها؛ و لكي لا يجد ذلك المتلقّي نفسه ـ سواء كان إنساناً عادياً، أم طالب علم، أم شخصاً حكيماً و متعلّماً ـ عاجزاً أمام شبهة بدت له أو ألقاها آخر في ذهنه. و كانت مهمّتهم الأُخرى معالجة الشبهات؛ فإن كانت تَعْرضُ شبهة، كانوا يعقدون مجالس كلام و بحث و اجابات عن الأسئلة، و كانوا يكتبون الكتب من أجل تفنيد الشبهات. و هم يدرسون الفقه و الفلسفة و الكلام و التفسير و العلوم التمهيدية، من أجل هذه الغاية. و هم يقرأون التاريخ و يتعلّمون الكثير من علوم عصرهم ليتمكّنوا من تبليغ الدين؛ {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ و يُزَكِّيهِمْ و يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ و الْحِكْمَةَ} و الآخر هو التزكية. إنّ التعليم يختلف عن التزكية. و مع ان التعليم لو جرى بالاسلوب الصحيح و على الطريقة السليمة، ينطوي بين ثناياه على التزكية، إلا أنّ التزكية لها مسارها المستقل.

الوظيفة الأساسية لطلبة العلوم الدينية
الوظيفة الأساسية التي تقع اليوم على عاتق الطالب الشاب و الفاضل في الحوزة العلمية هي مواجهة الأمواج الفكرية و الاستعداد للتصدّي و المجابهة؛ و ليس من الضروري أن تكون هذه المجابهة بالكتابة و اعتلاء المنابر؛ و لكن من الضروري أن تقترن بالابداع و تنمية الفكر. و هذا بطبيعة الحال يحتاج إلى مقدّمات، و يأتي على رأسها بالدرجة الاولى المثابرة في الدراسة. فعلى الطلبة الشباب أن لا ينسوا بأنّ عليهم أن يدرسوا. فطالب العلوم الدينية إذا أراد أن يقف في وجه من ينسب إلى الدين كل ما يأتي على لسانه من رطب و يابس بفعل تأثير القراءات الدينية المختلفة، و إذا أراد هذا الطالب أن ينطق بكلمة الدين، فعليه أن يتحلّى بالمقدرة على معرفة سفسطته لكي يتمكّن من نقض تلك السفسطة و المغالطة. فالدخول إلى ساحة الأفكار الدينية يحتاج ـ مثل أي شيء آخر ـ إلى العلم و المعرفة بهذا العمل. هذا هو الشرط الأوّل. و طبعاً هناك شرط التقوى أيضاً. فهذا الطريق طريق التقوى. وهو طريق لا يجني فيه المرء شيئاً فيما لو جانب التقوى و تلوّثت أذياله بالدنس؛ بل تركس أقدامه في الوحل. واكتساب التقوى في الشباب أيسر بكثير من سنوات الشيخوخة. البعض يظنّ ان اكتساب التقوى في سن الشباب أمر مستصعب، و ان الانسان إذا شابَ لازمته التقوى بشكل طبيعي؛ إلا أنّ هذا الظن خاطئ. فمن لا يطاوع قلبه للحقيقة، و لا يفتح نافذة قلبه نحو نور المعرفة و العبودية، فمن الصعب عليه جداً أن يحقّق هذا العمل في طور ما بعد الشباب و في طور الشيخوخة. طالب العلوم الدينية إذا قام بهذا العمل في سنوات شبابه سيقطف و يذوق في طور الشيخوخة الثمار اليانعة لعمله. إنّ وقت التقوى هو طور الشباب. التقوى معناها الاجتناب و الحذر من التخطّي و تجاوز الحدود.

أهمية الدعوة
ان مسألة الدعوة واحدة من المسائل الأساسية في الحياة الاجتماعية، و لا تختص بعصر معيّن. إنّ الدعوة التي عبّر عنها القرآن بكلمات مثل «البلاغ» و «البيان»، و «التبيين»، و ما شابه ذلك، واحدة من الوظائف المقدّسة، و هي وظيفة الأنبياء، و العلماء، و المفكّرين، و المصلحين. الدعوة تعني الابلاغ. و لكن ابلاغ أي شي؟ ابلاغ تلك الحقائق إلى أذهان و قلوب المتلقّين، التي لولاها لمنوا بخسران. و هذا هو ما يسمو بقيمة الدعوة. إنّ الدعوة التي أمر بها الإسلام و بقي علماء الإسلام و رجال الدين الشيعة متمسّكین بالعمل بها على امتداد التاريخ، وظيفة ذات جانب إلهي من جهة ـ {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ و لاَ تَكْتُمُونَهُ}. و ذات جانب انساني من جهة أُخرى؛ لأنّها استنقاذ لقلوب و أذهان و اناس يفتقرون إلى العلم، أو مأخوذین بالشك و الجهالة. ينبغي النظر إلى هذه الوظيفة بهذا المنظار.

ضرورات الدعوة
لقد أضحى علم الاتصالات اليوم علماً راقياً و في غاية التعقيد. و معرفة كيفية التواصل مع قلوب الناس و عقولهم بمختلف الطرق و الأساليب ـ و أعني هنا الدعوة ـ بحد ذاته علم.
يمكن بطبيعة الحال اخضاع أسالیب التبلیغ و هو عملیة حصرية فريد من نوعها و شديدة التأثير ـ أي اعتلاء المنبر و مقابلة الناس وجهاً لوجه، و مجالس تفسير القرآن و بيان المسائل الدينية ـ يمكن اخضاع هذه الامور لضوابط معینة لكي تلتفت أذهان المبلغین لأهمية هذه القضية. إنّ طلبة العلوم الدينية يستخرجون مبدءاً أو فكرة إسلامية من الكتاب و السُنّة، ثمّ يعيدون صياغتها و ترتيبها ثمّ يضعونها على شبكة المعلومات (الانترنت)، أو يقدّمونها إلى الجامعات و إلى الاذاعة و التلفزيون. فهم يبحثون عن الثغرات ومناطق الفراغ، ليبادروا إلى ملئها بإبداعهم و حسن ذوقهم.

معرفة المجتمع
إذا أراد رجل الدين أنْ يعلم بما ينبغي عليه فعله، لابدّ أن يكون على معرفة بطبيعة مجتمعه ـ «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» ـ و إن لم يكن كذلك، يجد ذاته قد تخلّف عن الركب. و من الطبيعي ان هذا الشأن له مقدّماته، و الاصلاح و تبيين الحوزة العلمية و مناهجها، كلّه مقدّمة من أجل أن يكون رجل الدين في موضعه المناسب من حيث الجانب الوظيفي، و ليعلم ما هي وظيفته؛ أي أن يظهر إلى الوجود ذلك الكيان الذي يتولّى اداء الأعمال و المسؤوليات التي كان يقوم بها رسول الله عليه و على آله الصلاة و السلام. يجب على رجل الدين أن يوجد هذه الخصائص في ذاته، و أن يتّصف بالوعي و اليقظة.

معرفة المتلقّي
متلقّو خطاب الداعية الديني اليوم هم الشباب؛ و عليه ينبغي أن تتركّز الجهود؛ «عليك بالأحداث». و لكن لا ينبغي الإعراض عن غير الشباب. و ما فاض عن ذلك يصل إلى غير الشباب و يكفيهم. ينبغي أوّلاً معرفة ما الذي يريده الشباب، و ما الأسئلة و الاستفهامات التي تراود ذهنه. يجب أن تنصبَّ الجهود على المحتوى. و يجب معرفة التساؤلات التي تدور في أذهان الشباب من أجل أن تأتي الاجابة في موقعها، و إلاّ لربّما كانت هناك في ذهنه شبهات غير أن الخطيب فوق المنبر يتحدّث عن شيء آخر. و حين يجد الشباب ان كلام الخطيب لا يلامس ما في خلده، يعرض عنه و لا ينتبه إلى كلامه أصلاً. و لكن حين يجد أن الخطيب يستجلي ما يدور في خلده من تساؤلات و غوامض ثمّ يبددها و يزيحها، عند ذاك يجد في ذاته رغبة لحضور ذلك المجلس اليوم و غداً، و يكون حينها قد تأثّر بالكلام. إذاً ينبغي أوّلاً معرفة مشكلته و السؤال الذي يدور في خلده. و ثانياً يجب حتماً التحدّث بأسلوب علمي لمعالجة تلك المشكلة. هاتان الملاحظتان إذا أُخذَتا بنظر الاعتبار، فسيكون و سيبقى رجل الدين و الأوساط العلمية و الدينية في قمّة التأثير الدعوي العميق.
اليوم هناك سببان يدعوان إلى أن تكون الغالبية العظمى من المتلقّين الذين يُوجّه إليهم الخطاب من فوق المنابر، من الشباب؛ السبب الأوّل: إنَّ أعداء الدين يخطّطون منذ مدّة مديدة لاستهداف المتلقّين الشباب. فهم يحاولون عن طريق المذياع، و الكراسات، و الأساليب الأُخرى التي تنسجم مع طبيعة الشاب و مع شهوات شرائح من الشباب، لاستمالة قلوبهم و أفكارهم و الاستحواذ عليها و التحكّم فيها.
السبب الثاني: هو أنّ الشباب أرقّ قلباً و أسرع قبولاً؛ و ذلك لأن قلب الشاب نيّر. و قلوب الشباب لم تتلوّث بعد بقدر ما تلوّثت به قلوب أفراد من أمثالي ممّن تصرّمت أعمارهم، و لم تصبح قلوبهم بعد متمنّعة و عصيّة على التلقّي و القبول. فقلوبهم نيّرة؛ و يمكنهم بكل سهولة إدراك الحقيقة، و أن يأتوا للاستماع إليها و قبولها.

