2018.10.16

بنية الخطاب الثقافي عند آية الله الشيخ عبدالهادي الفضلي/ الشيخ محمد مدن عمير

- Sayyed-alakwan | 2014.08.04

الوفاق تعزي بوفاة آية الله عبدالهادي الفضلي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

بنية الخطاب الثقافي عند العلامة الفضلي لها عدة مميزات، تنسجم مع ذهنيته العلمية المنفتحة، وأسلوبه الممنهج في عرض المعرفة، والأهم بالكم الهائل من الطاقة الأبوية العلمية التي يستيطع أن يمنحها للآخرين، على أن من الشروط الموضوعية للتعرف على تلك الميزات، هو التواصل الإنساني والعلمي معه، إذ أننا بفقدان هذين الشرطين لا يمكننا – حسب زعمي- الاكتشاف الموضوعي لتلك البنية.
وفي سياق اهتمامي بهذه الشخصية المميزة في واقعنا الإسلامي؛ حاولت اكتشاف الطبقات العميقة لتلك البنية التي تمظهرت في الخطاب الثقافي لسماحته.
وقبل البدء في صلب القراءة، لابد أن أوضح المدلول المقصود من مصطلح (الخطاب الثقافي)، فهو: العملية التواصلية الشفهية بين طرفين أو أكثر، بغرض إنتاج فكرة ما أو إعادة بنائها.
فالخطاب الثقافي كأي خطاب، يشتمل على: المخاطِب والمخاطَب والمحتوى وأداة التواصل.
عينات القراءة:
ولأن العينات التي اعتمدنا عليها في قراءتنا هذه هي عينات (شفهية) قدمها سماحة العلامة الكبير الشيخ عبدالهادي الفضلي، بأسلوب المحاضرات أو اللقاءت الحوارية في مجتمع محدد، يتسم بالتدين والثقافية؛ فإن أداة التواصل هي (الشفهية اللفظية) ومقوّم المحتوى هو الفكر الإسلامي.
وتلك العينات كانت عبارة عن (25) محاضرة دينية/ ثقافية ألقاها سماحته في حسينية الناصر في سيهات، في شهر رمضان المبارك لأعوام متلاحقة، قمت بسماعها وملاحظتها، لتتسنى لي تدوين هذه المحاولة في القراءة.
كما أن هناك عينات (مدوّنة) تمثل ما خطه يراعه المبارك، قام بتحليلها أخي الفاضل الشيخ عبدالغني أحمد العرفات في مقاله الشيّق (فن ومنهج الكتابة عند العلامة الفضلي)، وعينات أخرى تخصصية (فقهية، أصولية، ..) قام الكثير من المهتمين بتراثه بقراءتها.

الميزة الأولى: علمية الفكرة
على النقيض مما نسمعه من خطابات ثقافية في (الجو الثقافي)؛ فإنك تكاد تجزم بأن كل خطاب تتفاعل معه، هو خطاب مدروس من الناحية العلمية، بل هو خطاب تم تكوينه وتشكيله عبر عدة تجارب علمية سابقة على هذا اللقاء الثقافي أو تلك المحاضرة العلمية.
هذا ما نسميه بالبنية الفكرية للخطاب، إذ أن سطح الخطاب يعبر عن كفاءة علمية عالية، منسجمة مع التجربة العلمية والعملية التي خاضها في الساحة الإسلامية.

الميزة الثانية: وضوح الفكرة
كثيراً ما يربط الذهن العام بين ثنائي (البساطة والوضوح)، لكنه ربط (بدوي) إن صح التعبير، سريعاً ما يزول إذا ما عرفنا أن الوضوح يعني: السمة التي تحفظ وصول المعاني والمصطلحات والأفكار المتنوعة إلى ذهن المتلقي. وهذه الميزة تنسجم مع الخطاب السطحي العفوي، الذي يحتفظ بمقدار ضئيل من عمق المعرفة، كما أنه ينسجم مع الخطاب العميق المبني على تراكمات الخبرة المعرفية والعملية، كخطاب سماحته.
لذلك، فإن تهمة (البساطة) أو (عدم العمق) الذي يتهم بها خطابه أو تأليفاته المتنوعة المتعددة، خاصة في المجال الحوزوي التعليمي، سرعان ما تتبدد بعد التأمل الوافي في (كل) الخطاب، أي في سياقه وأفكاره والفئة المستهدفة منه.

ومفردات الوضوح في خطاب سماحته تتبلور في:
1- هندسة الخطاب، فمنذ البداية تجد اللمحة الإجمالية عن الفكرة التي سوف يقدمها من خلال تعريفه بالعنوان، وتوصيفه للمنهج المستخدم في بلورة الفكرة.
2- تدرج الفكرة، فهو يبدأ بخطوات منطقية متسلسلة، كي تصل الفكرة إلى ذهن القارئ متكاملة.
3- وحدة الفكرة، فهو يركز جهده على تبيين أطراف الفكرة وعمقها، بعيداً عن استحضار أفكارٍ متعددة، حتى لا يسبب التشتت للمتلقي.
4- تجميل المصطلح، من خلال توضيح معناه وتفسيره، ومناقشة التأويلات حوله.
5- الخلاصة، فهي تمثل عصارة أفكاره طيلة اللقاء الثقافي.

