2018.11.16

السجن في فكر الإمام الكاظم (ع) (2) / بقلم السيد عبدالله السيد هاشم العلي

- Sayyed-alakwan | 2014.05.24

لقد قضت تلك الخطط بالسيطرة على مقدرات الأمة، ونهب خيراتها من خلال إتباع سياسة الترغيب والترهيب، والتأكيد على مبدأ القوة الحديدية والقمعية الذي طبع كل تاريخهم، وذلك من خلال ما يلي:

(1) قتل الناس الأبرياء: حيث يكشف لنا هذا الحدث التاريخي عن سياسة المنصور الخشنة مع العلويين، والتي أراد بها الايحاء لابنه المهدي بأن الخلافة لا تستقيم إلاّ بهذه الطريقة، فقد ملأ خزانة برؤوس العلويين شيوخاً وشباباً وأطفالا وأوصى ريطة زوج المهدي أن لا تفتحها للمهدي ولا يطلع عليها إلاّ بعد هلاكه، حيث ينقل الطبري في تاريخه: أنه لمّا عزم المنصور على الحج، دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي، وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر فأوصاها بما أراد، وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم اليها وأحلفها ووكّد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحداً إلاّ المهدي، ولا هي إلاّ أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة، فلمّا قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح وأخبرته أنه تقدم إليها أن لا تفتحه ولا تُطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة، فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب، ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكاناً[13].

يقول عبيدالله البزاز النيسابوری: کان بيني وبين حميد بن قحطبة معاملة، فرحلت إليه في بعض الأيام، فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعليّ ثياب السفر لم أغيرها، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر، فلما دخلت إليه رأيته في بيت يجری فيه الماء فسلمت عليه وجلست، فأتی بطشت وإبريق فغسل يديه، ثم أمرني فغسلت يدي، وأحضرت المائدة وذهبت عنّي أنّي صائم وأني في شهر رمضان، ثم ذکرت فأمسکت يدي، فقال لي حميد: مالك لاتأکل؟، فقلت أيها الأمير هذا شهر رمضان، ولست بمريض ولا بي علّه توجب الإفطار، ولعل الأمير له عذر في ذلك، أو علّه توجب الإفطار، فقال: ما بي علّه توجب الإفطار وأني لصحيح البدن، ثم دمعت عيناه وبکی. فقلت له بعد ما فرغ من طعامه: ما يبکيك أيّها الأمير؟ فقال: أنفذ إليّ هارون الرشيد وقت کونه بطوس في بعض الليل أن أجب، فلما دخلت عليه رأيت بين يديه شمعه تتقد وسيفاً أخضر مسلولاً، وبين يديه خادم واقف، فلما قمت بين يديه رفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين؟، فقلت: بالنفس والمال، فأطرق ثم أذن لي بالانصراف. فلم ألبث في منزلي حتی عاد الرسول إليّ وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: أنا والله أخاف أن يکون قد عزم علی قتلي، وأنّه لمّا رآني استحيا مني، فعدت إلی بين يديه فرفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين؟، فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد، فتبسم ضاحکاً، ثم أذن ليّ في الانصراف. فلّما دخلت منزلي لم يلبث أن عاد الرسول إليّ فقال: أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو علی حاله، فرفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين، فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين فضحك، ثم قال ليّ: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم. قال: فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلی بيت بابٍ مغلق ففتحه، فإذا به بئر في وسطه، وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة، ففتح باب بيت منها، فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب، شيوخ وکهول وشبان مقيدون، فقال ليّ: إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وکانوا کلهم علوّية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه، حتی أتيت علی آخرهم، ثم رمی بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر، ثم فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلويّة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون فقال ليّ: إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر، حتی أتيت علی آخرهم، ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون عليهم الشعور والذوائب، فقال ليّ: أن أمير المؤمنين يأمرك أن تقتل هؤلاء أيضاً، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه فيرمي به في تلك البئر، حتی أتيت علی تسعة عشر نفساً منهم، وبقي شيخ منهم عليه شعر، فقال ليّ: تباً لك يا مشؤوم أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت علی جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد ولدهم علي وفاطمة عليهما السلام، فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي، فنظر إليّ الخادم مغضباً وزبرني، فأتيت علی ذلك الشيخ أيضاً فقتلته، ورمی به في تلك البئر، فإذا کان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فما ينفعني صومي وصلاتي وأنا لا أشك أني مخلد في النار[14].