معرفة مواطن الحاجة
على رجال الدين اليوم أن يبيّنوا للناس من فوق منابر الخطابة ما يرسّخ معتقداتهم الدينية؛ غير أن بعض المعتقدات لا تتزعزع و لا يعتريها اضطراب. على من يريد توجيه المتلقّي صوب سبيل الهداية أن يدرك ما يعتور ذهنه من مواطن الخلل و نقاط الضعف. عليه أن يعرف تلك الأمواج التي تستهدف أذهان المتلقّين و ترمي إلى تخريبها، ليكون على علم بما يحتاج إليه الشباب لكي يلقيه إليهم. و ينبغي أن لا يكون الكلام بعيداً عمّا يدور في خلد المتلقّين من عشرات التساؤلات، و بدلاً من الاجابة عن تلك التساؤلات تراه يطرح على بساط البحث موضوعاً آخر لا يكون موضع تساؤل عند اولئك المتلقّين.
اليوم حيث يضخّون إلى أفكار شتّى الشرائح الاجتماعية ـ و الشباب منهم على وجه الخصوص ـ شبهات و تساؤلات و استفهامات مختلفة، يفترض بالخطيب و الداعية أن يعرف تلك الشبهات و ذلك الموج الهدّام و المفسد و المضرّ، ليعلم ما الداء الذي يريد معالجته، و ما الثغرة التي يريد سدّها.

الدعوة إلى حكم الإسلام
اليوم، بالإضافة إلى ما ينبغي أن يُطرح من قضايا الإسلام العقائدية، و ترسيخ الايمان بالإسلام في العقول و القلوب، يجب أيضاً ترسيخ الاعتقاد بحكم الإسلام. و هذا ما كان يتطلّع إليه مسلمو العالم على مدى قرون متمادية و خاصّة كبار المفكّرين في القرن الأخير ـ ابتداءً بالسيّد جمال الدين الأسد آبادي إلى اقبال اللاهوري، و إلى أعلام الفكر و العلم، حيث كانوا يسعون إلى تحكيم دين الله استمراراً لطريق الأنبياء. اليوم هناك أيدٍ و ألسن، و كتابات، و أمواج دعائية ترمي إلى إثارة شكوك و تساؤلات حول هذا الأمر البيّن. و هذه العقيدة يجب ترسيخها في الأذهان. يجب أن يعلموا أن حكم الإسلام معناه بسط العدل و العلم و الإنصاف بين الناس. و هو الحكم الذي يمكن أن يُعنى بأبدان الناس، و بقلوبهم و أخلاقهم و يبني حياتهم الواقعية و حياتهم المعنوية و يعمّر دنياهم و آخرتهم. و هذا هو معنى حكم الدين.

بيان القضايا السياسية و الاجتماعية في الدعوة
الخطأ الذي ارتكبه من تخلّوا عن طرح القضايا السياسية في الدعوة في الماضي، هو أنّهم حصروا العبودية لله في الدائرة الفردية. و قد أخطأوا في فهم هذا الأمر و أخطأوا في التعاطي معه. نعم إن الهدف هو اجتذاب الناس نحو العبودية لله؛ غير أن العبودية هذه تغطّي دائرة واسعة من حياة الناس، و هذه الدائرة غير محصورة بالأعمال الفردية.
حين ينطبق معنى العبودية على عمل مجتمع بأسره، و على عمل عدد غفير من الناس، و على شعب بأكمله، سواء على عمله الاقتصادي، أم عمله السياسي، أم مواقفه السياسية، حينذاك يمكن بل و يجب أن تشمل دعوة الدعاة هذه القضايا و الامور.
يجب على الدعاة أن يطرحوا القضايا الأخلاقية، كما يجب عليهم أن يتحدّثوا عن الأخلاق السياسية أيضاً، و يتحدّثوا كذلك حول الجوانب الأخلاقية و المعنوية، ثمّ يقدّمون تحليلاً سياسياً. و يشرحوا عن العدو الباطني ـ و هو النفس الأمّارة بالسوء أو الشيطان الرجيم ـ و عليهم أيضاً أن يتحدّثوا عن الشيطان الاجتماعي ـ و هو الشيطان الأكبر أو الشياطين الآخرين ـ و أن يكشفوا أيضاً عن عملاء الشيطان و أذنابه. فإذا أصبح معنى العبودية لله شاملاً لهذا المعنى الذي يدعوه إلى اجتناب «أنداد الله» و التبرّي منهم، يجب علی المرء أن يتبرّأ من كلّ أشكالها. «أنداد الله» قد تكون تارة النفس الانسانية الخبيثة التي بين جنبيه «أعدا عدوّك نفسك التي بين جنبيك». و قد تكون تارة أُخرى الشيطان الذي جاء وصفه في أحد أدعية الصحيفة السجادية انه «الشيطان الذي جعلته في وجودي ومكنته مما لم تمكنّي منه»، و تارة أُخرى ينطبق هذا المعنى على الشياطين الكبار في المجال السياسي الذين يتربّصون لإضلال الشعوب و التسلّط عليها و سلب ثرواتها و النيل منها و دفعها نحو هاوية الجحيم. هؤلاء هم الذين جعلوا أنفسهم أنداداً لله. إنّ العبودية لله تستدعي نفي هؤلاء الأنداد.

حاجة الشباب
من جملة الامور التي ينبغي أن تُقال للمتلقّين و خاصّة في ما يتعلّق بالشباب، و يُدعَوْن إليها، و يُوَجّهون نحوها، حثّهم على التفكير، و التعقّل، و التحلّي بالأخلاق الإسلامية، و الاتصاف بالحلم، و الابتعاد عن التسرّع و العجلة في الامور، و تحاشي الحدّة و ممارسة العنف. ففي الأجواء الإسلامية يمكن غرس الحقائق في أعماق القلوب حين تُتّبع لغة اللين، و السلوك المنطقي و المتعقّل و حينما يكون هناك حلم في التعامل.

أرکان التبليغ
الدعوة لها أركان أساسية ثلاثة و هي: الأوّل، الدافع إلى الدعوة؛ و الثاني، الهدف من وراء الدعوة؛ و الثالث، أدوات الدعوة و وسائلها و أساليبها.

الركن الأوّل: الدافع إلى الدعوة
يجب أن يكون الدافع وراء الدعوة الفكر، و العقل، و الإخلاص، و المعنوية. أي يجب أن تكون الدعوة مستمدة من مصدر نوارني. و امّا إذا جاءت الدعوة انطلاقاً من أهواء النفس، و بدوافع سقيمة، أو إذا جاءت بعيدة عن أساس العمل و مجرّدة عن منطلقاته، فلن يكون لها ذات التأثير الذي يأتي انطلاقاً من ذلك المصدر الفياض، و مستقىً من مصدر عزيز و ثَرًّ، و انّما ستكون بتراء و غير سليمة المصدر يجب أن يكون الفكر و التأمّل و التدبّر و الدراسة من جهة، و الإخلاص للمتلقّي و النصيحة له و محبّته من جهة أُخرى.
إذا دخل الداعية إلى الساحة بهذا الشعور و بهذه الدواعي الفكرية، فسيجتذب القلوب كالمغناطيس، و سيكون فعله كفعل قطرات الماء الزلال التي تؤثّر في أشدّ الصخور صلابة، و تنمّي الغرس في الأرض الخصبة.

الركن الثاني: الهدف من وراء الدعوة
يجب أن يكون الهدف من وراء الدعوة {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} و هو {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ}. هدف جميع الأنبياء استمالة الناس إلى الصراط المستقيم. و الصراط المستقيم معناه العبودية لله؛ {وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.
يجب حث الناس على العبودية لله، و ذلك هو الصراط المستقيم. و هذه العبودية لها تطبيقاتها في مجال الأخلاق، و في مجال العمل الفردي و العمل الاجتماعي. و حين يصل الدور إلى بحث العمل الاجتماعي، ينبغي عند ذاك طرح البحوث السياسية، و التحليلات السياسية، و تسليط الأضواء على الشؤون السياسية.

الركن الثالث: اسلوب الدعوة و وسائلها و أساليبها
هذه الآية الشريفة التي سبق ذكرها و هي: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} بيّنت اسلوب الدعوة. فالكلام الحكيم هو الكلام الرصين، و الذي لا شبهة فيه، و لا وهن و لا ضعف. الحكمة تنطوي على كلّ هذه المعاني. الكلام الحكيم هو ذلك الكلام الذي يتّصف بالحكمة؛ أي أن المُحكم على الضدّ من المتشابه؛ {بِالْحِكْمَةِ و الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ و جَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. الحوار، و النقاش، و مواجهة الأفكار، و توجيه الكلام إلى القلوب و الأفكار، و التحدّث بلسان مبين و اسلوب ودّي و أخوي. هذا طبعاً شيء في غاية الأهمية.