الميزة الثالثة: الهيمنة الروحية
ونريد بها: الشخصية العلمية الأبوية، أو الهالة الروحية المنبثقة من قلب وعقل المخاطِب، وليست تلك المنبثقة من خطابه.
فالخطاب الثقافي الناجح، في الدائرة الإسلامية، هو الخطاب الذي يمتزج في العقل والقلب، ليصدر في ذبذبات صوتية، لتفتح عقل وقلب المتلقي بالمعرفة، وتعطيه فرصة للقاء الحواري حولها، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ .
ولعل ذلك الامتزاج هو الشرط المقوِّم للموعظة الحسنة في المصطلح القرآني، ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
وتلك الكاريزما عند سماحته ليس من الصعب اكتشافها، فجلسة واحدة في محضره تكفي لاكتشاف البعد التربوي في شخصيته، والمتمثل في تقديم خطاب ثقافي إسلامي متماسك، يرجو فيه عقل الآخر وقلبه، لأجل تطويره أو تغييره، مما يجعلنا نضيف سمة إضافية لخطابه الثقافي الإسلامي وهي: (الانتاجية).

الميزة الرابعة: الانتاجية
وتتمثل في تخريج دفعات من المؤمنين بالفكر الإسلامي عبر مواسم التخاطب، وهذه السمة هي الغاية القصوى للمتدين الرسالي، فضلاً عن المفكر الإسلامي كسماحته.
وإعجابي بهذه الميزة يدفعني للتأكيد على الفكرة الأساسية، وهي: إن وظيفة المثقف المسلم كوظيفة الفقيه الإسلامي تنصب في ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، ولا تقتصر وظيفته على (إنتاج الثقافة) بل (إنتاج المثقفين)، لأن إنتاج الثقافة تعبير عن (شَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)، لكن الشرط الموضوعي لـ(تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) هو إنتاج المثقفين.

الميزة الخامسة: الفخامة الصوتية
لأن النبرة الصوتية تمثل 38% في معادلة التأثير في أي خطاب، ولأن حديثنا عن (الخطاب) الإسلامي الشفاهي الذي مارسه سماحته؛ فإن الإشارة إلى هذه الميزة يعد أمراً بالغ الأهمية.
عند مراجعة العينات الصوتية، والجلوس في مجلسه العلمي، نجد أنه نغمته أو نبرته الصوتية تتميز بـ(الضخامة/ الفخامة) و (الهدوء)، وهذا الامتزاج يوصل رسالة للاوعي المستمع بأن هذا الخطاب ليس لإيصال فكرة سطحية، أو وعظية محضة، بل لإيصال فكرة مدروسة بكل عناية، مما يجعل المستمع الجاد يشتغل بالتفكير أثناء الاستماع لكلماته.
قد يفتقر خطاب سماحته إلى التنوع في استعمال النبرات الصوتية، إلا أن البديل الذي استعمله (بوعي أو بلا وعي) هو استعمال المفردات المعبِّرة عن كل فكرة يريد فيها أن يرفع سقف التوقع أو التساؤل أو التفكير.

الميزة السادسة: الأصالة والمعاصرة
من الملفت في كل المسيرة العلمية لسماحته انتماؤها إلى مدرسة (التجديد) والمجددين، بدءاً من تلمذته على الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (ره)، والمجدد الشيخ محمد رضا المظفر (ره)، إلى طبيعة تفكيره الساعية إلى سد الثغرات العلمية داخل الحوزة المباركة من خلال تبنيه تدوين (مناهج) علمية بلغة رصينة ومنهجية، وصولاً إلى طبيعة الخطاب الذي يعتمده.
كل هذه الظاهرة التجديدية، بغض النظر عن معنى التجديد وأسلوب تطبيقه، لم تفقد شروط التجديد، والتي من أهمها: ثنائية الأصالة والمعاصرة، فلم تكن الرغبة في الاستفادة من لغة العصر وأدواته ومناهجه، في إلغاء عنصر الأصالة والانطلاق من الجذور الإسلامية العميقة.
وهذا ما نراه في خطاب سماحته، فتجده يهتم بتقعيد المصطلح، وتوظيفاته، ورأي الإسلام فيه، كما فعل عند بحثه في (الدلالة و الحرية و حق الحياة) وغيرها من المصطلحات المعاصرة، ولا أتكلم هنا عن ما دونه من مقالات علمية، فهي أظهر من أن أسلط الضوء عليها، بل الحديث عن خطابه المباشر مع الجمهور، مما كساه هيبة علمية إضافية.
لذا، فإن خطاب سماحته اعتبر –ولمدة اشتغاله بالمحاضرات والندوات في منطقة إقامته- الخطاب المعاصر، الملبي لاحتياجات الشاب المثقف والواعي.

أخيراً:
أشكر الله سبحانه على توفيقه في رصد مميزات الخطاب الإسلامي لشيخنا سماحة آية الله الشيخ عبد الهادي الفضلي (حفظه الله)، وأقدم كل ذلك هدية بين يديه، راجياً منه القبول، ومن الله عز وجل حسن المثوبة، والحمد لله رب العالمين.

تعليق