2018.08.17

السجن في فكر الإمام الكاظم (ع) (1) / بقلم السيد عبدالله السيد هاشم العلي

- Sayyed-alakwan | 2014.05.17

من دعاء لإمامنا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام أنه قال: اللَّهم إنك تعلمُ أني كنتُ أسألك أن تُفرِّغَني لعبادتك، اللَّهُم وقد فعلتَ، فَلَكَ الحمدُ[1].

السجن مفهوم قديم وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، حيث يقول سبحانه وتعالى على لسان فرعون في حواره مع نبي الله موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ {23}قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ{24}قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ{25}قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ{26}قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ{27}قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ{28}قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ{29}}[2]، وكذلك أيضاً في قصة نبي الله يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، يقول الله سبحانه وتعالى{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ {32}قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ{33}فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{34}ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ{35}وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{36} قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ{37}وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ{38}يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{39}مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{40}يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ {41}} [3].

ومعنى السجن في اللغة هو الحبس، والسجن البيت الذي يحبس فيه السجين[4]، والسجن بالفتح المصدر[5]، ومعناه الاصطلاحي هو تعويق الشّخص ومنعه من التّصرّف بنفسه، والخروج إلى أشغاله ومهمّاته الدّينيّة والاجتماعيّة[6]، وليس من لوازمه الجعل في بنيان خاصّ معدّ لذلك، بل الرّبط بالشّجرة حبس، والجعل في البيت أو المسجد حبس[7].

وقد اتفق العلماء على مشروعية السجن، وأنه من العقوبات التعزيرية والتأديبية، وليس له الصدارة والأولوية بين أنواع التعزير الأخرى، بل هو أشبه بالعقوبة الاحتياطية، لأن وطأته شديدة وآثاره السلبية كبيرة على الفرد وأسرته وعلى المجتمع عموماً، فهو من الوسائل الرادعة للمتخلفين والمجرمين، مضافاً إلى أنّه لا مفر من الحبس، والتوقيف في بعض الأحيان وذلك للحد من فرار المتهمين، أو الضغط والتضييق على المدينين لإجبارهم على أداء ديونهم، ولهذا فإنّ أحكام السجن لها موقع خاص في الفقه الإسلامي.

ويمكن تقسيم السجن بحسب فلسفته إلى عدة أقسام منها:

(1) السجن الايذائي: وهذا النوع من السجن يكون عادة للأشخاص الذين يرتكبون المخالفات، فالسجن يسلبهم الحرية ليقفوا على قبح أفعالهم، ويردعهم عن تكرارها في المستقبل، ولكي يعتبر الآخرون بذلك.

(2) السجن الاصلاحي: وهذا النوع من السجن يستفاد منه لحبس الأفراد الذين يعتادون على الاُمور السيئة، والذين لا ينفع معهم النصح والارشاد، فلا مهرب من حبسهم في هذا السجن، وعزلهم عن المجتمع لمدّة قصيرة أو طويلة، لإصلاحهم وإجبارهم على ترك ما اعتادوا عليه من أمور سيئة.

(3) السجن الاحتياطي: وهذا النوع من السجن يستفاد منه في الحوادث المهمة كمقتل نفس محترمة، ولم يُعرف القاتل ولكن يُتهم البعض بالقتل، وحينئذ لابدّ من التحقيق للتعرف على القاتل، ولمنع هروب المتهمين وعدم التمكن من القبض على القاتل بعد ثبوت الأدلة الكافية، لابدّ من توقيف المتهمين فترة التحقيق المؤقتة، فمن ثبتت براءته قدّم الاعتذار إليه وأُطلق سراحه، ومن ثبت جُرمه عوقب بالعقاب الذي يستحقه.

(4) السجن التأديبي: وهذا النوع من السجن يُستفاد منه عادة في حق الأطفال الذين لا تشملهم القوانين، في مقابل ارتكابهم بعض الجرائم والأخطاء، ليتم تأديبهم وتربيتهم.