(2) تبذير الأموال العامة في أماكن اللهو والطغيان، وهدر ثروات العباد على مظاهر الترف والبذخ الزائل والزائف، فإذا لاحظنا الأموال التي كانت تجبى لهارون الرشيد من أطراف البلاد، لوجدناها تفوق ضخامتها ورقمها أموال كل من سبقه من الحكام، إلا أنها مع الأسف الشديد كانت تنفق على غير مصالح المسلمين، مثل التفنن في الملذّات، في يوم من الأيام أنشده أبو العتاهية هذه الأبيات:

بـأبي مَـــنْ كــــــــان في قلبي لــــــــــه مـــــــــــــــرّةً حُــــــــــبٌّ قليـــــــــــلٌ فسُرِقْ

يا بني العبّــــــــاس فيكـــــــــم مَلِكٌ شُعَـــــــــبُ الإِحسان منه تفترقْ

إنّمــــــــــــــــا هــــــــــــارونُ خــــــيرٌ كلُّــــــــه مات كلّ الشرّ مُذْ يوم خُلِقْ

وغنّاه ابراهيم الموصلي بها فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم، ومائة ثوب[15].

كان هارون مولعاً بالجواري حريصاً على الاستمتاع والتلذّذ بهنّ، حتى أفرط في ذلك وكان له قصة مع الجارية (غادر) جارية أخيه الهادي، وكانت حسناء من أحسن الناس وجهاً وغناءاً، وكان الهادي يحبها وشك ذات يوم بأن الرشيد سيتزوجها حال مماته، فقال للرشيد: أريد أن تحلف بأنك لا تتزوجها بعدي، فحلف واستوفى عليه الأيمان؛ من الحج راجلاً وطلاق الزوجات، وعتق المماليك، وتسبيل ما يملكه، ثم أحلفها بمثل ذلك فحلفت، فلم يمض على ذلك الاشهر، فمات الهادي وبويع الرشيد فبعث إلى (غادر) وخطبها[16].

وكان الرشيد شديد التعلق بلعب القمار[17]،وبذل الأموال الطائلة من أجل هذه الألعاب، وامتدّ سلوك هذا الحاكم الفاسد إلى الأُمة، حيث اُشيع في البلاد الإسلامية كل أنواع الفساد، وتحوّلت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في عصره إلى مسرح للّهو والرقص، وحانات الخمور ودور المجون، حتى أصبحت هذه المظاهر سمة بارزة يتميّز بها ذلك العصر، وعكس لنا الشعراء انطباعاتهم وأحاسيسهم باللهو وحبّ الجواري والتلذّذ بالخمرة، وكرّس أبو نؤاس مجهوده الفكري، فيوصف الأكواب والكؤوس، والسقاة والخمّارين والندماء، وافتتن الناس بخمرياته.

(3) ملاحقة المؤمنين والصلحاء والانقياء، ولذا من الخطوات التي خطاها الإمام موسى عليه السلام مع شيعته هو التشديد على أهمية الالتزام بالتقية كقيمة تحصينية، تحافظ على الوجود الشيعي، وتقيه من الضربات الخارجية، روى معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القيام للولاة، فقال عليه السلام: قال أبو جعفر عليه السلام: التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له[18].

لقد کانت التقية أو ما يصطلح عليه حديثاً بالعمل السري هو الغطاء الذي کان من خلاله تحرك الإمام الکاظم عليه السلام ليحمي الوجود الحيّ لحرکته، وليحافظ علی أتباعه من خطر التصفية وحرب الإبادة، التي کانت تستهدف تقويض آخر أمل حقيقي للنهوض بالأمة، والأخذ بيدها نحو خيرها وصلاحها، بالتخلص من أولئك النفعيين والمصلحيين الذين جاءوا إلی صهوة الحکم عبر القوة.

(4) الضرب على أوتار القومية والعشائرية عبر إذكاء وإشاعة الصراع القومي والعشائري والطائفي، في يوم من الأيام قال هارون للإمام عليه السلام: خبّروني أنكم تقولون أن جميع المسلمين عبيدنا، وجوارينا، وأنّكم تقولون: من يكون لنا عليه حق ولا يوصله إلينا فليس بمسلم.