الدعوة في الوسط الشيعي
هناك فارق جوهري بين الدعوة في الوسط الشيعي و مِن قِبَل رجال الدين الشيعة و بين سواها من الدعوة في الأوساط الأُخرى، و هو أنّ الدعوة من قبل رجال الدين ليست وظيفة حكومية مقررة و مهمّة رسمية و جافّة، و إنّما فيها حوافز ذاتية، و منها الحوافز الإلهيّة و المعنوية، كما ان للذوق أيضاً تأثيره فيها. هذا من جانب نقاط قوّة الدعوة.
و في الوقت ذاته فإن جوهر العمل في أوساط رجال الدين الشيعة جوهر خاص. فالشعور بالتكليف الإلهي هو أكثر ما يدفعهم إلى الدعوة. و هذا لا يعني طبعاً انعدام الدوافع المادية تماماً، و لا يعني أنّ الدافع الإلهي يتنافى مع بعض الدوافع المادية لدى الداعي. المهم هو أن يقدم رجل دين بإرادته على الدعوة و إذا كان ذا إخلاص و تقرّب إلى الله و وعي بالمعطيات المعنوية للدعوة، لانفتح أمامه ميدان الدعوة إلى الله. هذه فرصة لا يستهان بها متاحة لرجال الدين الشيعة.

عطاء رجال الدين لتحقيق أهداف الإسلام و غايات الأنبياء
لقد حافظ العلماء على الدين الإسلامي و معارفه و فقهه، و تفادوا وقوع تحريف في حقل الأحكام الإلهيّة و أضاءوا شعلة الايمان في قلوب الناس و جعلوها تواصل وهجها. و استقطبوا اهتمام الناس و استمالوهم نحو القرآن و نحو تعاليم أهل البيت (ع). فالعلماء هم الذين قارعوا الظلمة طيلة التاريخ، و كانوا ملاذاً للمظلومين و للشعوب الضعيفة و للناس المستضعفين. و العلماء هم الذين استثمروا ما حان من الفرص لنشر المعارف الإسلامية و ترسيخ الايمان الإسلامي و الروح الدينية لدى الناس في كلّ ارجاء البلاد الإسلامية، و تعريفهم بمحبّة أهل البيت (ع) و بسيرتهم. لقد عاش العلماء على نمط ما كان عليه الأنبياء و الأولياء.
السيف لم ينشر الإسلام في كلّ بقاع البلدان الإسلامية. فالسيف لا يغرس الايمان في القلوب. إنّ ما يمكن أن يُنبت زهرة الايمان في القلوب، الموعظة و تبيين الأحكام و المعارف الإلهيّة. إنّ الفكر الإسلامي حي اليوم بفضل الله في جميع ارجاء البلاد الإسلامية. و على مدى القرنين الأخيرين إذا كانت المشاعر التحررية قد استفاقت لدى الشعوب في مختلف البلدان، فإن سبب ذلك يُعزى إلى أن العلماء قد نجحوا في النهوض بدورهم و في قيادة الثورات.
إنّ ما استطاع في شرق العالم الإسلامي ـ أي في شبه القارة الهندية ـ و في غرب العالم الإسلامي ـ أي في أفريقيا ـ و في ما بينهما، أن يقطع أيدي المستعمرين و يحافظ على الثقافة الإسلامية، و يقف في وجه الثقافة الغازية، هو نفوذ العلماء. ففي إيران كانت ثورة التبغ و محاربة الاستعمار الأجنبي و استنهاض أبناء الامّة، و كذلك الحركة الدستورية (المشروطة)، و مقارعة الاستبداد الذي فرضه رضا خان، و استمرار هذه الانتفاضة إلى حين انبثاق الحركة الإسلامية الكبرى المقدّسة، كانت كلّها بزعامة العلماء و قيادتهم و ريادتهم، و إلاّ لما أحرزت ما أحرزته من نجاح. هذه مناقب مسطورة، و هذا تاريخ، لا يمكن أن ينكره إلا مغرض أو جاهل يلقي بكلام و يرمي من ورائه إلى اخفاء حقيقة.

الفصل الثالث: دور رجال الدين في المجتمع
رجال الدين و المجتمع
إن قضايا الحوزة ليست بمعزل عن قضايا المجتمع ككل، و لا عن قضايا العالم، بل هي ليست معزولة حتّى عن قضايا التاريخ. فالحوزة و رجال الدين ليسوا جزيرة منقطعة عن العالم المحيط بهم. إذ وفقاً للنسيج و النمط السائد و الدائم الذي لا يتبدّل في النظام الاجتماعي و العلاقات الانسانية في المجتمعات، الحوزة و رجال الدين كالدم الذي يجري في كل اعضاء جسد المجتمع، فهو على اتصال بكلّ مكان. و لهذا فإن قضايا رجال الدين و قضايا الحوزة مترابطة ترابطاً لا ينفصم مع قضايا البلد، و قضايا النظام الإسلامي، و قضايا عالم اليوم، بل و حتّى مع قضايا التاريخ و الماضي.

دور علماء الدين في إرشاد الناس
في خضم الحياة الاجتماعية المعقّدة لعالم اليوم، لا يمكن السير من غير بصيرة و هدىً. على الشبّان أن ينظروا، و يفكّروا، و يرتقوا بمستوى بصيرتهم. و على المعلمين الروحيين، و على الملتزمين في المجتمع من ذوي العلم و الثقافة، من منتسبي الجامعات و الحوزات أن يعيروا اهتماماً لقضية البصيرة؛ البصيرة في الهدف، و في الوسيلة، و في معرفة العدو، و في معرفة موانع الطريق، و في معرفة اساليب التغلّب على هذه الموانع و ازالتها؛ ان هذه الأنماط من البصيرة ضرورية و لا بدّ منها.
من المؤكّد لو أن دور علماء الدين و المرشدين الروحيين كان معدوماً أو أُقصي، لما وقعت الثورة الإسلامية في ايران، و لما قام نظام الجمهورية الإسلامية في ايران، و لما بقي قائماً، رغم كلّ هذه المصاعب و العراقيل الجمّة التي افتعلوها على طريق هذه الثورة. و انطلاقاً ممّا سبق ذكره نقول ان لعلماء الدين تأثير خالد و دائم و متواصل في وقائع المجتمع و في مصير الأُمّة.

دور رجال الدين الشيعة و السُنّة في المجتمع
إن دور رجال الدين الشيعة و السنّة يتمثّل في زيادة و ترسيخ ايمان الناس و هدايتهم و ارشادهم نحو الطريق القويم. إنّ العمل ينبثق من الايمان. و جوارح الانسان من يد و قدم و لسان و عين تأتمر بما يأمر به قلبه؛ أي من تلك الروح و من حقيقة تلك النفس الانسانية التي بها يقوم الايمان. هذه القلوب ينبغي هدايتها إلى سواء السبيل.

ما يلزم رجال الدين للتعامل مع الناس
الشيء الذي يلزم من يعتمّون بالعمائم هو عبارة عن نيل ثقة المتلقّي و قبوله. فإن توفّرت هذه الثقة و هذا القبول يغدو عمل رجل الدين سهلاً و يسيراً. و لكن لو انعدم لدى المتلقّي مثل هذا القبول و فقدت هذه الثقة فلن يكون عملهم يسيراً، بل ربّما يغدو متعذّراً أحياناً. عمل رجل الدين هو إرشاد القلوب و توجيهها نحو اتجاه معيّن و ذلك هو الصراط الإلهي المستقيم. فلو انعدمت الثقة و القبول عند المتلقّي لن تتحقّق هذه الغاية. إنّ وظيفة رجل الدين هي الهداية، و الهداية ليست بالكلام وحده؛ بل تتطلّب كسب ثقة المتلقّي و نيل القبول عنده. إنّ السبب الذي جعل رجال الدين و المجتمع الديني في ايران يكسبون مثل هذا النجاح، بحيث أنجزوا أعظم تحوّل سياسي في تاريخ هذا البلد ـ و أعني بذلك الثورة الإسلامية في ايران ـ هو ما يحظون به من قبول عند أبناء الشعب. و هذا بطبيعة الحال لم يُنَل بيُسر و لا سهولة؛ و إنّما جاء من جهود العلماء و الأعلام و ذوي الورع و الاخلاص و التقوى و أمثالهم على مدى ألف سنة. إنّ هذا القبول ضروري.

مدى التبعية لرجال الدين
جاء في رواية الإمام المعصوم (ع) انّه سُئِل عن الفرق بين علمائنا و بين علماء اليهود و النصارى، فقال: ان أهل الكتاب كانوا يرون ويعلمون أن علماءهم يعملون على خلاف ما أمر الله، و مع ذلك اتبعوهم. و على هذا الأساس إذا ارتكب أحد رجال الدين المسلمين معصية لا يعطي هذا غير المعممین ذريعة ليرتكبوا هم أیضاً معصية. فإن هو ارتكب عملاً مغلوطاً أو اقترف خطأً، فلا ينبغي للناس العاديين أن يخطأوا على غرار خطئه. أي أن خطأَ أحدٍ لا يبيح للآخرين ارتكاب خطأ مماثل. و لكن على رجال الدين أن يدركوا مدى التأثيرات السلبية و الهدّامة التي يتركبها خطؤهم في أذهان الآخرين.