(5) السجن الاستحقاقي: وهو يستخدم في حق الشخص الذي في ذمته دينٌ لآخر، ويمتنع عن أدائه إليه مع تمكنه من الأداء، فهنا قد يحبس المدين حتى يضطر إلى دفع ما عليه للدائن.

(6) السجن السياسي: ويستخدم هذا النوع من السجن في حق الأشخاص الذين يقومون بنشاطات سياسية معارضة لمصلحة المجتمع والنظام الحاكم، وقد تكون تلك النشاطات أحياناً غير معارضة لمصلحة المجتمع، بل قد تكون في مصلحته ولكنها مخالفة لمطامع الحكم المتسلط على رقاب أبناء المجتمع.

وقد استخدم النوع الأخير من السجن لكسر روح المقاومة المعنوية أو الجسدية عند المصالحين والمناضلين الثائرين ضد الحكام الظالمين والمتسلطين على مقدرات الأُمة، فيلقون بهم في السجون لأجل ذلك، وأحياناً يكون الحبس توأماً مع الاهانة والتعذيب الروحي والجسدي، حيث إنّ الجبّارين وعندما يضيقون ذرعاً بجهاد هؤلاء يحاولون التفكيك بينهم وبين قواعدهم ومؤيديهم، فيلقون بهم في السجون.

وعندما نقرأ في التاريخ الإسلامي نلاحظ أن السجون في عهد الدولة الأموية والعباسية شهدت أموراً غريبة عجيبة لا يقرها دين ولا عرف, ولا تمتّ للإسلام بأي صلة, فقد كان هناك ما يعرف بالسجون العامة والسجون الخاصة، فالسجون العامة كسجن المطبق الذي بناه المنصور الدوانيقي في بغداد عام 146هـ، وأعده لخصومه السياسيين ،والمغضوب عليهم من خاصته، وكبار دولته، والذي يوزع على أمهات المدن, واشتهرت في عهد العباسيين, وهذه السجون لا يعرف فيها الليل من النهار, ويموت الإنسان فيها ألف موتة، أما السجون الخاصة فهي كسجن الديماس للحجاج، الذي كان يحتوي على مائة وعشرين ألفاً بين رجل وامرأة، عارين من اللباس، يعيشون تحت الشمس اللافحة نهاراً والبرد القارص ليلاً، وكان قد أمر السجانين أن يكونوا على سور السجن، فإذا أراد أحد أن يتكئ على الحائط في وقت الظل رموه بالنشاب من على السور حتى يتحول إلى الشمس، وكان أحدهم إذا تكلم وتضرع يتلو عليه السجان قوله تعالى{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[8]، وكان يأمر أن يعطي السجناء الخبز الممزوج بالرماد، والماء الممزوج بالملح، وكان سجنه يسبب تغيير لون الإنسان الذي يعيش فيه لمدة، حتى أن الأمهات لم يكن يعرفن أولادهن إذا زرنهم بعد إصرار كثير لتغير وجوههم وعدم حلق رؤوسهم وقص أظفارهم، إذ كان كل ذلك ممنوعاً في داخل سجون الحجاج، وكانت المرافق في السجن عارية مكشوفة، فكل سجين يجب عليه أن يتخلى حيث يراه الناس، إلى غير ذلك من موبقات سجن الحجاج.

إذن يشكل السجن أحد مظاهر مصادرة حرية الإنسان، فالسجن يظل هو السجن، حتى لو كانت قضبانه من ذهب، لأنه سالب لقيمة الحرية، ذلك المشترك الذي يجتمع الناس عليه، وتنزع إليه فطرتهم، لهذا نجد أن الإمام الكاظم كان يدعو الله عزّ وجلّ أن يخلصه من السجن: يا مُخَلِّصَ الشَّجَرِ مِنْ بَيْنِ رَمْلٍ وَطينٍ وَماءٍ وَيا مُخَلِّصَ اللَّبَنِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَيا مَخَلِّصَ الْوَلَدِ مِنْ بَيْنِ مَشيمَةٍ وَرَحِمٍ وَيا مُخَلِّصَ النّارِ مِنْ بَيْنِ الْحَديدِ وَالْحَجَرِ وَيا مُخَلِّصَ الرُّوحِ مِنْ بَيْنَ الاْحْشاءِ وَالأْمْعاءِ خَلِّصْنى مِنْ يَدَىْ هارُونَ[9].

