2018.05.23

السُّـكنـَى ليست من المرأة فقط! / بقلم السيد أمين السعيدي

- Sayyed-alakwan | 2014.05.19

إنّ قولَ الله تعالى خـَـلَقَ لكم مِن أنفُسِـكم أزواجاً لتَسكنوا إليها في الآية القائلة: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الروم: 21]، فقوله تعالى خـَـلَقَ لكم من أنفُسِكم أزواجاً لتسكنوا إليها، لا يَـقصد الزوجة فقط، بأنّ الرّجل يَسكن إليها، بل تعم الزوج والزوجة معاً، فهما متبادلان في ذلك، فكما هي سكن له هو أيضاً سكن لها.

● إشكال قد يتوهّمه البعض، وهو أنّه قد يقال:

إنّ الآية قالت من أنفُسِكم، واُمـُّـنا حَوّاء خُـلِقتْ من نفس أبينا آدم عليهما الصلاة والسلام؛ وبالتالي يكون مقصود الآية هو المعنى الأول؛ أي أنّ المرأة هي سكن الرجل، والرجل ليس سكنها؛ ذلك لأن الآية تخاطِب جهة معيَّنة، وكأنها تقول هكذا:

خَـلَقَ اللهُ لك يا آدم من نفْسك زوجة لتسكن إليها. ولم تقل الآية مثلاً: خَـلَقَ اللهُ الذكرَ والأنثى ليَسكن كل من الزوجين للآخر بالتبادل فيما بينهما.

الجواب: –

أولاً: في قضية خَـلْق الإنسان يوجد اختلاف بين العلماء؛ فهناك رأي يقول بأن اُمَّـنا حواء سلام الله عليها خَـلَقها الله تعالى من نفْس جسد أبينا آدم عليه الصلاة والسلام.

بينما هناك رأي آخر يذهب إلى أنّ أمـَّـنا حواء عليها الصلاة والسلام خَلَقها الله سبحانه من فاضل وباقي طينة أبينا آدم سلام الله عليه؛ وبالتالي هي ليست مخلوقة من نفْس أعضائه.

والقول الصحيح من هذين القولين: هو الثاني؛ ذلك لأنَّ أحكام الله تعالى لا تتغيّر، فهي دائماً قائمة على حِكَم ومصالح تعود على العباد بالنفع والخير والنظام السليم الملائم للتكوين والتنظيم المتوازن، ومن المعلوم أنّ الإنسان المعتدِل السَّوِي لا يَنـكح نفسه ولا مَحارمه كالأم والأخت مثلاً، فهذا أمر مستقـبَـح، والله حكيم ولا يَـفعل القبائح، وأبونا آدم صلوات الله وسلامه عليه نبيٌّ، والنبي حكيم لا يَـفعل مثل هذه الأمور القبيحة المستهجَـنة.

وعليه؛ لو خَـلَق اللهُ تعالى أُمـَّنا حواء من نفْس أبينا آدم عليهما الصلاة والسلام؛ فهذا يعني أنَّ آدم يَنـكح نفْسه والعياذ بالله، فهل عَجِـزَ الله سبحانه عن أنْ يَخلِق لنبيِّه آدم سلام الله عليه زوجة من خارج جسدِه؟!

قطعاً كلا؛ لم يـَـعجَز، فهو سبحانه قادر وحكيم، وإنما خَـلَقَ أُمـَّنا حواء من خارج جسد أبينا آدم عليهما الصلاة والسلام، وآدم صلوات الله وسلامه عليه لم ينـكح نفسه، ناهيك عن أنّ جسد آدم لم يعتريه النـّـقص، وإلا لكان معوَّقـاً مثلاً؛ ذلك لأنَّ الأخذ من أعضائه يعني الإنقاص فيها، والنبي لا نقص فيه، فهو أول إنسان، وورَّثَ السلامة الخَلْقِية، وهو أول من تنطبق عليه الآية الكريمة القائلة: ﴿لَقَدْ خَـلَقْـنــَـا الإنسَانَ فِي أَحْـسَنِ تــَـقْـوِيـمٍ﴾[التِّين: 4]، وغير ذلك من الشواهد والأدلة.