مجالات عمل ثلاثة أمام رجال الدين
كسب ثقة الناس إنما یکون بالعمل. إن العمل الصالح إذا صدرَ من سائر الناس له حُسنٌ واحد، بينما إذا جاء من العلماء و من رجال الدين، فإنّه بالاضافة إلى ما له بحدّ ذاته من الحسن و الصلاح، يؤدّي أيضاً إلى أن يقتدي به الآخرون و يحذون حذوه. و لهذا فإن الله تبارك و تعالى يُعطي للعالم العامِل أجرين: أجر على عمله هو، و أجر آخر لكون عمله هذا قدوة للآخرين. إذاً العلماء و رجال الدين أمامهم ثلاثة مجالات للعمل و هذه الميادين مفتوحة أمام الجميع: كلّهم يجب أن يتعلّموا، و يُعلِّموا، و يعملوا الصالحات.

تواجد رجال الدين في الجامعات
تواجد رجال الدين في الجامعات يعني تواجد العلم و الدين فيها؛ و يعني «التبيين العلمي للدين، و التطبيق العملي و السلوكي و الايمان الديني بواسطة تواجده» في الجامعات. أي أن الجامعات التي هي محل العلم، تکون أحياناً محل للدين أيضاً بسبب تواجد أُناس متديّنين فيها. و لكن على رجال الدين أن يطرحوا علم الدين في الجامعات بصورة قوية و منطقية و مقبولة و تتناسب مع مستوى فهم الجامعيين. هذا هو الجانب العلمي من القضية؛ و ذلك ان المعارف الدينية من أسمى العلوم و من أعلى المباحث الفكرية و الفلسفية، و في بعض الجوانب تُعد من أهم المسائل الاجتماعية ـ و قضايا الحياة ـ و هذا ما ينبغي أن يُطرح بشكل علمي و رصين. و يجب الابتعاد فيها عن الوهن في الاستدلال و عن الاختلال في التبيين؛ إذ أنّ لكلّ واحد من هذه المحاذير تأثيراتها العكسية؛ أي ستعود بنتائج معاكسة لمرامي الدعوة. إنّ الدفاع الرديء من أهم أساليب التدمير و الهدم.

اهتمام رجال الدين بالإنذار
على رجال الدين أن لا يغفلوا جانب الانذار و التحذير فعليهم أن لا يتناسوا تخويف الناس من عذاب الله و ما توعد به المسيئين من عقاب في الآخرة؛ فهذا هو ما كان يسير عليه في الماضي الانبياء و الأولياء لغرس الايمان في قلوب الناس و ابقاء جذوة الايمان متوهجة في نفوسهم.
إنّ الانذار اليوم أيسر و أكثر قرباً إلى الواقع العملي. جاء في آية قرآنية كريمة ان الله تبارك و تعالى قال لرسوله الكريم: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا}. أي انه مِن الممكن انذار الشخص الحي و من له قلب حيّ. و هذه الحياة تنشأ في المجتمع من خلال الثورة و عن طريق العمل و المجاهدة.

آمال الناس من علماء الدين
الناس على الدوام يأملون من علماء الدين أن يبيّنوا لهم المسائل الإسلامية و أحكام الحلال و الحرام. كما يرتجون أن يكون هؤلاء العلماء أكثر الناس التزاماً و عملاً بما يعلمونه و بما يعلّمونه للناس. أي ان العلماء يجب أن يكونوا قد عملوا بما يعلّمونه إلى الناس. و أمّا الشيء الآخر الذي يأمل الناس أن يجدوه في علماء الدين على مرّ التاريخ هو أن يكونوا أحراراً؛ بمعنى أن لا يخضعوا للضغوط و لا تكبّلهم المجاملات، و ما شابه ذلك. هذا بالنسبة إلى رجال الدين الشيعة أصل.

الفصل الرابع: خصائص رجال الدين
الفارق بين رجال الدين الشيعة و بين الأوساط الدينية لسائر الأديان و المذاهب
الجوانب الايجابية لدى رجال الدين الشيعة العلم و الزهد و الشجاعة و الإعراض عن الدنيا و الوقوف بوجه مراكز القوى و المتغطرسين و الاندكاك مع جماهير الشعب. و من الخصائص الأُخرى التي لم و لا تتوفّر حالياً لدى أي من الفرق الدينية في العالم هي النزعة الشعبية و الانتماء إلى الجماهير و التحسس بآلامها و الحرص عليها، و العمل، و عدم التقرّب إلى الأعداء. و هذه خصوصية لم تكن موجودة و لا توجد حالياً لدى أيّة فرقة دينية في العالم. فلولا هذه الخصوصية لما كسب رجال الدين ثقة أبناء الشعب على هذا النحو الذي نزلوا فيه إلى الشوارع و عرضوا أرواحهم للخطر في سبيل أهداف هذه الثورة.
إن أوساط رجال الدين من غير الشيعة سواء منهم المسلمون أم المسيحيون، أم اليهود، تتعاطى مع الناس و تحتك بهم ـ أي ان الناس يذهبون إلى الكنيسة مثلاً ـ غير أن رجل الدين هناك يختلف عن إمام المسجد عندنا اختلافاً شاسعاً. فرجل الدين هناك شخص مرتبط بدوائر تابعة للحكومة أو للسلطة الحاكمة في ذلك البلد، أو لسلطة شبيهة بسلطة رجال الدين في الديانة المسيحية الذين يرتبط الكاثوليك منهم بجهة بينما يرتبط البروتستانت منهم بجهة أُخرى. و كل فرقة من الفرق مرتبطة بمركز من مراكز القوى التي تتولّى هي عملية نصبهم و عزلهم؛ في حين أن رجال الشيعة ليسوا على� هذه الشاكلة؛ إذ أنّ رجل الدين الشيعي مرتبط بالناس فحسب و يعمل للناس فحسب، و يخدمهم في الشؤون الروحية فحسب؛ و لهذا فإن المصدر المالي لرجال الدين هم الناس.
إنَّ رجال الدين الشيعة لا يخضعون لأيّة قوّة و لا يخشون قوّة و لا ينصاعون لأي ضغط. و رجال الدين الشيعة إذا وجدوا أنفسهم مكلّفين بتكليفٍ ما فهم لا يداهنون أحداً. و لا نقول ان هذه القاعدة لا يشذّ منها أحد، بل هناك شواذ و استثناءات. و الناس السيّئون موجودون في كلّ مكان؛ بل كان هناك سيّئون حتّى بين أولاد الأنبياء و الأئمّة، غير أن ما ذكرناه هو الطابع السائد لدى رجال الدين الشيعة. رجل الدين الشيعي لا تُملى عليه خطبة صلاة الجمعة من قِبل جهةٍ معيّنةٍ.

أفضل شريحة واعية
في كلّ مجتمع، الشريحة التي تشتغل في حقل العلم و الثقافة و الكتابة و التعليم و التعلّم، و تكدّ في هذا الحقل و تكدح و تزاول نشاطاً و ممارسة، و تألف هذا العمل و تعتاد عليه و تسعى فيه، و تُسمّى عرفاً بالشريحة المثقّفة و الواعية، لها دور كبير في سلامة ذلك المجتمع و استقامته. و على افتراض آخر، لها أيضاً تأثيرها في سقم ذلك المجتمع و علّته و ابتلائه من الناحية المعنوية. و نحن إذا قلنا بصحّة هذه المقدّمة، فهناك ظروف أمام هذه الشرائح ليتسنّى لها أداء واجبها في التوعية و نشر المعرفة و تنمية التوجهات العقلية و ترسيخ الدين و الأخلاق و الفضيلة في المجتمع، على النحو المطلوب. و بطبيعة الحال نحن نعتبر الدين على رأس الفضائل كلّها، بل هو الاطار لجميع الفضائل الأخلاقية و الفكرية و التنمية العقلية و الرقي الذهني في المجتمع. و لهذا فإن تلك الفئة التي تساعد على التعليم و الدعوة الدينية و التحقيق في حقل الشؤون الدينية و نشر المعرفة الدينية في المجتمع، من أفضل الشرائح المثقّفة في ذلك المجتمع، و ينبغي أن تتوفّر لها الظروف التي تتمكّن فيها أن تكون ذات فائدة؛ و من جملة ذلك فئة العلماء و الفضلاء و طلبة العلوم الدينية و سائر الفئات التي تزاول نشاطاً في حقل الشؤون الفكرية و تؤمن بالدين و تلتزم به.