من هنا يأتي التسائل عن كيفية التوفيق والجمع بين هذا الدعاء الذي يبين الإمام فيه شدة كرهه للسجن وبين الدعاء الذي يبين فيه الإمام أن السجن نعمة كان الإمام يدعو الله بأن يروقه إياها: اللَّهم إنك تعلمُ أني كنتُ أسألك أن تُفرِّغَني لعبادتك، اللَّهُم وقد فعلتَ، فَلَكَ الحمدُ.

فهل كانت عبادة الإمام الكاظم عليه السلام خارج السجن أقل من عبادته في داخل السجن؟، هل كان الإمام عليه السلام مشغولاً بحيث كان لا يمكنه التفرغ للعبادة، وعندما أصبح في السجن حصل على الوقت الكافي للعبادة؟

لقد أجمع الرواة على أن الإمام الكاظم عليه السلام كان من أعظم الناس طاعة لله، ومن أكثرهم عبادة له، وكانت له ثَـفَنات من كثرة السجود لله، كما كانت لِجدِّه الإمام السجاد عليه السلام، حتى لُقِّب عليه السلام بذي الثـفنات، وكان من مظاهر عبادته عليه السلام أنه إذا وقف مُصلّياً بين يدي الخالق العظيم، أرسل ما في عينيه من دموع وخَفقَ قلبُه، وكذلك إذا ناجى عليه السلام ربَّه أو دعاه، ويقول الرواة: إنه عليه السلام كان يصلي نوافل الليل، ويَصِلُها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويَخُرّ لله ساجداً ، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد لله حتى يقرب زوال الشمس، وكان من مظاهر الطاعة عنده عليه السلام أنه دخل مسجد جَدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الليل فسجد عليه السلام سجدة واحدة، وهو يقول بِنَبْراتٍ تَقطر خوفاً من الله: عَظُم الذنبُ عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، وجعل عليه السلام يُردّد هذا الدعاء بإنابة وإخلاص وبكاء حتى أصبح الصباح.

دخل أبو حنيفة على الإمام الصادق عليه السلام فقال له: رأيت ابنك موسى عليه السلام يصلي والناس يمرون بين يديه، فلا ينهاهم وفيه ما فيه، فقال أبو عبدالله عليه السلام: أدعوا لي موسى، فدعي فقال له: يا بني أن أبا حنيفة يذكر أنك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم، فقال: نعم يا أبة إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إلي منهم، يقول الله تعالى{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[10]، قال: فضمه أبو عبدالله عليه السلام إلى نفسه، ثم قال: يا بني بأبي أنت وأمي يا مودع الأسرار[11].

كان الإمام عليه السلام كثير الاستغفار يقول لبعض أصحابه: إني استغفر الله كل يوم خمسة آلاف مرة[12]. وكان عليه السلام كثير الشكر والحمد لله تعالى، فعن هشام بن أحمد: كنت أسير مع أبي الحسن في بعض طرق المدينة، إذ ثنى رجله عن دابته فخرّ ساجداً، فأطال وأطال، ثم رفع رأسه وركب دابته، فقلت: جعلت فداك قد أطلت السجود فقال عليه السلام: إني ذكرت نعمة أنعم الله بها عليّ، فأحببت أن أشكر ربي.

إذن لم تختلف عبادة الإمام الكاظم عليه السلام في السجن – لا في الكم ولا في الكيف – ولا في خارج السجن، وإنما الإمام الكاظم عليه السلام يشير في هذا الدعاء إلى ما يعرف الآن في إدارات التخطيط ورسم الاستراتيجيات بالتحليل الرباعي (SWOT) كأداة تحليل استراتيجي عامة في عدة مجالات، والذي يعتمد على تحويل التحديات والمعوقات إلى فرص وقدرات تنافسية، وذلك باستثمار فاعليته وطاقاته الذهنية ومعارفه التي تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها الإنسان ، وينقسم هذا التحليل كما كتبت حروفه الأربعة بالإنجليزية إلى S-W-O-T ويمكن تعريفها كما يلي:

(1) القوة: عناصر القوة التي يمتلكها الإنسان الرسالي، والتي تميزه عن غيره، كالمستوى العلمي، ومقدار الوعي الذي متلكه، وسعة الاطلاع والثقافة، وقوة الشخصية، وغيرها، وهى ترجمة لكلمة Strengths.