ثانياً: معنى الخَلق مِن النفْس لا ينحصر بحالة الخلقة الأولى التي هي آدم وحواء، بل يشمل التَّوالد بين البشرية، فالأولاد يخرجون من نفسَي أب وأم، وأولاد آخرون يَخرجون من نفسَي أب وأم آخرَين، ثم يحصل التزاوج بين أولئك وهؤلاء؛ فهذا الشكل من الخَلق يصح أيضاً أن يقال عنه: خَلْق من النفْس. وهو المقصود الموافِق للحكمة.

ثالثاً: الآية عبَّـرَتْ بـ «ضمير الجمع»، حيث قالت أنفسكم، ولم تقل نفسك يا آدم، فآدم واحد مفرد ليس بجمع؛ وبالتالي هي لا تقصد آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام.

نعم؛ أحياناً يتم التـعبيـر في القرآن الكريم بصيغة الجمع، مع أن المقصود يكون واحداً، وذلك من باب «الاحترام والـتشريف»؛ كون المخاطَب رفيع المقام عند الله تعالى، كالأنبياء مثلاً، فأنت شخصياً إذا كنتَ تحترم شخصاً عالماً فإنّـك تخاطبه بالجمع وتقول له: قلتم كذا، وهل تريدون كذا؟ ولا تقول له: قلتَ كذا، وما اسمك؟ بل تخاطبه بضمير الجمع من باب الاحترام والـتشريف؛ فهذا أمر واضح ومتعارَف في اللغة وبين الناس، مِثلُه مثل عندما تقول لشخص واحد: السلام عليكم. فهو مفرد وتخاطبه بالجمع من باب كون السلام تشريف وأمان وما شاكل.

لـكن الآية ليست في مقام خطاب شخص واحد ليقال: معناها خَـلَقَ لك يا آدم من نفسك زوجة لتسكن إليها. وإنما الآية يظهر أنها في مقام خطاب جماعة البشر كما هو واضح، خصوصاً وأنه خطاب قرآني نزل في زمن النبي محمّد .

● قد يقال:

إنّ هنالك آية أخرى، صريحة، تقول بأنّ الله سبحانه خَلَقَنا من نفسٍ واحدة وخَلَق منها زوجها؛ قال تعالى:

﴿.. اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ..﴾[النساء: 1].

وقال:

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ..﴾[الزُّمُر: 6].

وقال:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 189].

وهي كما هو واضح خطابها عام، ونزلت أيضاً في زمن النبي ؛ بالتالي هي تؤسِّس للمعنى الأول لا الثاني، ومن ثمَّ تَكون هذه الآيات المفصّلة مفسِّرة لإجمال الآية السابقة.

ردُّه:

إنّ النّفس غير الجسد، ففرقٌ بين أن يكون سبحانه خلَقنا من «نفس واحدة»، وبين أن يكون خلقنا من «جسد واحد»، وكلامنا هو حول خَلْقِ حواء من «جسد آدم»؛ بالتالي يَتَّجِه كل ما قلناه من أمور حول الرأي الأول وبطلانه؛ فالصَّحيح هو الرأي الثاني.

ثمَّ إنه حتّى هذه الآية ليست مفصّلة بالنحو المقصود في كلام المستشكِل، لا سيّما إذا لاحظنا التالي.