شروط الحفاظ على ثقافة رجال الدين
الشرط الأوّل: أن تزداد و تتنامى� المؤهلات العلمية و الثقافية لدى أفراد هذه الشرائح و تواكب كلّ جديد. إذ أنّ كلّ صاحب علم و صاحب ثقافة ما لم يطوّر نفسه و ينمّي مكتنزاته و مؤهلاته الفكرية و العلمية يوماً بيوم؛ لن يكون ذا فائدة و عطاء على المدى البعيد؛ و يتخلّف عن ركب الحركة الفكرية للمجتمع. و من يسير في المؤخرة لا يمكن أن يكون رائداً للقوم أو دليلاً لهم. و إنّما يكون تابعاً، أو يعجز عن مواصلة المسير. على من يتصدّى لتوجيه المجتمع فكرياً أن يغذّي فكره يوماً بيوم و يصقل ذهنه و يتزوّد بالمعارف الجديدة و المعلومات المفيدة. إنّ الرقي الفكري و الوصول إلى المجاهيل و التحليق في أجواء ذهنية جديدة، مُتاحٌ أمام رجال الدين عن طريق وسائل و أساليب كثيرة مثل قراءة الكتب و قراءة القرآن و التدبّر فيه و التأمّل في المعارف الإلهيّة و أقوال الأعلام. و لأجل فهمها على نحو أفضل فإن ما يجود به العالَمُ والمفكرون و العلماء من كلّ جديد، مفيد جداً في هذا المضمار.
الشرط الثاني: من يريد أن يكون مفيداً لا بدّ له من الشعور بالمسؤولية. ففي مجال القضايا الدينية و شؤون المتديّنين يمثّل اصطلاح الشعور بالمسؤولية تعبيراً آخر عن التديّن و الالتزام الديني. و من الطبيعي ان اللاأبالية و الاستخفاف بالانحرافات لا يتماشى مع نزعة الشعور بالمسؤولية. فالطبيب الذي يرى بأمُ عينه و في دائرة و حدود نشاطه و عمله، مريضاً يتلوّى و يتالّم و لا يهبّ إلى معالجته، لهو طبيب غير ملتزم و بعيد عن الشعور بالمسؤولية. و البصير الذي يرى مكفوف بصر على وشك السقوط في هاوية و لا يُسارع إلى الأخذ بيده، لهو شخص مجرّد من الالتزام الديني و الأخلاقي. إنّ حالة اللاأُبالية و اطلاق عبارات «وما علاقتي بالموضوع؟» هو العدو الأكبر للالتزام و لما يقع على كاهل علماء الدين و المثقفين و الواعين من أبناء المجتمع، هذا هو أساس العمل.
الشرط الثالث: الشرط الآخر الذي ينبغي أن يتّصف به رجال الدين هو الشجاعة، و لكن ما معنى الشجاعة؟ معناها عدم الخوف من العدو. غير أن هذه مرحلة من مراحل الشجاعة. و هناك شجاعة أعلى منها و هي عدم الخوف من الصديق. فالبعض يخاف من الصديق أكثر من خوفه من العدو! و الخوف هنا بمعنى المجاملة و الحياء خشية فقدان هذا الصديق، و خشية أن يؤدّي كلامي هذا إلى أن يظن بي ظن السوء. إنّ أشجع الشجعان هو من يُقدّم الحقيقة و المصلحة و التكليف، على المجاملات. و هذا هو ما يُسمّى بعدم اتّباع العوام، و عدم الخضوع لنزعة الرغبة في جمع الاتباع و المريدين، و عدم الانجراف وراء الصداقات و الأصدقاء، و عدم الانصياع لتوقّعات الطامعين؛ ان هذه الامور تؤثّر في سلوك الانسان.

الفكر الجديد و الإبداع
ما معنى الإبداع؟ قد يخال البعض ان الابداع معناه أن يغمض الانسان عينيه و يطلق عنان للسانه ليقول ما يحلو له قوله! كلا طبعاً، فهذا ليس ابداعاً. إنّ الابداع يكون جيّداً إذا جاء ضمن السياقات الصحيحة. إذ ينبغي معرفة السياقات في الحوزات العلمية. الرغبة في الابداع يجب أن لا تحدو بالبعض إلى التشكيك في كلّ الأساليب و الصيغ و السياقات و القضايا الأساسية و الاصولية.
في الفقه كان هناك ابداع على الدوام. فقد كان لفقهائنا ابداعات على مدى ألف و مائتي سنة من الفقاهة الاستدلالية و الاجتهادية؛ بيد أن كل من شطّ عن سياقات هذا الخط الصحيح في الابداع غدا يُشار إليه بالبَنان، و اشتهر أمره؛ إذ اكتشفوا انه قد أخطأ لعدم معرفته بالسياقات الصحيحة لعمل الحوزات العلمية.
هناك أُطر و سياقات للتفكير الديني، و هناك أُطر للقيم الحوزوية، و هناك أُطر للاساليب العلمية، و كلّ من يشذّ عن الأساليب العلمية فعمله لا يُعدّ إبداعاً و إنّما عبث. و ممّا يدعو إلى الارتياح أن أسلوب الفقاهة في الحوزات العلمية اليوم أسلوب علمي و منهجي و مُشَذَّب.

الحرية الفكرية
ما هو المقصود بالحرية الفكرية؟ المقصود هو تحمّل الرأي الآخر. إنّ الحرية الفكرية لا تعني الإفلات من جميع الأصول و المبادئ الصحيحة و طرح شيء تحت مسمّى الفكر. كلا طبعاً فليس هذا هو المقصود. و لكن إذا طرح كلام على انّه رأي جديد، عليه أن يتحمّله. تحمّل كلام الآخر لا يعني قبول رأي الآخر، أو تركه من غير ردّ. و انّما معناه الاصغاء إلى رأي الآخر، ثمّ الردّ عليه بالأدلة.
في البحث العلمي ينبغي أن تتوفّر الأجواء التي يُتاح فيها للشخص إن كان لديه رأي جديد أن يطرح رأيه و يبيّنه. و خاصّة في البحوث العلمية التي تُشيّد مرتكزاتها على القواعد و الاسس الصحيحة في الاستنباط و الاجتهاد. هنا ينبغي أن تكون هناك قدرة على تحمّل الرأي الآخر الذي يخالفك في المعتقد.

رجال الدين و ضرورة النظرة المستقبلية
إذا لم ینظر رجال الدين للمستقبل كساحة لنشاطهم، و لم يضعوا له خططه، و لم يزيلوا العراقيل التي تعترض سبيل عملهم، فهذا يُعدّ اخفاقاً منهم. و هذا شيء لا شك فيه أبداً. رجال الدين إذا نظروا إلى المستقبل بوعي و بصيرة و تأهبوا لمواصلة حمل هذا العبء و استشرفوا وظائفهم و أعدّوا أنفسهم للعمل بها، فسيقوى عود الإسلام على مستوى العالم يوماً بعد يوم.

الفصل الخامس: الحوزات العلميّة
وظايف الحوزات العلميّة
لقد اختلفت وظائف الحوزات العلمية اليوم اختلافاً شاسعاً عمّا كانت عليه في الماضي. فواجبات الحوزات العلمية لم تعد تقتصر اليوم على إقامة صلاة الجماعة. ثم ان الخطابة بشكلها التقليدي إذا كانت خالية من الجودة و المغزى العميق، فهي لا تفي بالغرض. على الحوزة أن تبادر من غير تأخير و قبل فوات الأوان لاكتساب المؤهلات اللازمة لمواجهة الأزمات الفكرية في الحوزة ذاتها، و بين أعضائها. في الحوزات العلمية ينبغي أن تكون هناك قدرة و قابلية على التنبّؤ بما سيطرأ من أزمات فكرية. إنّ الأزمات الفكرية ليست على غرار الأزمات السياسية؛ و انّما تدبّ بهدوء و من غير صخب و تؤثر تدريجياً، ثمّ تظهر إلى السطح فجأة، في حين أن علاجها ليس بالأمر اليسير.

