2018.06.22

مجالس من التفسير / الشيخ عبد الحميد المرهون

- Sayyed-alakwan | 2014.03.08

قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾

قال كثير من المفسرين: إنّ الآية نزلت بسبب حادثة جرت للرسول| وهي أنّ أبا جهل قال يوماً لقريش: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم قال: فبالذي أحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، قالوا: فما هو ذا يصلي فانطلق ليطأ على رقبته بزعمه، فما فاجأهم إلّا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إنّ بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحه، فقال رسول الله: «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً». وأنزل الله عليه هذه الآية وما بعدها من الآيات المباركة من السورة الكريمة. ولابدّ أن يكون ذلك بعد أن أعلن الرسول دعوته وأظهر عبادته. أمّا الآيات الخمس الأولى فقد نزلت في أول ساعة من بعثته كما تقدم. إذاً فهذه السورة الكريمة على قسمين: قسم سابق، وقسم لاحق.

وبذلك يتضح أنّ المخاطب بكلمة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ هو الرسول|، والذي ينهاه عن الصلاة هو أبوجهل، ولكن المورد لا يخصص الوارد، فمن نهى عبداً من عباد الله عن الصلاة أو غيرها من العبادات، فإنّ الآية الكريمة وما بعدها تصدق عليه.

وقد وصف الله نبيه الكريم في هذه الآية بالعبودية تكريماً له؛ لأنّ مقام العبودية مقام العزة والكرامة والشرف والفضيلة، ولذلك فقد وصف الله بها كثيراً من أنبيائه ورسله ووصف بها نبينا محمداً| في كثير من الآيات، ومنها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾([1])، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾([2]) وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾([3]).

وما ذاك إلّا لما في العبودية من العزة والكرامة، وقد اعتز بالعبودية لله جلّ وعلا من عرف مقامها، ومنهم مولانا أمير المؤمنين(ع)، فقد قال: في بعض مناجاته: «كفاني عزاً أن أكون لك عبداً، وكفاني فخراً أن تكون لي رباً أنت كما أحب فاجعلني كما تحب».

قال بعض العارفين: وقد جاء جلّ وعلا بلفظ العبودية في مقام نهي الكافر الفاجر عن الصلاة للإشعار بأنّ الصلاة ليست عبادة فقط، بل هي مظهر من مظاهر العبودية له جلّ وعلا، بل هي أجلى مظاهر العبودية له سبحانه، ولذلك فقد سمّيت عمود الدين، فإذا انكسر العمد لا ينفع طنب ولا وتد، وهي وهو أول ما ينظر إليه من أعمال العبد يوم القيامة، فإن قُبلت قُبل ما سواها وإن رُدّت ردّ ما سواها.

وعن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة». وقال أمير المؤمنين(ع): «تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها؛ فإنّها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً (يعني موقتاً وواجباً وثابتاً)، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾؟».

قال تعالى: ﴿أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾

أي أرأيت يا محمد| أو يا من بلغه هذا الموقف؟! لأنّ الرؤية المذكورة هنا ليست رؤية بصرية، بل هي رؤية فكرية، فمعناها أرأيت يا من بلغه هذا الموقف إن كان هذا العبد المصلي على الهدى أو أمر بالتقوى؟! كيف يكون حال هذا الذي ينهاه عن الصلاة ويصده عنها؟!

وفي هذا السؤال الاستنكاري إنذار وتحذير لكل من ينهى عن معروف أو يأمر بمنكر.

ثمّ قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.

يعني أرأيت يا محمد| ويا من بلغه هذا الموقف إن كذّب هذا الطاغي وتولى عن الإيمان والإسلام؟! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾أفعاله ويسمع أقواله؟! فقد قال جلّ وعلا أو ألم يحتمل على الأقل عنه وعن أمثاله أنهم إذا سئلوا من خلقهم ليقولنّ الله كما جاء ذلك في آية (87) من سورة الزخرف.

وبناءً على هذه العقيدة الموجودة عندهم ينبغي أن يعلم أو يحتمل على الأقل أنّ الله يعلم به؛ لأنّ خالق الشيء يعلم به ﴿ألا يعلم من خلق﴾. وينبغي أن يكون هذا العلم أو هذا الاحتمال رادعاً له عن الصد عن سبيل الله؛ لأنّ سيرة العقلاء تفرض عليهم أنّهم إذا احتملوا الضرر في شيء تجنبوه وإلّا فإنّهم ليسوا عقلاء.

وإذا كان هذا الطاغي لا يعلم أو لا يحتمل أو يعلم أو يحتمل، ولكنه ينسی أو يتناسى أنّ الله يعلم به فيقدم على ما يقدم عليه، فما لنا نحن المؤمنين، وإنّ الله معنا أين ما كنا، نقدم على معاصيه؟! وقد روي عن إمامنا الصادق(ع) أنه قال: «خَفِ الله كأنك تراه، فإن لم تره فإنه يراك، فإن شككت أنّه يراك فقد كفرت، وإن علمت أنّه يراك ثمّ بارزته بالمعصية فقد جعلته أهون الناظرين إليك». فإنّا لله وإنا إليه راجعون! يا لها من موعظة! ما أبلغها!

فعلينا أن نعتذر لربنا ونتنصل من ذنبونا بما أرشدنا إليه سيدنا ومولانا علي بن الحسين زين العابدين(ع) في دعائه المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، فنقول: «إلهي لو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته، ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنّك أهون الناظرين إلي وأخف المطلعين عليّ، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين وأحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين ستّار العيوب غفّار الذنوب علّام الغيوب، تستر الذنب بكرمك وتؤخر العقوبة بحلمك».

وقد روي: أنّ عارفاً من العارفين قارف ذنباً وما أسرع أن تاب واستغفر منه، ولكنه كان بعد ذلك لا يزال يبكي، فقيل له لم هذا البكاء؟ ألم تعلم أنّ الله غفور رحيم؟ فقال: بلى، ولكن متى أستطيع أن أبعد عن نفسي الإحساس بالخجل منه جلّ وعلا وهو قد رآني أمارس ذلك الذنب؟

تعليق