فقال له عليه السلام: كذب الذين زعموا أننّا نقول ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصح البيع والشراء عليهم، ونحن نشتري عبيداً وجواري، ونقعد معهم ونأكل معهم، ونشتري المملوك ونقول له: يا بنيّ، وللجارية:يا بنتي، ونقعدهم يأكلون معنا تقرّباً إلى الله سبحانه، فلو أنهم عبيدنا وجوارينا ما صح البيع والشراء[19].

(5) إتباع سياسة كم الأفواه، وشراء الذمم والضمائر، وتأجير العقول، وبالتالي إدخال الأمة بكل مواقعها في غياهب المجهول، فمن الأساليب التي استخدمتها السلطات العبّاسية عامة، اتّخاذ (وعّاظ السلاطين) بعد أن غيّب الإمام موسى الكاظم عليه السلام عن المسرح السياسي والفكري، وظاهرة وعّاظ السلاطين هى بديل يرعاه الحاكم ويدعمه بما أوتي من قوة، ليغطّي له الفراغ من جانب، وتؤيد له سياسته من جانب آخر، إذ يوحي للأُمة بأنه مع الخط الإسلامي السائر على نهج السنة النبويّة، لذا وجد من (مالك بن أنس ) وأمثاله ممن تناغم معه في الاختيار العقائدي الذي لا يصطدم مع سياسته، ووجد من تجاوب مع رغبته وكال له ولأسرته المديح والثناء، الأمر الذي دفع أن يفرض (الموطأ) على الناس بالسيف، ثم جعل لمالك السلطة في الحجاز على الولاة وجميع موظّفي الدولة، فازدحم الناس على بابه، وهابته الولاة والحكّام، وحينما وفد الشافعي عليه فشفّع بالوالي لكي يسهّل له أمر الدخول عليه، فقال له الوالي: إني أمشي من المدينة إلى مكة حافياً راجلاً، أهون عليّ من أن أمشي إلى باب مالك، ولست أرى الذل حتى أقف على باب داره[20].

وفي الواقع ابتليت الأمة الإسلامية منذ زمن بعيد بطبقة من الناس بلباس أهل العلم والدين، وخدعوا البسطاء من الأمة بزهدهم الظاهري، وتقواهم القشري، ومظهرهم العلمائي، ولكن كانوا من أعوان الظالمين، ووعاظ السلاطين، والمتسكعين على موائد الملوك والأمراء والرؤوساء، وهم الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي، قيل يا رسول الله ومن هما؟ قال: الفقهاء والأمراء[21].

عندما نتأمل في سيرة الإمام الكاظم عليه السلام نجد أنفسنا أمام تجربة ريادية في التصدي رغم قساوة الظروف السياسية، حيث بلغ القمع والإرهاب ذروته، فحياة الإمام الکاظم عليه السلام ثروة غنية بالعطاء الفکري الخالد، وهي تجربة تقف بتحد صارخ أمام کل التبريرات التي يمکن أن يطلقها البعض حين اشتداد البأس، وحين تأزّم الأوضاع، وحين اتجاهها کتحديات صعبة في طريق تحقق الأهداف، فهذا هو الإمام عليه السلام يخوض تجربة مريرة وعنيفة لقيادة العمل الرسالي من خلف القضبان الحديدية، وقام عليه السلام في مواجهة هذه الانحرافات بعدة أمور منها:

أولاً: تأكيد الانتماء السياسي لخطّ أهل البيت عليهم السلام ومنهجهم، والمتمثل برفض الظلم والظالمين، وقد تشدد عليه السلام على محبيه وشيعته، وحرّم عليهم الانفتاح أو التعاون مع السلطات العباسية الظالمة، وأخذ يعمّق في نفوسهم النزاهة والدقة في رفض الظلم، ليمتلكوا وعياً سياسياً يحصّنهم من الانجراف مع التيار الحاكم، أو الاستجابة لمخططات الاحتواء بشكل وآخر، وهذا ما نلمسه بشكل واضح من موقفه عليه السلام مع صفوان الجمّال الذي يكشف عن دقّة المنهج التربوي عند الإمام عليه السلام مع شيعته في هذه المرحلة.