(2) الضعف: نقاط الضعف التي يشعر الإنسان الرسالي بوجودها في شخصيته أو في البرنامج الذي يطرحه ويسعى لتحقيقه في المجتمع، وهى ترجمة لكلمة Weaknesses.

(3) الفرص: وهي التي يمكن أن تأتي من الخارج أو من البيئة المحيطة به، أو الظروف التي يمر بها أو يعيشها، وهي ترجمة لكلمة Opportunities.

(4) التهديدات: وهي التي يمكن أن تأتي من الخارج أو من الداخل من المجتمع المحيط به، وتسبب اضطرابات أو إرباكات في مسيرة الإنسان نحو تحقيقه أهدافه، وهي ترجمة لكلمة Threats.

فالإنسان الرسالي في المجتمع مهمته هي أن يكون متحكمًا في التغيير بدلاً من أن يكون ضحية له، لذا ينبغي له أن يحدد نقاط قوته، وإذا ما ركز عليها يمكنه أن يقوم بعمل إسهامات عظيمة في مجتمعه، لذا نجد بأنه بالرغم من استخدام أشد اساليب القمع والاضطهاد والسجون والقتل والتشريد والإقصاء ضد الشيعة والعلويين من آل النبي صلى الله عليه وآله، وهي الممارسة التي بلغت ذرواتها الأكثر عنفاً في عهد هارون الرشيد،لم تتمكن هذه الأساليب من التأثير على النهج الرسالي الذي كان ينتهجه أهل البيت عليهم السلام، حتى عندما عمدت السلطات العباسية إلى سجن الإمام عليه السلام، لم يضعف بالشكل الذي كانت تتمنّاه السلطة، فقد كان الإمام عليه السلام يقود الأمة والمجتمع الرسالي ويدير أعمالها وهو في السجن، الأمر الذي جعل السلطة في حالة هسترية، فأخذت تنقله من سجن إلى سجن.

وهذا ما يجب أن نستوحيه للمسلمين الذين تفرض عليهم الظروف الصعبة القاسية دخول سجون الكافرين والطاغين، ويتعرّضون فيها للكثير من الضغوطات القاسية مما يمارسه السجّانون عليهم، ليُسقطوا مواقفهم، ويهزموا روحياتهم، ويقودوهم إلى بعض الأوضاع السلبيّة، في ما يلوّحون به من الوعد بالتخفيف عنهم في حالات الألم الشديد، فإنَّ بإمكانهم أن يستلهموا روحانية الإيمان بالله في الانفتاح على التفكير به سبحانه والخشوع له تعالى والدعاء في كلِّ مهماتهم، لترتفع معنوياتهم من خلال ذلك، لينفصلوا عن الجوِّ الخانق إلى الجوِّ الرحب الواسع في آفاق الله، في رحمته ولطفه ورضوانه.

إننا نحتاج إلى استلهام هذا السلوك العبادي الذي كان يعيشه الإمام موسى الكاظم(ع)، وذلك في ما يجب أن تعيشه التربية الإسلاميّة في إعداد العلماء والدعاة إلى الله، بالتأكيد على الجانب الروحيّ في حركة الجوِّ العباديّ الذي يرتفع بالإنسان المؤمن إلى آفاق الروحانية العليا التي تجعل العلاقة بالله هي الغاية العظيمة التي يتحرّك نحوها، في ما يريده لنفسه من حركةٍ وحياةٍ في الاتجاه العمليّ الذي يُعدّ نفسه له في القيام بمهمة خدمة الإسلام في الدعوة إليه، والجهاد في سبيله، والعمل الدائب من أجل إعادة الإسلام إلى الحياة على مستوى الحكم والشريعة والمنهج والحركة الشاملة.