الأزمات في الحوزات العلمية
الأزمات تنبثق أحياناً من الكيان ذاته. و أمّا بالنسبة إلى الحوزة العلمية فليس فيها ما يدعو إلى انبثاق أيّة أزمة منها. و هذا من المزايا الكبرى في الحوزات العلمية، و له أسبابه طبعاً؛ و ذلك لأن الناس الذين في الحوزات العلمية ليس لأحد منهم ما يخشى فقدانه! و لكن من المُتَصَّوَر أن تفرض أزمة على الحوزة، أو تكون هناك محاولات لافتعال أزمة فيها. و لكن ما هو نوع هذه الأزمة؟ إنّها أزمة الهوية! غير أن هذه الأزمة ليست حقيقية، بل هي أزمة نفسية لا تعاني منها الحوزة أساساً. و انّما هناك من يحاولون إقحام هذه الأزمة عنوة في الحوزة العلمية!
و لكن ما معنى أزمة الهوية؟ معناها أن يكون هناك كيان لا يعلم ما هي حقيقة وجوده، و لأي شيء هو موجود! إذ يوحون للحوزة و كأنّها ليست ضرورية لنظام حياة الناس! و هذا تماماً كالإيحاء للقطاع الطبي و كأنّه ممّا لا يحتاج إليه الناس، أو كالإيحاء للمعلمين في بلدٍ ما و كأنّه لا حاجة لوجودهم في الحياة!
فلو ان جميع المعلمين في البلاد تركوا عملهم، فلن يموت أحد و لن يقع انفجار في أي مكان! بمثل هذه الاستدلالات السطحية الجاهلة يوحون للمعلّمين في البلد بأن وجودكم لا ضرورة له، و لو انّكم تركتم ممارسة هذه المهمّة، فهل سيبقى أحدٌ جائعاً غيركم!؟
يقولون للحوزة العلمية التي يضيء منها مشعل الهداية المعنوية و المصير الأساسي للناس إن وجودها غير ضروري! يحاولون الإيحاء لها بمثل هذا الكلام! هذا في حين أن كلّ واحد من أفراد الحوزات العلمية و رجال الدين يشعر أن وجوده ضروري حتماً و قطعاً.
إنَّ أي رجل دين إذا كان أكثر وعياً فهو أكثر عرضة لهجوم أعداء الإسلام و المسلمين. و هكذا الحال في الوقت الحاضر أيضاً. فكلّ من يكون أكثر وعياً و إدراكاً لتآمر المتآمرين الرئيسيين الذين يخططون و يرسمون السياسات المضادة للإسلام و المسلمين، يكون مبغوضاً أكثر!
ما هي فائدة رجال الدين؟ إنّ مهمة رجال الدين تبيين الدين. و كلّ من يؤمن بالدين يحتاج إلى مَن يبيّن له الدين.
على الحوزة العلمية أن تحمل و ترفع قولاً و عملاً ما لديها في هذ المجال من كلام صائب، و دقيق، و فقهي، و صادق، و رصين. عليها أن تعمل ما مِن شأنه بحيث لو اثيرت ضدّها أمثال هذه التساؤلات، لكان ذلك بمثابة إثارة هذه التساؤلات ضد الأطباء و القطاع الطبي في البلد؛ و هذا هو واقع الحال، بل إنّ هذا الطبّ أسمى و أرفع من ذاك. إنّ طبابة الروح و الطبابة المعنوية طبابة لراحة النفس و أمنها. «فأي الکانبین أحقّ بالأمن». هذا ما لا يفهمه أي كان؛ و إنّما يفهمه ذوو النظر الدقيق. يجب على الحوزات في هذا المجال أن تقوم بعملها على أتمّ وجه، و أن تكون في يدها إجابة واضحة و صريحة و قاطعة، ليكون الجميع على بيّنة من الأمر.

أهمية طلبة العلوم الدينية في الحوزات العلمية
لو افترضنا ان الحوزة تتألّف من أربعة عناصر أساسية و هي (الاستاذ، و الطالب، و الجو الدراسي، و المواد الدراسية)، لعله يمكن القول ـ انطلاقاً من أحد الأوجه ـ إنّ أهم هذه العناصر هو العنصر الطلابي؛ و ذلك لأن كلّ العناصر و الامكانات الاخرى قد وجدت لأجله. فلو لم يكن هناك طلبة لما كانت هناك حاجة لوجود الجو الدراسي، و لا المناهج الدراسية و الكتب، و لا الاستاذ و علمه و فنه في إلقاء المحاضرات. هذا أحد طرفي القضية في ما يخص الحوزات العلمية.
و امّا الطرف الآخر فهو أنّ مستقبل العالم الإسلامي رهن بأيدي طلبة اليوم. أي أن طلبة اليوم الذين يُعدّون أفضل عنصر في الدعوة و الإعلام، يمثل في الغد أيضاً أفضل عنصر في الدعوة و الإعلام. على الطلبة الشباب أن يغتنموا كلّ فرصة تسنح لهم للتعلّم و اكتساب المعرفة. فطالب العلم يمرّ في الفصل الذهبي من حياته. و من يبدأون الدراسة و التعلّم منذ سنّي شبابهم؛ (أي في سنوات السادسة عشر و السابعة عشر و الثامنة عشر من أعمارهم) تكون أمامهم إلى سن العشرين فرصة ذهبية لا تتكرّر مرّة أُخرى. و من يريد التعلّم عليه أن يتعلّم في هذه المدّة. وأما إذا قضى الطالب هذا الدور في الاهمال و التهاون و اللاأُبالية و العبث ـ سواء في أجواء الدرس أم في خارجه ـ يكون قد مُنيَ بخسارة كبرى.

علاقة الحوزات العلمية مع الحكومة
في الماضي كانت الحوزات العلمية تتّخذ إزاء الحكومات سواء كانت في الأجواء الشيعية أم غير الشيعية، ثلاثة أنواع من المواقف هي:
الموقف الأوّل: إنّها كانت ترتبط بالسلطات الحاكمة، و بهذا فهي كانت حوزات حكومية ـ في المجتمعات المسيحية كان أوساط رجال الدين و لا زالت تسير وفق هذا النمط من العلاقة و المواقف. و حتّى في المجتمعات غير الشيعية يُعدّ رجال الدين قطاعاً من القطاعات الحكومية و تابعین للدولة. إلا أنّ هذا الأمر مرفوض من وجهة نظرنا و لا نرتضيه، و نرى فيه انتقاصاً من شأن رجال الدين. فالأجهزة الحكومية تمر بمراحل من التقلّبات و الاضطرابات و مستقبلها لا يمكن التنبّؤ به على وجه الدقّة؛ و رجال الدين يجب أن يحتفظوا لأنفسهم على الدوام بالقدرة على التواجد القوي بأسلوب النصح أو بما يشبه التدخّل، و إلا فهم لا يستطيعون القيام بأي عمل. و هذه الميزة لا تتماشى مع كونهم تابعين للدولة أو جزءاً من الحكومة فالحوزة يجب أن تكون مستقلّة.
الموقف الثاني: أن تكون الحوزة على الطرف المضاد و النقيض للحكومة. مثلما هو الحال بالنسبة إلى الحوزات العلمية في ايران قبل الثورة الإسلامية، و في بعض مراحل الماضي البعيد حيث كان رجال الدين الشيعة يقفون بوجه الأجهزة الحاكمة. و يُعزى سبب ذلك إلى أن تلك الأجهزة كانت أجهزة ظلم و كفر و فساد، و كان رجال الدين يُعارضون هذه الأوضاع. و من البديهي إنَّ هذا الموقف لا وجود له اليوم. فالحوزة العلمية للإسلام لا تستطيع اليوم أن تعارض حكومة رفعت راية الإسلام عالياً و اعزّت الاسلام و أخرجت الشريعة إلى دائرة الضوء و وضعتها من حيث الكرامة و الاعتبار فوق أعالي الذرى في العالم. و على هذا الأساس فإن الموقف الثاني مرفوض أيضاً. إنّ الحكومة الموجودة اليوم في المبنى و الأساس هي وليدة الحوزة العلمية و منبثقة منها، فأنّى للحوزة أن تعارضها؟!
إنّ هذا النهج أيضاً غير مقبول اليوم. فإن كان رجال الدين يتّخذون اليوم إزاء الحكومة موقف اللامبالاة و التجاهل، فإن ذلك يعود عليهم بالضرر من جهة، و يتسبّب في وهن الحكومة الاسلامية من جهة أُخرى. إنَّ الحكومة الاسلامية حكومة القرآن، و حكومة الفقه و الفقيه و حكومة العدل و العلم. و هذه الحكومة غايتها نشر التطلّعات الاسلامية. لقد كانت إقامة الحكومة الاسلامية حلم كلّ الأولياء على مرّ التاريخ. و من واجب كلّ فرد مؤمن الذود عن هذا الكيان السياسي الذي يروّج للاسلام و يُطبّق أحکامه. فهل يمكن لعالم الدين أن يقف من الحكومة موقف التجاهل و اللامبالاة؟ الطاغوت معناه من يقيم أو يؤسّس كياناً في مقابل الله، و يجعل منه أنداداً لله، و شركاء لله، إنّ من يعتبر نفسه عبداً مطيعاً لله، عليه أن يسعى لتحقيق الأهداف الإلهيّة، و يمرّغ جبهته بالتراب ليلاً و نهاراً خشوعاً لله ليمنّ عليه بالتوفيق لخدمة دينه. هؤلاء إذا أمسكوا بزمام السلطة في البلد، يصبح من واجب الجمیع حمايتها كواجب العبادة.
الموقف الثالث: أن تكون الحوزة العلمية مستقلّة عن الحكومة و متعاونة معها. فهي تمارس دورها ضمن هذه المنظومة الكبرى الملقاة اليوم على كواهل الجميع. و هي في الوقت ذاته غير مرتبطة بالدولة و لا تابعة لها؛ غير أنّها تؤازرها و تدعمها. كما انّها تقدّم لها الخدمة، و تسدي لها النصح و تقدّم لها الارشاد و التوجيه و تبيّن لها أحكام الاسلام و تعاليمه.
إنَّ الحوزة العلمية مستعدّة على الدوام و بالنحو الصحيح و القوي لمؤازرة هذه الحكومة الاسلامية التي تحوّلت اليوم بفضل الله إلى قوّة عزيزة و منيعة و كريمة في العالم.
كلّ من يدخل إلى الحوزة اليوم بغية التعليم و التعلّم، عليه أن يضع نصب عينيه هذه الغاية و هي إنّني أريد أن أغدو ـ على قدر طاقتي و مؤهلاتي طالباً فاضلاً، أو مدرساً معروفاً، أو مرجعاً، أو ركناً من أركان الحوزة لكي أُقدّم العون لنظام الجمهورية الاسلامية و مسؤوليها. على طالب العلوم الدينية أن يضع هذا النهج و هذا المسار نصب عينيه منذ البداية و حتّى النهاية. هذه الأمور يجب أن تتحوّل في الحوزة العلمية إلى ثقافة.