دخل صفوان بن مهران الأسدي على الإمام موسى الكاظم عليه السلام فقال له: يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحداً، قال صفوان: جعلت فداك، أي شيء هو؟، فقال عليه السلام: اكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون الرشيد!، قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن لهذا الطريق -يعني طريق مكة- ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.

قال عليه السلام: يا صفوان أيقع كراك عليهم؟، قال: نعم جعلت فداك. قال عليه السلام: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟، قال: نعم. قال عليه السلام: من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو وارد للنار. فقام صفوان في الوقت وباع جماله، وأعرض عن مهنته، فبلغ ذلك هارون، فأرسل خلفه، فلما مثل عنده قال له: يا صفوان! بلغني أنك بعت جمالك، قال: نعم، قال: ولم؟، قال: أنا شيخ كبير، وإنّ الغلمان لا يفون بالأعمال. قال: هيهات هيهات !! إني لاعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك موسى بن جعفر. قال: مالي ولموسى بن جعفر. قال: دع عنك هذا، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك[22].

كذلك حينما أراد الحسين – شهيد فخ – الخروج لتفجير ثورته المعروفة في سنة 169هـ، والتي انتهت بمقتله مع أصحابه جميعاً رضوان الله عليهم، ودّعه الإمام الکاظم عليه السلام بما يوضح موقفه السياسي من الثورة من جهة، ومن السلطة العباسية من جهة ثانية، حيث يقول عليه السلام في وداعه: إنك مقتول فأجد الضراب، فإن القوم – أي بني العباس – فساق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً ويسرون وشرکاً، فإنا لله وإنّا إليه راجعون، احتسبکم عند الله من عصبة[23].

وأکد الإمام عليه السلام موقفه السياسي مرة أخری عندما نظر إلی رؤوس القتلی بينهم الحسين – شهيد فخ – وابنه بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، مضی والله مسلماً، صالحاً، صّواماً، قّواماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنکر، ما کان في أهل بيته مثله[24]، بل نجد في تصريح الخليفة العباسي ما يفنّذ زعم ذوي الاتجاهات التي تدعي عزوف الإمام عليه السلام عن العمل السياسي، إذ باشر الخليفة الهادي العباسي لما سمع بأخبار الثورة بتوجيه أصابع الاتهام فوراً إلی الإمام الکاظم عليه السلام حيث قال: والله ما خرج حسين إلّا عن أمره ولا اتّبع إلّا محبته، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت قتلني الله إن أبقيت عليه[25].

ثانياً: النفوذ في الجهاز الحاكم عن طريق أصحابه، بالنفوذ والاندساس في مواقع السلطة، فقد تصدّر أصحاب الإمام عليه السلام مواقع سياسية مهمّة في الحكومة العبّاسية، وكان الإمام عليه السلام يُثني ويثمن عمل هؤلاء، لكن كان يشترط التعاون وقضاء حوائج المؤمنين وإلاّ فإنه ينتفي غرض المهمة، فمن أولئك الأعاظم والأجلاّء:

(1) علي بن يقطين، تقلد أعلى منصب أيام المهدي ومن بعده عينه هارون وزيراً له[26].

(2) حفص بن غياث الكوفي، ولي القضاء في بغداد الشرقية، والكوفة من قبل هارون[27].

(3) عبد الله بن سنان بن طريف، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد[28].

(4) الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، كان يكتب للمنصور والمهدي[29].

(5) محمد بن اسماعيل بن بزيع، أحد وزراء الدولة العبّاسية[30].

(6) الحسن بن راشد: كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد[31].

ومن هنا نستطيع أن نقدّر مدى حنكة الإمام عليه السلام وتخطيطه، للمحافظة على المواقع المهمة لشيعته في جهاز السلطة من إقرار فضلاء صحابته على قبولهم ولاية الحاكم الجائر، فإنّهم أعلم بهذا الخط وشؤونه من عامة المؤمنين.