ولذا يحتاج إلى طاقةٍ روحية كبيرة، فيما هي روحانية الفكر والممارسة، انطلاقاً من التحديات الكثيرة التي تواجهه على مستوى الترغيب أو الترهيب، في المغريات التي تقدّم إليه، وفي التهاويل التي تدور في آفاقه، من أجل إسقاط موقفه للانحراف به عن الخطّ، أو لإرباك الواقع الإسلامي من خلاله، فإنَّ العلم لا يكفي في صيانة صاحبه إذا لم يرافقه إيمانٌ يتعمّق في مواقع الروح العميقة في وعي الإنسان.

لقد شهدت الساحة في فترة إمامة الإمام الکاظم عليه السلام ألواناً متعددة من الاضطهاد والقمع والاعتقالات التعسفية، لذا تعتبر دراسة هذه الفترة التاريخية من (148هـ _ 183هـ) من أهم الفترات في تاريخ بني العباس، إذ تميزت هذه الفترة بأحداث ووقائع تاريخية خطيرة تجلت فيها الملاحقات والقتل الفردي والجماعي والاعتقالات، تحت کل حجر ومدر يتجه إليه الرساليون، لهذا وقبل أن نتطرق إلی استراتيجية التحرك عند الإمام الکاظم عليه السلام لابد من الاطلالة علی معطيات الواقع السياسي والفکري والاجتماعي.

أولاً: الوضع السائد في الدولة الإسلامية، فقد شهدت المرحلة التي عاشها الإمام الكاظم عليه السلام، اضطرابات ونزعات اجتماعية وسياسية، خطط لها ونظم حركتها زعماء النهج الجاهلي، بقصد صرف الأمة عن مسيرتها الارتقائية الحضارية في التكامل الروحي والمفاهيمي، حيث أدت تلك الأفعال المشبوهة إلى ابتعاد المسلمين عموماً عن ممارسة التجربة الصحية والواعية للإسلام، وإدخالهم في متاهات الكفر والعصبية البغيضة، المعبرة عن ميل انحداري شديد نحو كرسي الحكم وعرش السلطنة، حتى لو كلف ذلك الأمة خسارة نهجها المشرق، وطموحات رسالتها الإنسانية، ومنظومتها الفكرية والقيمية.

وبالعودة إلى المراجع التاريخية المعتمدة كمصادر دراسية أساسية في الحقل التاريخي الإسلامي، نجد إن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام عاصر في حياته عدة خلفاء، ممن أتسم حكمهم بالاستبداد والفردية والتسلط والظلم، وشدة الضغوطات الأمنية، ووطأة الخطط السياسية التي كانوا يضعونها، والتي كان إمامنا عليه السلام واعيا لها، ومدركا لحجم وأبعاد خطورتها، على المدى القريب والبعيد.

——————————————————————————–

[1] : المفيد، محمد بن محمد بن النعمان: 2 : 240، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان الطبعة الثانية 1414ه. [2] : سورة الشعراء. [3] : سورة يوسف. [4] : الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: 6 : 56، تحقيق مهدى المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، الطبعة: الثانية 1410 ه. [5] : الجوهري، الصحاح: 5 : 2133. [6] : الكاساني، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع: 7 : 100، تحقق علي محمد معوض، عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1424هـ. [7] : ابن فرحون، إبراهيم شمس الدين محمد، تبصرة الحكام: 2 : 232، تحقيق جمال مرعشلي، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية 1423ه. [8] : سورة المؤمنون: 108. [9] : الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: 460 ح 613/3، تحقيق قسم الدراسات الاسلامية، مؤسسة البعثة، قم، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الأولى 1417ه. [10] : سورة ق: 16. [11] : الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي: 3 : 297 ح 4، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش. [12] : الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: 16 : 86 ح 21054/8، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم المقدسة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثانية 1414ه.

تعليق