منطلق حركة الحوزات العلمية
على الحوزات العلمية أن توسّع و تنظّم و تجدّد تحرّكها وفقاً لثلاثة منطلقات:
المنطلق الأوّل: الفقه التقليدي و الجواهري، و قد كان هذا تعبير الإمام الخميني. فصاحب كتاب الجواهر [= جواهر الكلام] مثال للفقيه الملتزم بمقررات الفقاهة و القواعد الأصولية و الفقهية. لقد كان عالماً أصولياً ملتزماً و دقيقاً و منظّماً بحيث لم يتجاوز أبداً الموازين الفقهية الرائجة بين الأصوليين. و كان عند بحثه لكلّ مسألة، يتحرّى ما فيها من الشهرة و الإجماع و ظواهر الأدلّة و الأصول و كلّ ما يدخل في عِداد الوسائل المتعارفة في عمل الفقاهة، و يطبّقها بحذافيرها بذات الدقّة التي بعمل بها الفقيه الأصولي. و على هذا الأساس فإن الفقه الجواهري هو ذلك الفقه التقليدي الرائج بمنهج الفقاهة. و هذا المنهج هو كيفية معالجة المسألة فقهياً.
الشيعة ليس لديهم فقه تقليدي و آخر متحرك. و انّما الفقه المتحرک لديهم هو ذلك الفقه التقليدي. صفة المتحرک هذه تطلق على الفقه بمعنى أنّه يعالج مشاكل الانسان و يجيب عما يطرأ فيها من مستجدّات الحياة. و يُقال أيضاً إنّه تقليدي بمعنى أنه يسير على اسلوب و منهج يأتي الاجتهاد وفقاً له وفي سياقه. و قد كان هذا الاسلوب متّبعاً على مدى قرون، و أثبت كفاءته.
المنطلق الثاني: التزكية الأخلاقية، فالشخص الذي ينخرط في مسلك الحوزة العلمية، إن لم يأخذ بنهج التزكية الأخلاقية يكون مثله كمثل اللّص الذي يأتي ليلاً حاملاً مصباحاً. و هذا طبعاً ممّا يزيد الطين بلّة.
المنطلق الثالث: الوعي السياسي، إنّ رجل الدين حتّى لو كان أعلم العلماء، و لكن لم يكن عارفاً بزمانه لا يمكن أن يكون مفيداً للمجتمع الإسلامي المعاصر. و هو إن لم يدرك ما الذي يروم الاستكبار فعله، و من هم أعداء الاسلام، و من أين يتغلغلون، و إن لم يكن على معرفة بما يجري في المجتمع و ما المشاكل التي تعتمل فيه، و ما السبيل إلى علاجها، و إن لم يكن یعرف ما هو موقعه من الاصطفافات و التخندقات الجارية في عالم اليوم، لا يمكنه القيام بدوره الحقيقي.

الفصل السادس: رجال الدين في معترك السياسة
علاقة رجال الدين بالسياسة
مِن الامور المهمّة جدّاً بالنسبة إلى رجال الدين، هي قضية علاقتهم بالسياسة. و لكن بأي معنى؟ بمعنى أن تكون لديه قدرة على التحليل السياسي. رجال الدين ينبغي أن يكونوا سياسيين؛ و لكن لا بمعنى اقحام أنفسهم في التحزّبات و التكتلات السياسية؛ و لا بمعنى أن يصبحوا ألعوبة و أداة بيد هذا الحزب أو تلك الفئة السياسية، أو بأيدي محترفي السياسة. كلا طبعاً فليس هذا هو المقصود. و إنّما المقصود أن يكون لديهم وعي سياسي، و قدرة على التحليل السياسية، و أن تكون لديهم بوصلة سياسية سليمة تؤشّر لهم الاتجاه الصحيح. يجب أن يطّلع رجل الدين على القضايا السياسية، و أن يكون على معرفة بالحوادث السياسية في البلد و على معرفة بالحوادث السياسية في العالم. طلبة العلوم الدينية اليوم بحاجة إلى معرفة هذه القضايا. إنّ الانغلاق على الذات، و الاعتزال في زاوية، و تحاشي الخوض في قضايا البلد و المجتمع، و الجهل بالحوادث و الوقائع سواء السلبية منها أم الايجابية، يبعد الشخص عن مجريات الامور. في حين أن رجال الدين مرجعية للناس؛ بمعنى إنّ الناس يرجعون إليهم. فإن صدرت منهم إشارة مغلوطة، أو إذا جرى على ألسنتهم ما يبتغيه العدو، فسوف يتمخّض عن ذلك ضرر فادح. و انطلاقاً من ذلك فإن التنحّي عن السياسة ليس عملاً صائباً، و لا ينسجم مع طبيعة رجل الدين الشيعي.
إنّ الكثير من الساسة يقعون أحياناً في أخطاء كبرى، و مَردُّ ذلك أنّهم لا ينظرون إلى قضايا البلد و العالم نظرة كلية؛ و انّما ينظرون إليها نظرة جزئية و معزولة. يجب النظر إلى القضايا نظرة كليّة. طالب العلوم الدينية و رجل الدين يجب أن يكون على معرفة بالسياسة؛ و أن يراها من خلال نظرة كليّة.

رجال الدين و الحكومة الإسلامية
المعممون و العلماء و رجال الدين يمكن أن ينظروا إلى هذه الواقعة ـ واقعة قيام حكومة دينية في بلد كبير و في منطقة حساسة، و في بقعة أساسيّة و بالغة الاستراتيجية في هذه المنطقة من العالم ـ بنوعين من الرؤية: نظرة تؤدّي إلى التقدّم، و نظرة تؤدّي إلى التأخّر و الانحطاط. النظرة التي تؤدّي إلى الانحطاط هي تلك الباحثة عن الفرص، و الميالة إلى طلب الراحة أو التي لا تهتم و لا تبالي بالأهداف و لا بالتطلّعات. و امّا النظرة التي مؤدّاها التطوّر و التقدّم فهي تلك التي تستشعر ضرورة التواجد في ساحة المجابهة. المعممون و رجال الدين إذا لم يمت في نفوسهم الشعور بالتواجد في الساحة، فإن هذه الحركة ستتطور يوماً بعد آخر. و الطائفة الأكثر نشاطاً و تحرّكاً من بين هاتين الطائفتين، ستكون هي الأكثر تأثيراً.

طبيعة رجال الدين المسؤولین في الجمهورية الإسلامية في إيران
إنّ كلّ واحد من رجال الدين الذين يتولون مسؤوليات تنفيذية في الجمهورية الإسلامية في إيران، هو رجل دين بالدرجة الاولى، و مسؤول في الدرجة الثانية. بمعنى ان أحدهم إذا اعتزل هذه المسؤولية أو عُزِل عنها سيبقى رجل دين و سيظل يواصل عمله كرجل دين. هذه قضية كبرى و ذات أهمية قصوى، و يجب النظر إليها باهتمام. ثم إنّ الارتباط مع الناس ارتباط متبادل و وثيق. فالناس يتعاطون مع رجل الدين، و رجل الدين يتعاطى مع الناس. تعاطي رجل الدين مع الناس لا يقتصر على شرح المسائل الشرعية فقط، و انّما يحلُّ المستعصي من عُقد حياة الناس و يقدّم لهم المشورة الفكرية، و يبتّ في النزاعات و الخصومات؛ أي أنه يتعاطف مع الناس. و هذه الخصوصية أدّت إلى أن يكون لرجال الدين الدور الريادي في خضم التحوّلات الاجتماعية الكبرى التي حصلت في إيران ـ التي هي أهم بلد شيعي في العالم.

سبب العداء لرجال الدين
لا شك في أن رجال الدين يُعدّون أحد الأهداف التي توجه إليها سهام هجمات الأعداء اليوم. فهم يريدون القضاء على رجال الدين برمّتهم. و لا تُساوركم أي شكوك في هذا. صحيح ان هناك من بين رجال الدين من هو مستهدف في هذه الهجمات و يجعلون له الأولوية فيها، غير أن نظرة العدو في ختام المطاف هي ان رجال الدين ككل يمثّلون وجوداً مخلاًّ و مضراً و مزاحماً؛ و ذلك لأن رجال الدين متمسّكون بالمعارف الدينية، إلا من غاص منهم كلياً في شراك الشيطان، و هذا بطبيعة الحال نادراً ما يحصل. إنّ التوعية الاسلامية اليوم أهم درع يمكن أن يتدرّع به المجتمع الاسلامي لصد هجمات الأعداء؛ و لهذا فإن الأعداء يغيضهم وجود رجال الدين و التواجد الفاعل لرجل الدين. و إذا كان رجل الدين مؤمناً و ناشطاً و كفوءاً و ذكياً و فطناً، فهو يغيضهم أكثر و يوجهون إليه سهام هجماتهم بشكل أشد. يجب أن تتولّى الحوزات العلمية إعداد أفاضل واعين، و علماء، و فقهاء، و فلاسفة، و متكلّمين، و مفسّرين، و محدّثين، و أن يكونوا في الوقت ذاته على معرفة بقضايا العالم و بممارسات العدو و أساليبه.