ثالثاً: الاهتمام بترتبية الشيعة من خلال وصاياه وتوجيهاته لهم، ومتابعته وإشرافه على تكامل بناء هذه الجماعة وأفرادها، فيقوم بتطبيق ما يدعو إليه عملياً، لتشكل خطواته نموذجاً ومناراً يهتدي به أبناء مدرسته، ولهذا المجال يمكن أن نستشهد بمثال واحد وهو موقفه عليه السلام من علي بن يقطين، عندما أراد إبراهيم الجمّال أن يدخل على علي بن يقطين ولم يأذن له، فلما حجّ علي بن يقطين في تلك السنة، واستأذن في الدخول على الإمام في المدينة حجبه، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟، فقال عليه السلام: حجبتك لأنك حجبت أخاك ابراهيم الجمّال، وقد أبى الله أن يشكر سعيك، أو يغفر لك إبراهيم الجمّال.

فقال: سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت، وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟، فقال عليه السلام: إذا كان الليل، فامض إلى البقيع وحدك، من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرّجاً. يقول الراوي: فوافى البقيع وركب النجيب، ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة، فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين، فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟! فقال علي بن يقطين: يا هذا إنّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم إنّ المولى عليه السلام أبى أن يقبلني، أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك. فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه، فامتنع إبراهيم من ذلك، فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خده، وعلي بن يقطين يقول: اللّهم اشهد، ثم انصرف وركب النجيب، وأناخه في ليلته بباب الإمام عليه السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله[32].

رابعاً: الاهتمام بالجانب العلمي والفكري، فكان عصر الإمام الكاظم عليه السلام استمراراً للمسيرة العلمية والثقافية التي حقّقها الصادقان عليهما السلام حتى تخرج في عهده عليه السلام عدد مهم من الفقهاء الرواة، الذين أصبحوا بمستوى العطاء الذي قدمه الإمام الكاظم عليه السلام للاُمة الإسلامية في حقلي النظرية والتطبيق معاً، وتبلور كثير من القواعد الاصُولية والفقهية في مجال الاجتهاد الفقهي في هذه المدرسة العملاقة، ثمّ إنّ انتشار التشيع واتّساع حجم الولاء والانتماء لخط أهل البيت عليهم السلام.

مضافاً إلى ذلك تعميق الفکر الرسالي الرصين لمواجهة تيارات الانحراف، حيث شهدت هذه الفترة ظهور ونمو تيارات ومذاهب فلسفية وعقائدية خطيرة، وکذا برزت مدارس التفسير والرواية، کما کثرت الفرق الکلامية، وتعددت مذاهب الفقه، ودخلت علوم جديدة في استنباط الأحکام واستخراجها، کالمنطق والفلسفة وعلم الکلام وعلوم اللغة، کما أدخل القياس والاستحسان والعمل بالرأي.

وموجة هذه الاتجاهات الفکرية والعقائدية لم تکتف عند حد المداولات الفکرية الصرفة، وإنّما جاءت لتضيف شيئاً ما علی واقع الإسلام کرسالة حضارة وفکر وعقيدة، بل دفعت بعض الفقهاء والقضاة لمحاباة الحکام، وهنا کان لابد أيضاً من الوقوف بحزم أمام مثل هذه التيارات للحد من تأثيراتها السلبية في الأمة، وکذلك لتوعية وإرشاد جماهير الأمة لما فيه خيرها وصلاحها ولتعريفها بالإسلام الرسالي الصحيح.

وهذا هو الذي كان يخشاه الحكام، كلٌ بمقدار نباهته وغوره الى عمق هذا الخط، حتى أثار هذا النشاط الواسع والخط التثقيفي المعمق حفيظة هارون الرشيد تجاه شخص الإمام الكاظم عليه السلام، حيث كان يراه الندّ الحقيقي الذي يهدد سلطانه، لذا كان هارون جرئياً في الإقدام على سجن الإمام عليه السلام وعزله عن أتباعه، ولكنّ أصحاب الإمام عليه السلام كانوا على اتصال مستمر به وهو في قيد السجن، ويشهد لذلك تنوّع التراث الذي وصلنا عن الإمام الكاظم عليه السلام، ونستطيع أن نلمس ذلك بكل وضوح من خلال مطالعة مسنده الذى يبلغ ثلاثة أجزاء فيما يقرب من ألف صفحة تقريباً، وقد اشتمل على أنواع المعرفة العقائدية والتأريخية والتربوية والأخلاقية والأحكام الشرعية، والأدعية والزيارات، وما يرتبط بمجال توثيق الرجال، وسائر ما يرتبط ببيان عصر الإمام الكاظم عليه السلام، واحتجاجاته مع الحكام والمخالفين.