أضف إليه أنّه إذا تعارَض تفسير الآية مع مفاد العقائد العامّة والثّوابت الدِّينية؛ فإنّ ذلك يفيد بطلان التّفسير المعارِض المذكور للآية؛ فمثلاً إذا كان العقل والشريعة يَريان قُبح وفساد نكاح الإنسان لنفسه، ورأينا آية تُوهِم بإعطاء معنى على خلاف ذلك؛ فهنا يجب أن نفسِّر الآية بشكل آخر يتناسب مع الخط والثَّابت العام للمعتَقَد، لا على خلافه؛ هذا هو المنهج الصحيح في التّفسير؛ فتفسير أي آية يراع فيه المعتقدات والثوابت الأخرى، لا أن يُقتَصَر على تفسيرها الحرفي واللفظي وانتهى الأمر؛ فالقرآن فيه «متشابهٌ متغيِّر» و«محْكَمٌ ثابت»، والمتشابه المتغيّر يبيِّنه المحْكَم الثّابت المستفاد من داخل القرآن أو من خارجه.

هذا، والنفس المرادة هنا في هذه الآية – آية: وخَلَقَكُم مِن نفسٍ واحدة – ليست النّفس الّتي يفهمها عامة النّاس، وإنما هي «النّفْس الكُلِّيّة»، ومَنبعها رُوح الله تعالى كما قال سبحانه﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾[الحجر: 29]، وهذه النَّفس الكُلِّيّة هي مَصْدَر النّفوس الّتي منها نشأ الفرد وزوْجُه بالتّوليد والتّكاثر، وقد عبَّرت الآية السادسة المتقدِّمة من سورة الزّمر بـ «ثمَّ» في قوله تعالى:

﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، و«ثمَّ» في اللغة تفيد البَعْدِيّة والتّراخي؛ أي حصول الشيء بعد الشيء بفترة لا مباشرة؛ فتكون هذه الآية مفسِّرة ومفصِّلة للبَعْدِية المقصودة في الآيات التي ذكرناها، المتحدِّثة حول نفس الموضوع. وهذا – مبحث «النفس الكُلِّيّة» – مبحثٌ فلسفي عميق ودقيق، ندعه لمحلِّه من المطَوَّلات، فيكفي مَورد كلامنا ما ذكرناه، والقرآن إنّما ساق كلامه عن هذه النّفس بلغة عميقة وبلاغيّة وفنّيّة إبداعيّة وخلابة، فاستعمل ألفاظاً تتلاءم مع لغة العلماء والبسطاء؛ إذ صاغ ألفاظ الآية في طابعها البسطائي، بلغة مسهَّلة يفهمها عامة النّاس بذوقهم المحدود والبسيط، وفي نفس الوقت جعل صياغة ألفاظها ذات بُعدٍ يتلاءم مع لغة العلماء وعُمْقِ أفهامهم؛ والقرآن كتاب هداية للجميع، ويرتوي من مَعينه كلُّ شخصٍ بمستوى وقدر أُفقِه وغَورِ عقلِه وتَدَبُّرِه.

رابعاً: أنّ السُّكنَى أمر تكويني، والعقل لا يرى اختصاصاً في ذلك بجهة المرأة دون الرَّجُل؛ لأنّ كلاهما من نوعٍ واحد وطبيعة واحدة هي «الإنسان».

علماً أنّ كلمة «أزواجاً» الواردة في قوله تعالى ﴿خَلَقَ لكُم من أنفُسِكُمْ أزواجاً لِتَسْكُنوا إليها وجَعَلَ بينكُمْ مَوَدَّةً ورَحمة﴾ لا تعني الرِّجال فقط؛ ذلك لأن القرآن الكريم دائماً يعبِّر عن «الزوجة» بكلمة «زوج لا زوجة»، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتــُـمُ اسْـتِـبْـدَالَ زَوْجٍ مَكَـــــانَ زَوْجٍ وَآتــَـيْتـُمْ إِحْدَاهُنَّ قِـنْطَـارًا فـَـلَا تــَـاْخُـذُوا مِنْـهُ شـَـيْـئاً اَتــَـاْخـُـذُونــَـهُ بُهْتـَـانــاً وَإِثــْماً مُبِيناً﴾؟! [النِّساء: 20].

● إذن السُّـكنـَى التي هي الراحة والسكينة، أمر متبادل بين الزوجين، فكل منهما سكن للآخر، يبادله الحب والود والرحمة، ويَسعى لراحته وأمنِه وسعادتِه.

تعليق