الوقوف بوجه الاستبداد
ان استقلالية رجال الدين و علمائه و عدم تأثير القوى الداخلية و العالمية فيهم، جعلت العتاة و الحكام المستبدّين غير قادرين أبداً على ازاحة هذه الفئة الربانيّة عن مواقفها المعارضة لما كانوا يرتكبونه من مفاسد و خيانة. و إذا كان هناك من المعممين الخونة و الملالي التابعين للبلاط، من جسلوا ـ بدافع الطمع في حطام الدنيا الزائلة ـ على موائد الظالمين و أيّدوهم في القول و العمل، فإن الأكثرية من العلماء و رجال الدين و الفضلاء، و طلبة العلوم الدينية الشباب، بقوا في عصمة المنعة و الورع و التحرّز و العفّة، و حافظوا على الإرادة و القدرة على النضال الصادق و الحثيث، و عزّزوا في قلب كلّ واحد من أبناء الشعب الاعتقاد الراسخ بصدق رجال الدين.

محاولات الاستعمار للقضاء على رجال الدين
كانت محاولات الاستعمار في كلّ أرجاء العالم الاسلامي منصبة على القضاء على علماء الدين و ازاحتهم عن الساحة، او الإساءة إلى هويتهم الحقيقية و تجريدهم منها. حتّى ان فئة رجال الدين انحسرت في بعض البلدان و غدت عبارة عن مركز أو مكتب مركون لا يؤدّي سوى بعض الأعمال البسيطة، و لیس على صلة الحياة اليومية للناس، بل حتّى ان رجل الدين لم يكن قادراً على المبادرة إلى تعليم الدين.
و أمّا في المجتمعات التي كان يتعذّر فيها القضاء على رجال الدين، فقد حاولوا ربط هذه الشريحة بالبلاط و مراكز السلطة الفاسدة و بالحكومات الجائرة. فالملالي التابعون للبلاط، الذين يُشار إليهم في كلمات الإمام الخميني (رض) بالقبح و الاشمئزاز، أوغلوا في خيانة الاسلام و المسلمين. قال الإمام السجاد (ع) لأحد الأشخاص الذين كانوا معروفين في زمانه: «…. فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً، مع الخونة…جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، و جسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، و سلماً إلى ضلالتهم…. ».(1) إنّ العالم الذي يبرر ظلم الأجهزة الفاسدة لهو أسوأ منها. و رجل الدين الذي يعمل وفقاً لمخططات الاستكبار، لهو أقبح عملائه و أقذرهم؛ و ذلك لأنه يروّج لما باطنه الباطل بما ظاهره الحقّ.

الفصل السابع: رجال الدين؛ مواطن الوهن و الثغرات
التحديات السياسية أمام رجال الدين
الاستكبار العالمي و أمريكا بما لهم من عظمة ظاهرية يناهضون، لا بل و ينصبون العداء لكلّ واحد من رجال الدين فرداً فرداً. و ينظرون إلى كلّ واحد من رجال الدين على انّه مصدر للتوعية و مصدر لفضحهم. و إنّ هذا المصدر إذا أصبح فاعلاً و أخذ يعمل و يبدي ما لديه من مقدرة و مؤهلات، فسيجعل الأمور مستعصية على الاستكبار المعادي. و هم ينظرون إلى كلّ واحد من رجال الدين على انّه بمثابة خميني بالقوّة. إنّهم ينظرون إلى كلّ معمّم و إلى کل طالب علوم دينيّة و إلى كلّ واحد من رجال الدين على انّه عدو. و لكن ما السبب في ذلك؟ إنّ السبب في ذلك يعود إلى انّهم قد بنوا كلّ مخطّطاتهم على التعتيم و على كتمان الحقائق و إسدال السِتار على مجريات الامور. و النهج الأساسي الذي يسير عليه الاستكبار اليوم هو التدليس و الخداع، أو حسب التعبير الشائع عند العرب اليوم «التعتيم الاعلامي»؛ أي إثارة الغبار في الأجواء، أو حسب التعبير القديم لدينا «تعكير الماء». و في مثل هذه الأجواء إذا اتيح لهم التعتيم على كلّ شيء، ثمّ ظهر عند ذاك من ينير الأضواء الكاشفة، فما الذي سيصيبهم؟ و ما سيكون موقفهم منه؟ رجل الدين هو الذي ينير الأضواء الكاشفة. و لهذا السبب فهم يعادون علماء الاسلام و خاصّة الشيعة منهم. و سبب ذلك أن علماء الشيعة مستقلون.

المحكمة الخاصّة برجال الدين و موقعها في نظام الجمهورية الاسلامية
ان وجود محكمة خاصّة برجال الدين لا يعدّ امتيازاً لرجال الدين. فهذه المحكمة قد أُسّست في البداية بأمر من الإمام الخميني من أجل التقييد على سلوك رجال الدين. و كان السبب في تأسيس هذه المحكمة هو أنّ التصوّر الذي كان سائداً أن رجل الدين حين يدخل المحكمة العادية يكون له امتياز تلقائي. فهو بالنتيجة رجل دين و له احترامه، و لكنّه في الوقت ذاته متّهم. و في مثل هذه الحالة قد يميّزون بينه و بين الشخص العادي. و عندما تكون هناك محكمة خاصّة برجال الدين فلن يحصل مثل هذا التمييز. إنّ المحكمة الخاصّة برجال الدين محكمة مثل بقية المحاكم و لا تختلف عن أيّة محكمة من المحاكم الأُخرى في طهران مثلاً. و إن كان هناك تصوّر يفيد بأن في هذه المحكمة امتياز لهم، فالأمر ليس كذلك أبداً. و انّما هو نوع من التضييق عليهم. انني بصفتي رجل دين ـ و أنا شخصياً لديَّ حساسية فائقة إزاء مسألة الفساد بين رجال الدين ـ أقول إن هذه المحكمة مفيدة، و لا ضرر فيها.

الغرور
الآفة التي يمكن أن تصيب رجال الدين اليوم هي آفة الغرور؛ و هي أن يدور في خلده إن لديه امتيازاً، و هذا ما يؤدّي إلى أن تكون له من الناس توقّعات في غير موضعها. إنّ هذا الغرور أعظم آفة.

عدم الإدراك المناسب لحاجة المتلقّي
الآفة التي يمكن أن تحصل لرجل الدين هي عدم تشخيص الحاجة الدينية للناس في الوقت الحاضر. و لا يعلم ما هي التساؤلات و الاستفسارات التي تدور في أذهان مخاطبيه اليوم ـ و جلّهم من الشبّان ـ و يريدون طرحها على علماء الدين. فهذا بطبيعة الحال خطر كبير.

التحجّر
التحجّر هو البلاء الأساسي، ذلك ان التحجّر يحول دون حصول أي تطوّر. و إذا لم يحصل تطوّر فذلك يعني التحلّل و الفناء. إنْ لم يتحقّق التطور فعند ذاك يخيّم على الحوزات السكون و السكوت و الركود و على اثر ذلك ينتابها التحلّل.
ينبغي أن لا يحصل خلط بين التحجّر من جهة و الحفاظ على الأصول و القيم من جهة اخرى.
الاصول الحوزوية يجب الحفاظ عليها، و لكن هذه شيء آخر غير التحجّر. فالتحجّر معناه تجاهل المتطلّبات الضرورية للحركة العلمية و عدم الأخذ بها. إنْ كان هناك ما هو ضروري للتقدّم العلمي فلا بدّ من توفيره و الأخذ به. و إن كان هناك طريق أقصر، أو خال من المخاطر، أو أكثر ثراءً و عطاءً فلا بدّ من استطلاعه و التعرّف عليه، ثمّ بعد ذلك توفير وسائط الحركة للسير فيه. يجب أن لا يكون في الحوزات العلمية تحجّر. لقد كان أكثر علماء الحوزات فائدة لطلبة العلوم الدينية، هم العلماء الأكثر تجديداً.

الفساد
الفساد لا فارق فيه بين رجل الدين و غيره. و لكن إذا فسد رجال الدين فالضرر الناتج عن فسادهم أعظم و أفدح. طبعاً ربّما لا تنحصر كلمة العالم هُنا بعالم الدين وحده. فالدكتور أيضاً إذا فَسَد فإنّ تأثير فساده كثير. كلّ عالم، و كلّ من يؤثّر بعلمه في وضع المجتمع. فإن فساده أعمق و أوسع من فساد غيره. و لكن العالم الذي إذا فسد يكون فساده أشمل هو عالم الدين. و سبب ذلك واضح طبعاً؛ و ذلك لأن الناس يثقون بعالم الدين من أعماق قلوبهم و في قرارة أنفسهم. و ينقادون له و يطيعونه. فإن انجرف رجال الدين لا سمح الله نحو الفساد، فمن الطبيعي أن يكون ضررهم أشدّ و أعظم من ضرر سواهم. رجل الدين الفاسق لا يمكن أن يُسمّى رجل دين؛ و ذلك لأنّه قد نأى� بنفسه عن هذه الصفة و ابتعد عنها.

 

————————————————–

الهوامش:
(1) تحف العقول، ابن شعبة الحرّاني، ص 275.

تعليق