وهكذا نرى كيف حوّل الإمام الكاظم عليه السلام إقامته في السجن إلى فرصة للعبادة المتواصلة، كما كانت حاله خارج السجن التي يعيش فيها الفرح الروحي مع الله، كما هي حالة أولياء الله الذين يشغلهم حبُّ الله عن التفكير في الآلام الصغيرة، فقد ورد في التواريخ أنَّ هارون الرشيد عندما أرسله إلى البصرة وسُجِن فيها سنة كاملةً عند أحد أقرباء الرشيد، وهو عيسى بن موسى، وقد راقب الإمام الكاظم عليه السلام طوال مدّة إقامته في السجن: هل يتألم من وضعه، وما هي انفعالاته؟ فكان لا يراه إلا مشغولاً بعبادة الله، ولم تبدر منه أيّة كلمة تجاه هذا الشخص الذي تولّى حبسه، ولا بالنسبة إلى الرشيد، حيث كان منصرفاً إلى العبادة والتضرّع إلى الله تعالى، ولما طلب الرشيد من عيسى بن موسى أن يقتله، كتب إليه: كتبت إليَّ في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه، بمن حبسته معه عيناً عليه، لينظروا حيلته وأمره وطويَّتهُ ممن له المعرفة والدراية، ويجري من الإنسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قطّ، ولم يكن عنده تطلّعٌ إلى ولاية ولا خروجٌ ولا شي‏ءٌ من أمر الدنيا، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلّمه مني، وإلا سرّحت سبيله، فإنَّني منه في غاية الحرج.

واستجاب الرشيد لطلبه، وأتى به إلى بغداد، فوضعه تحت عين الفضل بن الربيع، وكان هذا الرجل متعاطفاً مع الكاظم عليه السلام، يقول بعض من كان يزور الفضل: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالسٌ على سطح، فقال لي: أدنُ مني، فدنوت منه حتى حاذيته، ثم قال لي: أشْرِفْ إلى البيت في الدار، فأشرفت، فقال: ما ترى في البيت؟، قلت: ثوباً مطروحاً، فقال: انظر حسناً، فتأمّلت ونظرت فتيقّنت فقلت: رجلٌ ساجد، فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا مولاك، قلت: ومَنْ مولاي؟ فقال: تتجاهل عليَّ؟ فقلت: ما أتجاهل، ولكني لا أعرف لي مولى، فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر، إنِّي أتفقده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أُخبرك بها، إنَّه يصلّي الفجر فيعقّب ساعة في دُبُر صلاته، إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدةً، فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكّل من يترصّد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدى‏ء الصلاة من غير أن يجدّد وضوءاً، فأعلم أنَّه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجد سجدةً، فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس، وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يُحدث حَدَثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة، أفطر على شويِّ (تصغير شواء، أي شواء قليل) يُؤتى به، ثم يجدّد الوضوء، ثم يسجد ثم يرفع رأسه، فينام نومةً خفيفةً، ثم يقوم فيجدِّد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلستُ أدري متى يقول الغلام إنَّ الفجر قد طلع، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبُه منذ حُوِّل إليَّ. فقلت: اتّقِ الله، ولا تُحْدثنَّ في أمره حَدَثاً يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنَّه لم يفعل أحدٌ بأحدٍ منهم سوءاً إلا كانت نعمته زائلة، فقال: قد أرسلوا إليَّ في غير مرّة يأمرونني بقتله، فلم أُجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني.

وقد ورد في تاريخ أبي الفداء عن شقيقة السندي بن شاهك حينما سُجن الإمام عليه السلام في بيت أخيها عن عبادة الإمام في السجن: أنّه إذا صلَّى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه إلى أن يزول الليل، ثم يقوم ويصلّي حتى يطلع الصبح، فيصلّي الصبح، ثم يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثم يصلّي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات عليه السلام.

حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تشع بالنور والجمال والخير، وتحمل العطاء السمح، والتوجيه المشرق للأمة، وتتميز بالصلابة في الحق، والصمود أمام الأحداث، وبالسلوك النير الذي لم يؤثر فيه أي انحراف أو التواء، وإنما كان متسماً بالتوازن، ومنسجماً مع سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهديه واتجاهه، والتزامه بحرفية الإسلام، وقد أصر طغاة عصره على ظلمه فعمدوا إلى اعتقاله وزجّه في ظلمات السجون، وبقي فيها حفنة من السنين يعاني الآلام والخطوب، ولم يؤثر عنه أنه أبدي أي تذمر أو شكوى أو جزع مما ألم به، وإنما كان على العكس من ذلك يبدي الشكر لله، ويكثر من الحمد له على تفرغه لعبادته، وإنقطاعه لطاعته.

لقد حاول العباسيون التضيق على الإمام عليه السلام بشتى الطرق، ولم يتركوا عملاً أو فعلاً اعتقدوا بأنه يوصلهم لحاجتهم إلا وفعلوه، وفي المقابل لم يترك الإمام عليه السلام أي وسيلة لتوقض الأمة من غفوتها إلا واستعملها, لهذا لم يرى بني العباس إلا السجن الوسيلة الوحيدة التي توقف حركة الإمام عليه السلام ونشاطه، ولكن هيهات هيهات للسجون أن تحجب النور الساطع، وللظلمة أن تمنع من الاتصال بالله سبحانه وتعالى، فنورهم يملئ الأرض، ومبتغاهم عبادة إلله, فوجد هارون العباسي إن وسيلة السجن لم تفي بالغرض لأن أثار الإمام عليه السلام في كل مكان، لهذا دس له السم ومات الإمام الكاظم عليه السلان شهيداً مسموماً في 25 رجب عام 183ه فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

أبا الرضا…

يا موسى بن جعفر…

لقد علّمتنا كيف نهضم المحن لنصوغها عزماً وإرادة …

وكيف نفجّر من ظُلَم المطامير وضيقها أنواراً سنيّة وآفاقاً رحبة …

وكيف نبلور الرفض استقطاباً جارفاً واستجابةً عارمةً…

لقد وهبت لنا بفكرك السامي وأناتك الرائعة نهج البقاء، فلك من محبّيك كلّ الحبّ والولاء

——————————————————————————–

[13] : الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: 6 : 343 – 344، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
[14] : الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا: 2 : 100 – 102، تحقيق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1404ه.
[15] : الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة: 3 : 398، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.
[16] : ابن الساعي، علي بن أنجب، نساء الخلفاء: 46، تحقيق مصطفى جواد، دار الجمل، بيروت، لبنان.
[17] : الأغاني: 9 : 126 – 127.
[18] : الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي: 2 : 219 ح 12، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش.
[19] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 145 – 147 ح 21، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.
[20] : الحسني، هاشم معروف، سيرة الأئمة الاثني عشر: 2 : 326.
[21] : الصدوق، محمد بن علي، الخصال: 36 – 37 ح 12، تحقيق علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين، قم المقدسة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الأولى 1403ه.
[22] : رجال النجاشي: 198 برقم 525، وكان من موالي بني أسد بالكوفة. والخبر من اختيار معرفة الرجال: 440 ح 828.
[23] : الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي: 1 : 366 ح 18، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش.
[24] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 165، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.
[25] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 151، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.
[26] : اختيار معرفة الرجال: 430 ح 805 و 433 ح 815 و 434، ح 819 و 820 و 437، ح 824، والفهرست لابن النديم : 328.
[27] : رجال النجاشي: 134 برقم 346 وفي اختيار معرفة الرجال: 390 ح 732 قال: هو عامّي وفي تنقيح المقال : 1 : 355.
[28] : اختيار معرفة الرجال: 411 ح 771 و في رجال النجاشي: 214 برقم 558 من موالي بني العباس، وجامع الرواة : 1: 487.
[29] : رجال النجاشي : 306 رقم 837 .
[30] : اختيار معرفة الرجال: 564 ح 1065 وفي رجال النجاشي: 330 برقم 893.
[31] : انظر ترجمته في فهرست أعلام الكشي: 26 في أخبار عديدة. وفي النجاشي: 38 برقم 76 وفى منهج المقال : 98.
[32] : حسين عبدالوهاب، عيون المعجزات: 91، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، جمهورية العراق، الطبعة الأولى 1369ه.

تعليق